المطرب محمد الإدريسي :عبق الغناء الشعبي

المطرب محمد الإدريسي :عبق الغناء الشعبي
               عبد المجيد شكير

المطرب الذي غنى للمرأة المغربية وخاصة البدوية

عرفت الأغنية المغربية عبر تاريخها تجارب كسرت السائد والمعتاد لترسم لها مسارات مغايرة لما هو مألوف، وتمردت على التيار العام لتفتح لها آفاقا جديدة تمنحها الإضافة النوعية التي تسير بها إلى الأمام، ونستحضر هنا على وجه الخصوص تجربة الإخوة ميكري، وتجربة الثلاثي آمنا، وتجربة محمد الإدريسي في الغناء الشعبي، فما الجديد الذي حملته هذه التجربة الأخيرة على مستوى الشكل وعلى مستوى المضمون؟ وما هي العوامل التي أفرزت يا ترى هذه التجربة وساعدت على نجاحها؟ وما هو سر توقفها؟
عرفت سنة 1933 ميلاد الفنان محمد الإدريسي بمدينة سلا، وقد انضم مع المطرب المعطي بن قاسم إلى جوق الاتحاد السلاوي تحت رئاسة الفنان محمد بن عبد السلام، ثم أقام بعد ذلك في فرنسا فسجل هناك أغانيه الأولى مثل (شوف فيا ـ والله ما يدوزكم قلبي ـ مولاة الخال….)

وفي الستينات وبدعوة من صهره الفنان محمد بن عبد السلام عاد إلى المغرب ليشارك معه في جوق مكناس ولاسيما أن الإدريسي كان يعزف بمهارة على آلة العود ويجيد الإيقاع، وكان الفنان محمد بن عبد السلام يبحث عن أصوات جديدة ذات نفس شعبي تتناغم مع ألحانه، فوجد ضالته في محمد الإدريسي.

ومنذ ذلك الوقت انطلقت حكاية الاثنين لتصنع لنا قطعا شعبية ظلت محفورة في تاريخ الأغنية المغربية (يازهرة جيبي الصينية ـ عندي بدوية ـ بنت بلادي زينة ـ محجوبة ـ لالة مولاة الدار….) وغيرها… علاوة على مشاركته في عدة محاورات غنائية مثل (يا سلمية) مع سعاد محمد، ومحاورة (أنا سلاوي أنا رباطي) مع إدريس واكواكو وعبد السلام أمين، ولهما أيضا قطع وطنية مثل (واد زيز أو يد الله مع الجماعة) و (وجايين أو فرحة الأحباب) كما أعاد محمد الإدريسي قطعا أخرى لغيره . وعلى سبيل المثال نذكر أغنية (حكايتي مع نسيبتي) لأحمد العماري ، والأكيد أنه كانت هناك عوامل متعددة تضافرت لتنسج خيوط النجاح لهذه التجربة وأهمها :
1ـ المضامين الاجتماعية: كانت أغاني محمد الإدريسي مستوحاة من الواقع ، ولا سيما الواقع الشعبي،  متطرقة لمواضيع اجتماعية متعددة وعلى رأسها تيمة المرأة،  والتي حضرت عنده بقوة ، ووردت بطلاته أحيانا بأسمائهن (زهرة ـ عويشة ـ محجوبة ـ سليمة ـ فطومة ـ السعدية….) وأحيانا أخرى بصفاتهن (بدوية ـ مولات العين الكحلة) ، وكان بديهيا أن تتجاوب العامة مع هذه التيمة باعتبار حساسيتها وارتباطها بالشرف،  وبسمعة العائلة في المجتمع المغربي والعربي عموما.

لقد قدم في أغانيه صورة نموذجية عن المرأة المغربية التقليدية، فهي جميلة بالفطرة، من غير مساحيق،  ومن غير ماكياج (بنت بلادي زينة ـ الله عاطيك الزين العيون كحلين والشعر سوداني ـ عندي بدوية عندي في بيتي بلا زواق مضوية عليا وعلى المكان….) وهي صبورة وقنوعة ومخلصة لزوجها، متفانية في رعاية أبنائها ، أصيلة محافظة على تقاليد المجتمع وأصوله (محلاها تلبس حايك محربل ودير الحنا في إيديها شربيلها زقلي فاسي…) وانتقد المرأة المغربية في ارتدائها اللباس العصري الذي يخرج عن الحشمة والوقار مقلدة في ذلك المرأة الغربية (محجوبة علاش مشيتي خيطتي كسوة مقزبة تشوهتي / علاش دايرة الميني جيب/ راه حشومة خايب وعيب…) كما تناول في أغانيه أيضا مواضيع أخرى ذات طابع اجتماعي مثل تسريحة الشعر فهاجم شبابنا الذين تأثروا ببعض التقليعات الغربية فنقلوها إلى مجتمعنا مثل ظاهرة (الهيبي) ( قوللي يا الهيبي /

واش أنت غربي ولا أنت عربي… آش هاذ البسالة وهاذ الحالة…) وصور لنا عالم الخرافة والشعوذة من خلال (الفقيه أو الطالب) والذي يكتب (حجابا) يمكن قاصده من قضاء حاجته هذا علاوة على موضوع البطالة الذي تناولته أغنية )المعكاز( وموضوع الزواج في عدة أغان (بغيت نتزوج ـ المعلم كبور ـ ما عندي زهر في الدنيا ـ لقيت طفلة) ويبدو أن أغاني الفنان محمد الإدريسي لم تكن فقط تدافع عن ثقافة المغرب وأصالته بل كانت أيضا تدافع عن كل ما يحمل البصمة المغربية ومن ذلك ما تنتجه أرض المغرب من خضر وفواكه لها فوائد صحية (البصلة ـ مطيشة ـ التفاح ـ البنان …) وما تتوفر عليه بحار المغرب من ثروة سمكية ذات فاعلية عالية في التغذية (الشابل ـ الصول ـ السردين.) وفي القطعتين الأخيرتين رسالة ضمنية مفادها ضرورة تجنب المأكولات الأجنبية والاكتفاء بما لدينا. وحتى في الأغنية الوطنية أحيانا نجد التركيز على الاحتفالات الاجتماعية بالأعياد والمناسبات مثل (توزيع المشروبات على الاحباب في قطعة يا زهرة جيبي الصينية ــ عروض الخيل والبارود في قطعة ياسليمة وبسط الأفرشة في قطعة فرشي الزربية……)
2 ـ اللغة: غنى محمد الإدريسي بلغة عامية بسيطة وسهلة وهذا ما جعلها تنفذ إلى القلوب بكل سهولة، وتستقر في الوجدان وتترسخ في الذاكرة، بل كان يردد أحيانا في أغانيه عبارات شعبية شائعة مثل(الريح اللي جا يديك ـ لا خدمة لا ردمة ـ مولاة الدار عمارة الدار- تبارك الله….) لاغرو في ذلك فأغانيه كانت بأقلام متمرسة لها القدرة على التعبير والتجسيد وعلى توظيف اللغة المناسبة القادرة على التأثير مثل أحمد الطيب العلج الذي كتب له (مولات البركي) والطاهر سباطة صاحب قطعة (عندي بدوية) والعربي بنتركة الذي ألف له (الهيبي) بل إن الملحن محمد بن عبد السلام كان يكتب له من حين لآخر (فرشي الزربية….)
3 ـ اللحن : جل أغاني الفنان محمد الإدريسي كانت من ألحان الفنان محمد بن عبد السلام أحد رواد الأغنية المغربية، وهو ذو كعب عال في تلحين الزجل بأسلوبه المغربي الأصيل ذي النزعة الشعبية الخفيفة الراقصة أحيانا، وباعتبار المضامين الاجتماعية المستلهمة من واقع العامة كان هو الملحن الأنسب.
4 ـ الغناء: اعتمدت أغانيه على صوته الجهوري القوي لشد الأسماع إليه، وكان للكورال حضور بارز باعتبار المساحة الزمنية التي شغلها داخل كل أغنية وهذا التناوب بين الغناء الفردي والغناء الجماعي أكسب الغناء حيوية وأبعده عن الملل والروتين.
5 ـ قابلية المجتمع وتجاوبه: غداة استقلال المغرب، تقوي شعور المغاربة بالانتماء، وازداد تعلقهم وارتباطهم بجذورهم وهويتهم خصوصا أمام ما خلفه المستعمر الدخيل من رواسب ثقافية تهم اللباس والسلوك والعادات، وفي ظل هذه الأجواء كان من الطبيعي أن تتجاوب العامة مع هذه الشعبيات الغنائية ذلك أنهم اعتبروها لسانا ناطقا باسمهم، ومدافعا عن أصالتهم، ورافضا لكل الثقافات الأجنبية التي تحاول طمس معالم هويتهم.
6 ـ تناغم الملحن والمطرب : بين محمد بن عبد السلام ومحمد الإدريسي قرابة دموية فالمطرب هو أخو أمينة إدريس زوجة الملحن، وقد ساعدت هذه العلاقة على التوافق والإنسجام بينهما وظهرت الآثار جلية في تعاونهما المشترك
للأسف لم يدم نجاح هذه التجربة طويلا فتوقفت نظرا لعدة أسباب يمكن إجمالها فيما يلي:
1 ـ أسباب اجتماعية : أخذت بنية المجتمع التقليدي تتفتت تدريجيا وخصوصا على المستوى الثقافي ( اللباس ـ العادات ـ السلوك …) وحلت محلها بنية حديثة وعصرية بملامح ثقافية

مغايرة للمألوف، وبذلك أصبحت أغاني الفنان محمد الإدريسي متجاوزة، وفقدت ماكانت تتمتع به من نجاح وإقبال.
2 ـ أسباب فنية: لم تطور هذه التجربة نفسها فسقطت في فخ التكرار الاجترار مما أصاب المتلقي بالملل والنفور وكان المفروض أن تواكب المستجدات لتجد صداها عنده.
3 ـ أسباب شخصية: انشغل الفنان محمد الإدريسي كثيرا بمرض ابنه (الربو) مما جعله يبتعد عن مشروعه الفني إلى أن هاجر إلى فرنسا سنة 1975 قصد العلاج وظل بها إلى أن وافته المنية سنة 2016 وهو في الثالثة والثمانين من عمره .

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *