القراءة بين الأمس واليوم
هل القراءة تزحف نحو الإختفاء…!؟

اسمحوا لي في البداية أن أعرفكم بنفسي، فأنا من مواليد مرحلة بداية الاستقلال، ومن ورثة المرحوم سي أحمد بودماغ عفوا بوكماخ، المربي الفاضل الذي ترك لنا القراءة باعتبارها أهم نشاط تعليمي، حيث ظل يعلمنا كيف نقرأ، ونفهم ذاك المقروء، لتظل “سعاد” في المكتبة وفية لفعل القراءة، خصوصا ونحن من سلالة أمة اقرأ، وقديما فإن” الجاحظ” لم يورد بما جاء في مكة ولا بما في عكة ولا حتى بما في غزة، بل استشهد بكل ماجاء في المكتبة.
في بداية الاستقلال ورغم الأمية، كانت الجدات يحكين للأحفاد حكايات شيقة، مليئة بالعبر والقيم، فظلت راسخة في الأذهان ولازالت الى يومنا هذا هي كذلك.
وكانت الاذاعات تخاطب المستمعين بلغة عربية فصيحة،” كصوت القاهرة ” و”هنا لندن ” ومن خلال الاذاعة المغربية كنا نستمع للعلامة السيد “ المكي الناصري ” فجرا، حيث رنة صوته لا زال صداها مسجلا في أذهان الكثير من المغاربة، وكانت الأزقة شبه فارغة عندما كان وقت تدييع مسلسل” الأزلية” ومسلسل “عنثرة بن شداد“، لأن الكل كان مولعا بالاستمتاع بأحداثها المروية بلغة واضحة سليمة تشدك إليها شدا. وكانت الكتب هي ملاذنا الوحيد والمفيد.
وفي مساء يوم الجمعة أو السبت، كنا نتجول بحي الأحباس لنتأمل كل الكتب المعروضة ونقرأ عناوينها المتنوعة، حيث تعرفنا على “نجيب محفوظ ” و “احسان عبد القدوس ” و” سلامة موسى” و”تولستوي “و”مكسيم کورݣى” و”فيكتور هيجو ” وغيرهم كثير من المبدعين عالميين.
ورغم ضعف القدرة الشرائية كنا نكتري القصص من عند بائع الزريعة أو من عند أي كتبي متواضع، وبعدها أصبحنا نشتري مجلة “المزمار” الصادرة من العراق ومجلة “العربي” الصادرة من الكويت ،ومجلة “الوطن العربي” حيث كان يكتب كل من “ محمود درويش ” و”نزار القباني” حول قضايا الساعة، وكنا كذلك نقرأ مجلة” لاماليف ” التي تتناول مواضيع عميقة وقوية، يقبل عليها جيلنا بنهم كبير. ولعل ما كان عاديا ومألوفا هو أن نكون من رواد المكتبات : المكتية البلدية ، مكتبات دور الشباب ، بالإضافة الى مكتبة القسم، داخل مختلف المؤسسات التعليمية.
أما اليوم ومع هجوم وهيمنة الشاشات ، تم العزوف وبشكل خطير عن القراءة، وأصبحت الكتب حبيسة الرفوف، لا من يتصفحها أو حتى يسرقها كما كان عليه الأمر خلال مرحلة تعليمنا الجامعي. الآن وأنت تتجول في كل المدن وفي كل الشواطئ ، أو حتى في القطارات ، فلا تجد الا قلة قليلة من تشد بين يديها كتابا ما أو رواية أو حتى جريدة، لأن الأغلبية تبقى مشدودة بعيونهم الجاحظة في مختلف الشاشات.
فالى متى سيظل هذا الواقع المخيف على ما هو عليه ؟!
والى متى سيستمر هذا الكفر بالقراءة؟ بل وأي أفق ينتظر الكتاب ونحن نعيش الألفية الثالثة التي طغت فيها مختلف الاتصال السمعي البصري، وزادت من حدتها قوة الذكاء الاصطناعي؟
فهل سيبعث الفعل القرائي من جديد أم أنه سائر في اتجاه مثواه الاخير؟
سرحان عبد اللطيف
الدار البيضاء في 1 . 6 . 2025
