أصدقاء المغرب

أصدقاء المغرب

رجل دين فرنسي… يساند ويدافع عن المغاربة

لويس ماسينيون Louis Massignon 1962-1883

بقلم: أحمد قابيل

لويس ماسينيون أحد كبار المستشرقين الذين أنجبهم القرن العشرون، ولا يمكن لأي دارس للفكر الإسلامي خاصة ما يهم التصوف، وبالأخص ما يهم الحلاج، الاستغناء عن كتابات لويس ماسينيون في هذا الباب، رغم التأويل الذي أعطاه لتصوف الحلاج ولتجربته الروحية.
لكنه ليس مفكرا مهتما بالإسلاميات فقط، بل هو رجل سياسية أيضا وعالم آثار وجغرافي، فقد حضر مع لورنس دخول القوات البريطانية إلى القدس سنة 1917 إثر انهزام الجيوش التركية، وكان ممثل فرنسا في اللجنة المكلفة بتصفية تركة الإمبراطورية العثمانية. اتصاله بالعالم الإسلامي بدأ حين وصل إلى المغرب سنة 1904 لتهيئ أطروحة عن الحسن الوزان (ليون الإفريقي)، جاء إلى فاس للتأكد من المعلومات التي أوردها الوزان عن المغرب، وكانت حصيلة أبحاثه كتابه “المغرب في السنوات الأولى من القرن السادس عشر، لوحة جغرافية حسب ليون الإفريقي “والذي نشره سنة 1906.

سافر بعد ذلك إلى مصر ليعمق لغته العربية وليلتحق بمعهد الآثار الشرقية، وليعطي بعض الدروس في الجامعة المصرية الناشئة، ويكون من بين طلبته شاب ضرير اسمه طه حسين. ثم ينتقل إلى بغداد سنة 1907 ضمن بعثة لاستكشاف بعض المواقع الأثرية. وهناك يزداد تعمقه في الفكر الصوفي الإسلامي الذي كان قد بدأه في مصر، ويهتم خاصة بشخصية الحسين بن منصور الحلاج الصوفي المسلم الكبير، ويكون من حصيلة أبحاثه كتابه الأساسي “آلام الحلاج”، الأمر الذي سيؤهله إضافة إلى كتاباته الأخرى عن الإسلام واللغة العربية ليحتل كرسي علم الاجتماع الإسلامي بالكوليج دو فرانس Collège de France، ويكون من تلاميذه وأتباعه العديد من المستشرقين الذين نعرفهم: جاك بيرك Berque مكسيم رودنسون، فانسان مونتيل V.Monteil وغيرهم…كان لويس ماسينيون في سنواته الأولى يؤيد التوسع الفرنسي في أقطار المعمور، وإن كان يميل إلى أن يتم ذلك بالوسائل الديبلوماسية، وأن يكون لأي استعمار وجه إنساني لا يجب أن يغيب، ولهذا كان يؤيد سياسة ليوطي في المغرب باعتبارها تدعو إلى ضرورة الحفاظ على عادات وتقاليد البلاد، وأن تكون الحماية مجرد مراقبة تساهم في تأهيل المغاربة ليدبروا شؤونهم بأنفسهم فيما بعد، لكن الحماية أخذت وجها آخر مخالفا وعنيفا.

بعد الحرب العالمية الثانية يجهر لويس ماسينون بعدائه للاستعمار خاصة في شمال إفريقيا، فيؤسس جمعية سماها فرنسا – الإسلام تهتم بالشعوب الإسلامية، والتعريف بثقافتها، من أجل ردم الهوة التي بدأت تتسع بين الشرق والغرب، وتشجيع كل حوار بين أتباع الديانات الثلاث” أبناء إبراهيم” ، ويزور علال الفاسي في القاهرة حيث كان منفيا، ويكتب داعيا إلى التخلص من الفكر الاستعماري، وإلى ضرورة احترام ثقافات الشعوب الإسلامية.
بعد أحداث دجنبر 1952 بالدار البيضاء،  سيكون ضمن الذين استنكروا الأساليب التي استعملتها الإقامة العامة لقمع المغاربة المسالمين ، وإهانتهم وتقتيلهم دون مبرر، وسيكون بعد ذلك أحد المؤسسين للجنة فرنسا¬ المغرب France-Maghreb التي تشكلت للدفاع عن شعوب شمال إفريقيا،  ضد القهر والتعسف التي تمارسه السلطات الاستعمارية، وكان من الأعمال الأولى التي قامت بها هذه اللجنة، وقوفها ضد المؤامرة التي بدأت تحاك ضد الشرعية في المغرب،  حين جندت الإقامة العامة عملاءها الكلاوي وعبد الحي الكتاني لتأليب القواد والباشوات ضد ملكهم الشرعي.

ففي الندوة التي عقدتها اللجنة لتقديم أهدافها وبرنامجها يوم 29 يونيو 1953 بحضور الجنرال كاترو Catroux وفرانسوا مورياك (رئيس اللجنة) وشارل اندري جوليان، وبلاشير Blachère، يلقي لوىس ماسينون عرضا مفصلا عن مفهوم الشهادة Témoignange في الإسلام، وبثقافته الواسعة عن الإسلام وتاريخه، يفند ادعاءات الكتاني والكلاوي، وباقي العملاء الذين دعوا في عريضة لهم إلي تنحية ملك البلاد الشرعي محمد بن يوسف :

إن دعوى الكلاوي وشهادته باطلة شرعا، إنها شهادة زور، فالكلاوي غير مؤهل للأخذ برأيه في هذا الأمر الجلل (عزل السلطان)، فقد بنى مجده وثروته بالتعسف والنهب وبفرض الأتاوات على دور الدعارة في مراكش، واغتنى من ذلك كثيرا، وكيف تقبل شهادة الكتاني وهو الذي لا يعترف به علماء مدينة فاس أنفسهم، لأنهم يعرفون تواطؤه مع السلطات الاستعمارية منذ مدة طويلة، إن ما يحرك عبد الحي الكتاني في الحقيقة هو حقده على العائلة المالكة، بسبب مقتل أحد أفراد عائلته في بداية القرن من طرف السلطان عبد الحفيظ.

في هذه المحاضرة، التي لقيت صدى واسعا، ينوه ماسينيون أيضا بموقف العالم الوطني محمد بلعربي العلوي الذي قام ضد المؤامرة، وفضح أصحابها، فاعتقلته السلطات الفرنسية ووضعته في الإقامة الجبرية، وطالب ماسينيون في هذه الندوة بإطلاق سراحه هو وباقي المعتقلين الآخرين، وأشار إلى أن سلطات الحماية قد حذفت من الكتب المدرسية الموجهة للمغاربة تاريخ البطلة الفرنسية جان دارك، لأنها قامت ضد المحتلين لنصرة المظلومين، فالاستعماريون يعتبرونها فرنسية سيئة مثلما يفعلون مع أعضاء جمعية فرنسا – المغرب.

كان من ضمن المواقف المشرفة التي قام بها لويس ماسينيون أيضا زيارته للمغفور له محمد الخامس في منفاه بأنتسيرابي تضامنا معه ومع كل المغاربة الذين يطالبون بحقهم في الحرية والكرامة.

بتاريخ 11-10 فبراير 2006 عرفت قاعة المكتبة الوطنية للمملكة المغربية تنظيم ندوة عن لويس ماسينون والمغرب وكانت ندوة وفاء لهذا المسيحي الذي ناصر المغاربة في سعيهم لاستعادة كرامته.

نبذة  مختصرة عن سيرته : 

لويس ماسينيون (1883-1962) : مستشرق فرنسي، ومختص في الدراسات الإسلامية. ولد في فرنسا، درس في جامعة السوربون. كان ماسينيون مهتمًا بالثقافة الإسلامية واللغة العربية، قام بالعديد من الرحلات إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
ماسينيون كان أستاذًا في جامعة السوربون، وترأس معهد الدراسات الإسلامية في باريس.
نشر العديد من الأعمال حول الإسلام والثقافة العربية، بما في ذلك كتابه الشهير “الفتوة” (La Futuwwa).
ماسينيون كان أيضًا مهتمًا بالحوار بين الأديان، وعمل على تعزيز التفاهم بين المسيحية والإسلام. حصل على العديد من الجوائز والتكريمات لمساهماته في الدراسات الإسلامية.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *