الأعمال “الفنية” التلفزية خلال رمضان..

الأعمال “الفنية” التلفزية خلال رمضان..

ضحك كالبكاء، وثرثرة بلا معنى…

بقلم: إدريس الواغيش
………
الأدب هو العنصر المغيب قسرا في أغلب الأعمال التلفزيونية المغربية المعروضة في رمضان، إذ المفروض فيها تهذيب الذوق العام وصقله لدى المتلقي، ودعم الثقافة عموما، وتنمية المجالات المرتبطة بها من فكر وأدب.
أقصد بالأدب هنا كل ما يتعلق بالإبداع في الكتابة من: قصة، شعر، حكاية ورواية..إلخ، ولا أقصد السلوك الفردي والجماعي، كما قد يظن البعض، أو كما هو متداول في الفهم الشعبي والجمعي والأثر الاجتماعي المغربي عامة.
الدراما بمختلف أنواعها عبارة عن نصوص أدبية في الأصل أعدت للقارىء، ولكن السيناريست يعيد ترتيب فقراتها فنيا وفق رؤيته الفنية، وتصبح بالتالي صالحة لأي عمل مسرحي أو تلفزيوني وسينمائي. والمخرج يعمل من جهته على إيجاد جسر يربطها بالمشاهد أو المتلقي عموما، والعمل على تقديمها عبارة عن عمل فني يتتبعه المشاهد عبر الشاشة من خلال مسلسل، فيلم أو على الركح، إن تعلق الأمر بمسرحية جادة أو هزلية، عبر أداء حي يقدمه أو يشخصه ممثلون وممثلات، يشاركهم فيه أشخاص عاديون يؤدون أدوارا ثانوية أو ما يعرف عادة بال”كومبارس” في المجال الفني.
ولكن الملاحظ، هو أن ما عرض على شاشاتنا المغربية من أعمال فنية مغربية في شهر رمضان، وهو ما نتابعه ويعنينا، سطحي وبعيد كل البعد عن الثقافة والكتاب، وعن كل ما هو أدبي، ولا نجد فيه كمتفرجين شيئا من الفن، حتى لا نذهب بعيدا ونقول الأدب.
ولذلك، كثيرا ما أجد نفسي في حرج من أمري، سواء كنت ضيفا عند أحد أصدقائي ، وعائلتي أو في البيت بين أفراد أسرتي الصغيرة. أجدني غير قادر على الانخراط مثلهم في متابعة بعض الأعمال التلفزيونية المعروضة على الشاشة المغربية في رمضان، وحتى أكون واضحا وضوح الشمس بشكل لا لبس فيه، أعترف أنني أجد نفسي في الغالب مكرها على فعل ذلك، حتى لا أتهم بالنخبوية العالمة. كما لا أنكر أنني غالبا ما أجد نفسي خارج المشهد تماما “Hors- jeux” غصبا عني، وبالتالي تسبقني أصابعي إلى شاشة الهاتف، أستبدل مكرها وضعا بوضع، وأنا أعرف أن سلوكا مثل الذي اقترفته غير أخلاقي، ولا يروق لكثير من الناس، وقد يكون أولهم أولادي وزوجتي، وبالتالي يعيبون علي بعد ذلك فعلتي أثناء نقاشاتنا عند العودة إلى البيت.
قد نتابع مكرهين أعمالا تلفزيونية أو سينمائية مغربية تعرض على الشاشة لحظة الإفطار وما بعده، قبل التحرر والخروج من دائرة المشهد إلى الشارع. ويمكن إدخال الكثير من هذه الأعمال في خانة ريع الدولة المغربية في شهر رمضان، تقدمه لأشخاص معينين أو إلى جهات بذاتها محسوبة على الفن، وليس في الطاقات الإبداعية كما يفترض أن يكون عليه الأمر، لأنها بعيدة كل البعد عن المعايير المهنية والاحترافية في المجال الفني، ولأن مثل هذه الأعمال، إن كانت فنية، لا تنتمي إلى صنف الدراما ولا إلى التراجيديا أو إلى جنس الكوميديا. ولذلك تجد الممثلين والممثلات يضحكون فيما بينهم ضحكا هو أقرب إلى البكاء، ولا ينتظرون من المشاهد والمتلقي ضحكا، وكأن العمل معمول لهم بذاتهم، كي يضحكوا من خلاله على المشاهدين، وليس معمولا من أجل إسعاد أو إدخال البهجة على المشاهد الذي يتابعهم، وكأن هذا المشاهد- المتلقي مغلوب على أمره، وغير جدير بالاستمتاع ولا الضحك معهم، لأنهم كانوا وضعوا كل ما يمت إلى الأدب منذ البداية في غير إنائه، مع سبق الإصرار والترصد.
تحضرني هنا، والحالة هذه، أسماء بعض المخرجين والمبدعين من مصر وسوريا تمكنوا من فن الإخراج التلفزيوني والسينمائي والمسرحي تحديدا، لأنهم الأكثر استهلاكا وعرضا على شاشات تلفزاتنا العربية.
ومع ذلك، ظل هؤلاء النجوم مخفيين وراء الكاميرات لسنوات طويلة، دون أن يعرف بهم إلا الراسخون في الفن، أذكر هنا أسماء مثل: يوسف شاهين، شادي عبد السلام، كمال الشيخ وغيرهم. ما يحسب لهؤلاء الكبار، أنهم لم يتطاولوا على ما ليس لهم، كما يفعل بعض المتطفلون من المخرجين المغاربة.
وفي الدراما السورية، تحضرني أسماء أخرى كبيرة وازنة، من قبيل: حاتم علي، نجدت أنزور، بسام الملا وغيرهم. وفي كتابة السيناريو، يحضرني اسم أسامة أنور عكاشة، مروان قاوون، كمال مرة، وليد سيف، ممدوح عدوان وآخرون، وفي الأداء التلفزيوني والمسرحي والسينمائي، تحضرني لائحة من الأسماء والوجوه الوازنة من الجنسين، تبدأ ولا تنتهي في كل من: مصر، سوريا، لبنان والمغرب.
في كل هذه الأعمال الفنية لهؤلاء الرواد التي ذكرناها، نستحضر جملا وحكما وعبارات وعلامات، ظلت لسنوات ملتصقة بأذهاننا كتمفرجين مغاربة وعرب منذ الشباب، سبق لنا أن شاهدناها في أعمال فنية رائعة في التلفزيون والمسرح والسينما العربية، يكون جوهرها من صميم الأدب الراقي، وهي مستوحاة من روايات عالمية أو عربية، ولو أنها تنتمي فنيا إلى أعمال تلفزيونية عادية وليس إلى الدراما التاريخية التي تفنن فيها السوريون والأتراك على الخصوص أكثر من غيرهم.
في المغرب، نجد المشاهدين يتابعون الأعمال الرمضانية التي تعرض على الشاشات في القنوات التلفزية على قلتها مكرهين، لا خيار لهم غير الإذعان، لأنها تفرض عليهم قسرا مرتين، في الأولى على الشاشة وفي الثانية داخل فضاء البيت والأسرة، سواء في وقت الإفطار أو قبله وما بعده.
وبتقييمنا الفني والأدبي لهذه الأعمال الفنية، لا نجد في كثير منها، إن كانت كذلك فنا أدبا، ما يوحي بذلك. ولا هي مستوحاة من عمل أدبي ناجح لقاص أو مؤرخ وروائي، وهنا أقصد أجناسا بذاتها: القصة، الرواية، الحكاية، الحدوثة، الحدث الاجتماعي أو التاريخي المغربي الذي يقتضي الأمر تدوينه والافتخار به. كل ما في الأمر، ضحك كالبكاء، وضجيج يشبه صراخ الاستغاثة، وثرثرة بلا معنى، يتبعها إشهار مجاني”باسل وحامض”.
الأدب التلفزيوني له أدبياته وأدبيته ومخرجوه، وهو لا يختلف في شيء عن الأدب الذي نقرأه في الكتاب من رواية، قصة وقصيدة، إن لم يكن هو ذاته وبعينه. أدب يحمل فكرا نتأمله، رأيا نتبناه أو ننكره على صاحبه، ووجهة نظر وجيهة نعمل بها أو نعارضها. ولكن ما نشاهده على شاشاتنا المغربية في أغلب الأعمال التلفزيونية، لا يعدو أن يكون مجرد ثرثرة وكلام غوغائي في الغالب، لا يحمل ثقافة أو فكرا ولا ما يقربنا إلى عوالمه، لأن المخرج المغربي في كثير من هذه الأعمال التلفزيونية، الذي يكون تكوينه تقني في الأساس، نجده منتجا للعمل الفني وكاتبا للسيناريو، وهو مخرجه الفني، وموزع الأدوار على الممثلين والممثلات في نفس الوقت، وهو بالإضافة إلى كل ذلك “نجم” العمل الفني المطلق، سواء كان في المسرح، التلفزيون أو السينما، ويختار وجها نسائيا مليحا يشاركه البطولة من أجل التمويه والإلهاء، حتى لا يكون هو البطل المطلق الذي”يطاق” بلا حياء.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *