مدارات…

مدارات…
محمد السرغيني

ثالوث المعرفة التنويرية في الغرب الإسلامي 

         إدريس الواغيش

بعيدا عن بهارات التكنولوجيا الحديثة التي أدخلتنا بالإغراء والغصب في دوامة العولمة، غزت عالمنا وبيوتاتنا وأثرت سلبا وإيجابا على سلوكيتنا وعاداتنا، حتى أصبحنا عبيدا لها في كثير من الحالات. ولكن، قد نتساءل في براءة وبرودة أعصاب: هل نحن قادرون على إنتاج معرفة تليق بالعصر الذي نعيش فيه؟ وهل بإمكاننا كعرب ومسلمين بناء مجتمع معرفي يليق بإرثنا التاريخي والمعرفي، يحلق بنا أعلى مما نحن فيه من درك حضاري بين الأمم المتقدمة؟
بعيدا عن تشريح هذه ال “معرفة” وماهيتها، والخوض في فصلها وأصلها ومفاهيمها الأكثر اشتباكا وتعقيدا، فإننا لا نجد لها أثرا في كثير من الكتب المتداولة في مختلف الأجناس الإبداعية والفكرية في الوقت الراهن.
المسلمون والعرب من جهتهم، لم ينتجوا لنا معرفة تليق بتاريخهم منذ القرون الوسطى، أما في أوروبا والغرب، فقد جفت ينابيع المعرفة في مهدها بكل من ألمانيا وفرنسا منذ نهاية القرن التاسع عشر، وإلى حدود القرن العشرين. ولم نعد قادرين على إنتاج معرفة ترج الكون، وتغير من أحواله وسكونه في بعده الإنساني. أصبحنا نكتفي بإعادة إنتاج نفس المعرفة السابقة، ونعمل على تدويرها بشكل سيء في أحسن الأحوال.
أغلبية المبدعين والمفكرين العرب، حتى لا أعمم، فيما أعلم ولا أعلم، لا يمتلكون الجرأة الحقيقة لطرح أسئلة مستفزة وجديدة، إما خوفا من طغط إجتماعي أو من محاصرة أسئلة قد تهدد أمنهم الداخلي، ولذلك نجدهم يكتفون بأخذ أفكارهم من كتب أخرى مترجمة أو بلغاتها الأصلية من ثقافات قديمة، بعضها يكاد يكون منسيا، وينسبونها لأنفسهم، ثم ينشرونها كمعرفة جديدة خاصة بهم، ويوهمون القارئ بأنها ملكية فكرية صرفة، والحقيقة هي غير ذلك. ويتناسون أنهم بذلك، يعملون على إعادة إنتاج معرفة قديمة أنتجها غيرهم، وكان دورهم فيها أن صاغوها بشكل رديء. ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: ماذا نقرأ لكي نعرف؟ وحتى نكتب عنه أو ننتج منه، بعد عمليتي الهضم والاستيعاب، معرفة جديدة تليق بعصرنا؟ الكل يكتب ويفكر، ولكن ماذا؟ وكم يقرأون؟
سأعتمد على ثلاثة نماذج من الغرب الإسلامي، واحدة من المغرب واثنتان من الأندلس، كل نموذج طور نفسه في مجال اشتغاله، وكل في زمانه ومكانه ومجال تخصصه، وأعطانا شيئا جديدا. وهكذا نجد في الفكر ابن رشد، وفي التصوف ابن عربي. أما في الشعر، فلن نجد أكثر من الشاعر محمد السرغيني، إذ لا شيء فيما أنتجوه، يتشابه مع معرفة من سبقوهم.
النموذج الأول هو الفيلسوف ابن رشد، درس الفلسفة اليونانية القديمة والشريعة الإسلامية، واستوعب الإثنتين معا، وأمكنه ذلك من إنتاج معرفة جديدة، تآلف بين الفلسفة والشريعة، واعتبر أن الاثنين لا يختلفان في البحث عن الحقيقة الخالصة، وكل منهما يصب في خانة واحدة، ولا يتعارضان، بل يكملان بعضهما البعض. وهكذا ترك لنا فلسفة عربية إسلامية بمرجعيات خاصة، وهو ما أعطى لهذه الفلسفة- المعرفة ديمومة وخصوصية ومكنها من الاستمرارية، في حين وصلت كل الفلسفات الأخرى السابقة لها، ومنها فلسفة كثير من الفرق الكلامية، التي اعتمدت بشكل منفرد، إما على القرآن والسنة وحديث الأئمة أو على الفلسفة اليونانية، والنتيجة أن فلسفاتهم وصلت إلى الباب المسدود والاختفاء. وبالتالي، لم تستطع مقاومة زحف الزمن الذي كان يتربص بها، وتناست أن عالم المعرفة يتطور من حولها.
النموذج الثاني يتعلق بالشيخ الأكبر محي الدين بن عربي، وهو فيلسوف قبل أن يكون صوفيا، تتلمذ على يد معلمه ابن رشد، وتأثر أيما تأثر بفلسفته. ولذلك، جاءت صوفيته مختلفة عن باقي الصوفيات الأخرى التي نعرفها، صوفية عقلانية لا تستسلم للمسلمات والثوابت، ولكنها تعتمد الدليل العقلي، والمنطق في معرفة الخالق والحقيقة الإلهية، ومستعدة لمواجهة كل المتغيرات من حولها. لا تتكىء صوفيته على الزهد في الدنيا والانصراف إلى التعبد في الكهوف، كما كان يفعل أغلب متصوفة زمانه، حاول جاهدا أن يقرب بين الفلسفة والتصوف، ولكن دون أن يخرج من ظلال الشريعة الإسلامية، لأنه كان يعمل بمبدإ محدودية العقل، وجعله وسيلة لمعرفة العبادات لا غاية، عكس ما كانت تؤمن به فلسفة الغرب التي أعطت للعقل سلطة مطلقة.
النموذج الثالث يعطيه لنا الشاعر محمد السرغيني من المغرب، درس قديم الشعر العربي في جامعة القرويين، وحديثه في المشرق العربي والغرب الأوروبي، وأضاف له ما أمكنه الاطلاع عليه، وما استطاع الوصول إليه من شعر غربي حديث بلغاته الثلاث العالمية التي يتقنها: الفرنسية، الإنجليزية والإسبانية. وبذلك، قرأ الشعر الغربي واستوعبه جيدا، وبالتالي أنتج لنا شعرا يعتمد الفكر والمنطق والعقل والممارسة العملية في الحياة، وجاءت أشعاره المتأخرة على الخصوص غريبة، تتأرجح بين الفهم واللافهم، صادمة لاطمة للمشهد الشعري المغربي والعربي عامة.
شعر محمد السرغيني لا يقين فيه، يبتعد ما أمكن عن العاطفة، ويعتمد في قصائده عن قصد على خلخلة العقل والثابت من القوالب المتعارف عليها والأفكار الجاهزة. الشاعر محمد السرغيني لا يبتغي من وراء كتابة قصائده الشعرية تقديم لذة قرائية مجانية إرضاء لقرائه. ولذلك، نجده يبتعد عن المؤثرات المتعارف عليها في الشعر العربي الحديث والقديم، من صور بلاغية ومصوغات لغوية بكل تشكيلاتها أو اللعب بالألفاظ وتنويع الإيقاعات والموسيقية والقوافي. وبذلك، تصبح الأحاسيس في شعره مشتتة والدماغ متعبا. والجسد والدماغ معا، كائنان منفصلان ومتعبان بعد قراءة كل قصيدة سرغينية. محمد السرغيني مفكر في شعره أكثر منه شاعر، هو الكائن المجمع لخليط من المتناقضات والثقافات المتعددة والفلسفات غربية وشرقية. وهذا الخليط من المعارف، هو الذي أعطانا شعرا مولدا للمعرفة العميقة، طارحا الأسئلة المقلقة. لم يكتف السرغيني بتقديم أفكار ومعرفة جديدة، بل قدم لنا كل ما هو قديم: رموز، أساطير، حكايات شعبية وتاريخ، إلخ. ولكن، كل ذلك في أنساق وأشكال جديدة، مفيدة ومغذية للعقل والفكر.
ومن هنا، يبقى في نظري كل من ابن رشد، ابن عربي و محمد السرغيني ثلاثي تنويري، استطاع تغيير الكثير من المفاهيم الثابتة في الوعي العربي والإسلامي، كل واحد منهم حمل في ذاته مفكرا وفيلسوفا ينتج أفكارا جديدة، لم يسبقه إليها أحد غيره. ظل ولاء هذا الثلاثي المطلق للسؤال والحقيقة والفهم، ولاشيء غيرها. ولذلك، لا يمكن إعادة هذا الثلاثي مرتين، كل واحد منه تفنن وأبدع وأنتج في زمانه معرفة ومفاهيم جديدة تليق بمجال تخصصه.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *