فوق جهدك لا تُلام…

فوق جهدك لا تُلام…

عندما يصطدم الحلم بالجدار

            م.إسماعيلي

تهدأ الملاعب أسرع مما تهدأ القلوب.

تنطفئ الأضواء، وتُطوى الأعلام، ويغادر اللاعبون أرضية الميدان، لكن المباراة الحقيقية تبدأ بعد ذلك؛ في العقول التي تراجع، وفي النفوس التي تسأل، وفي الأمم التي تعرف كيف تحول الهزيمة إلى درس، لا إلى مأتم.
واليوم، وقد هدأت الضوضاء، وصمتت موجة الانفعال التي أعقبت خروج المنتخب المغربي أمام فرنسا في ربع نهائي كأس العالم، أصبح من حقنا أن ننظر إلى ما جرى بعين العقل، لا بعين الحسرة، وأن نقرأ المباراة كما يقرأ المؤرخ حدثاً، لا كما يقرأ المشجع نتيجة.
كنا  نحلم بتكرار ملحمة قطر، وربما بالذهاب أبعد منها. ولم يكن ذلك الحلم وهماً؛ فقد صنع المنتخب الوطني خلال السنوات الأخيرة شخصية جديدة لكرة القدم المغربية، وأقنع العالم قبل أن يقنع أبناء وطنه بأنه أصبح رقماً صعباً في المعادلة العالمية.
غير أن الأحلام، مهما كانت مشروعة، تصطدم أحياناً بحدود الواقع.
وكان اسم هذا الواقع… فرنسا.
ليس منتخب الديوك مجرد أحد عشر لاعباً يركضون خلف كرة، وإنما منظومة تراكمت عبر عقود، ومدرسة كروية تعرف كيف تصنع اللاعب، وكيف تدير المباراة، وكيف تقتل أحلام منافسيها بأقل قدر من الانفعال. أمام مثل هذه المنتخبات، لا تكفي الموهبة وحدها، ولا تكفي الشجاعة وحدها، ولا تكفي الوطنية وحدها. هناك تفاصيل صغيرة، غير مرئية، هي التي تصنع الفارق الكبير.
دخل الفرنسيون المباراة وكأنهم يعرفون نهايتها قبل أن تبدأ. ثقتهم بأنفسهم كانت واضحة، وتحركاتهم كانت هادئة، وضغطهم كان محسوباً، وانتقالهم بين الدفاع والهجوم بدا أقرب إلى آلة تعمل بإيقاع واحد لا يختل.
ولعل أكثر اللحظات دلالة على هذا النضج الذهني كانت ركلة الجزاء التي أهدرها كيليان مبابي. ففي كثير من المباريات الكبرى، يكون إهدار فرصة كهذه نقطة تحول تُربك الفريق وتزرع الشك في نفوس لاعبيه. غير أن المنتخب الفرنسي تعامل معها وكأنها تفصيل عابر؛ لم تتغير ملامحه، ولم ينخفض إيقاعه، ولم يفقد ثقته بنفسه. ظل يضغط بالإصرار نفسه، ويبادر بالجرأة ذاتها، ويواصل البحث عن الهدف بعقل بارد وإيمان راسخ بقدرته على حسم المباراة.
وعلى الجانب الآخر، قدّم ياسين بونو تصدياً استثنائياً أعاد إلى الأذهان مكانته بين كبار حراس العالم، وكان من المفترض أن يتحول ذلك المشهد إلى شرارة تبعث الحماس في نفوس زملائه، وتحررهم من رهبة البداية، وتدفعهم إلى الهجوم بثقة أكبر. غير أن ذلك الزخم النفسي لم يظهر بالقدر المنتظر، فظل المنتخب المغربي أسير الحذر والانكماش، وكأن التصدي العظيم بقي بطولة فردية، بينما المنتخبات الكبيرة تحوّل مثل هذه اللحظات إلى طاقة جماعية تغيّر مجرى المباراة.
ولم تكن خيبة الجمهور نابعة من الخسارة في حد ذاتها، فالهزيمة جزء من كرة القدم، وإنما من الصورة التي ظهر بها المنتخب. فقد بدا، في كثير من فترات المباراة، وكأننا نشاهد فريقاً يخوض أول اختبار له على هذا المستوى، لا منتخباً راكم الخبرة ووقف قبل أعوام قليلة على أعتاب نهائي المونديال. غابت الثقة التي اعتدناها، وارتبكت التمريرات، وترددت القرارات، وافتقد اللاعبون الجرأة التي صنعت أمجادهم في محطات سابقة. وحده ياسين بونو ظل ثابتاً على مستواه، يقاتل حتى الدقيقة الأخيرة، ويتصدى لكرات محققة أنقذت المرمى من أهداف كانت كفيلة بجعل النتيجة أكثر قسوة. كانت صدمتنا كبيرة، لأننا دخلنا المباراة ونحن نحمل أملاً مشروعاً في تجاوز إنجاز نصف نهائي مونديال قطر، أو على الأقل الاقتراب منه، غير أن الكرة المنفوخة بالهواء كثيراً ما تكتب أحكامها بلغة لا تخضع للرغبات، ولا تعترف إلا بما يحدث فوق المستطيل الأخضر.
لقد بدا المنتخب المغربي  منذ الدقائق الأولى، وكأنه يبحث عن نفسه.
لم يكن ذلك المنتخب الذي أربك البرازيل، وأتعب هولندا، وأقنع العالم بأن المغرب لم يعد ضيفاً عابراً على المونديال. غابت الجرأة، وتأخر الضغط، وانقطعت الصلة بين الخطوط، وفقد الوسط قدرته على فرض إيقاعه، حتى بدا وكأن اللاعبين يحملون فوق أكتافهم ثقلاً أكبر من المباراة نفسها.
وهنا يبرز السؤال الذي شغل كثيرين: هل انتصر ديدييه ديشان بذكائه، أم خسر محمد وهبي برهانه التكتيكي؟
قد يكون الجواب: كلاهما.
قرأ ديشان خصمه بامتياز، فأغلق المنافذ التي يصنع منها المغرب خطورته، وفرض على لاعبيه إيقاعاً لا يسمح للمنافس بالتنفس. وفي المقابل، لم تنجح اختيارات محمد وهبي في تحرير لاعبيه من القبضة الفرنسية، وبدا وكأن الخطة التي أُعدت للمباراة فقدت فعاليتها منذ وقت مبكر، بينما تأخر البحث عن حلول بديلة.
لكن كرة القدم لا تختزل في المدربين وحدهم.
فاللاعب الفرنسي دخل المباراة بكامل مخزونه البدني والذهني، بينما بدا على أكثر من لاعب مغربي أثر الرحلة الطويلة التي سبقت هذا الموعد. في المباريات الكبرى، تمتزج المهارة بصلابة الجسد، ويلتقي الذكاء بقوة الاحتمال، فتغدو كل لحظة امتحانًا لاتخاذ القرار تحت ضغط هائل.
وربما كان الإرهاق النفسي أكثر قسوة من الإرهاق البدني.
فالمنتخب المغربي لم يكن يحمل آمال أحد عشر لاعباً، وإنما كان يحمل أحلام شعب كامل، وربما أحلام أمة بأسرها. أو قارة بأكملها. وأحياناً يصبح ثقل الحلم أكبر من قدرة الأقدام على حمله.
ويبقى سؤال آخر يتردد في المجالس: هل كانت هناك عوامل خفية لم نرها؟
التاريخ يعلمنا أن الرياضة الحديثة لم تعد بريئة تماماً من المال والسياسة والمصالح، وأن عالم كرة القدم أصبح صناعة عالمية تتقاطع فيها حسابات اقتصادية وإعلامية هائلة. ومع ذلك، فإن الإنصاف يفرض علينا ألا نجعل من كل هزيمة مؤامرة، ولا من كل انتصار دليلاً على تدخل قوى خفية. فالاتهام يحتاج إلى برهان، والظنون لا تبني معرفة.
ولعل الأيام تكشف مستقبلاً ما لا نعرفه اليوم، لكن ما رأيناه فوق العشب الأخضر كان كافياً ليقول إن المنتخب الفرنسي كان الأفضل في تلك الليلة.
ويختصر المثل المغربي هذه الحقيقة بأبلغ عبارة:
“هذاك ما طحنت خيرة.”
إنها رؤية تنطلق من حقيقة بسيطة: للإنسان حدود، مهما اتسعت قدرته على البذل. ولذلك يبقى تجاوز بعض الخصوم رهيناً بعوامل تتجاوز الرغبة والإصرار وحدهما.
ولذلك أيضاً قال الأجداد: “فوق طاقتك لا تُلام.”
فالخسارة بعد اجتهاد لا تنتقص من قيمة صاحبها، بينما يبقى الإصرار على تكرار الأخطاء من غير تعلم أو مراجعة هو ما يستحق اللوم.
لقد خرج المغرب من ربع النهائي، لكنه لم يخرج من التاريخ.
خرج وهو يثبت للمرة الثانية أن وجوده بين كبار العالم لم يعد صدفة، وأن كرة القدم المغربية أصبحت تملك من المقومات ما يؤهلها للبقاء في الصف الأول، إذا أحسنت البناء، وواصلت الاستثمار في التكوين، ومنحت مشاريعها الوقت الكافي لتنضج.
فالمنتخبات الكبرى لا تُبنى بانتصار واحد، ولا تنهار بهزيمة واحدة.
وفرنسا نفسها لم تصبح فرنسا في ليلة واحدة، وإنما احتاجت إلى سنوات طويلة من التخطيط والاستقرار، حتى أصبحت تملك منتخباً يستطيع أن يخسر نهائياً، ثم يعود بعد سنوات ليعتلي منصة التتويج.
وهذا هو الدرس الذي ينبغي أن نخرج به.
أن كل هزيمة تحمل في طياتها بداية فصل جديد، إذا امتلكت الأمة شجاعة التعلم وإرادة البناء. فالأمم التي اعتادت الانتصار تعرف كيف تحوّل كل تعثر إلى فرصة للتعلم، وكل إخفاق إلى لبنة جديدة في مشروع البناء الطويل.
أما نحن، فربما آن الأوان أن نغادر ثقافة السؤال: لماذا خسرنا؟ إلى سؤال أكثر نفعاً: كيف نصبح أقوى في المرة القادمة؟
هناك يبدأ المستقبل…
وهناك فقط، تتحول الهزيمة من جرحٍ في الذاكرة… إلى بذرةٍ الانتصار قادم.
                                                    

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *