المغرب وفرنسا… هل يتكرر سيناريو قطر تحت صافرة التحكيم؟
“ما تيحس بالمزود غير اللي مضروب به”

في كرة القدم، لا يشعر بمرارة الظلم إلا من عاشها. لذلك يقول المثل المغربي: “ما تيحس بالمزود غير اللي مضروب به”. قد يرى البعض أن الحديث عن التحكيم والكواليس مبالغة، لكن الجماهير التي رأت حلم منتخبها يضيع بسبب قرار غامض، أو بطاقة قاسية، أو تدخل مشكوك فيه من تقنية الفيديو، تعرف جيداً أن الألم ليس خيالاً.
ما نخشاه اليوم هو غياب العدل التحكيمي في مباراة كبيرة مثل مواجهة المغرب وفرنسا. فالمباراة لا تجمع منتخبين فقط، بل تجمع حلم شعب كامل أمام منتخب عالمي يملك تاريخا، نجوما، نفوذا إعلاميا، وجماهيرية واسعة. وهنا يصبح السؤال مشروعا: هل ستدار المباراة بميزان واحد؟ أم أن المنتخب المغربي سيكون مطالبا بأن ينتصر على الخصم، وعلى الضغط، وعلى الصافرة أيضا؟
كأس العالم لم يعد مجرد تظاهرة رياضية بريئة. إنه سوق عالمي ضخم تتحرك فيه أموال البث، والإشهار، والرعاة، وبيع التذاكر، وحقوق الصورة، ونسب المشاهدة. لذلك، عندما تقترب البطولة من مراحلها الحاسمة، تبدأ الحسابات التجارية في الظهور بقوة. نهائي يجمع منتخبين كبيرين يساوي أرباحا أكبر، ومشاهدة أعلى، وإعلانات أغلى. ومن هنا يولد الخوف: هل يمكن أن يتكرر سيناريو قطر، حيث شعر كثيرون أن كرة القدم لم تكن وحدها من يصنع الطريق إلى النهائي؟
لا نقول إن الفيفا تختار الفائز بشكل مباشر، ولا نملك دليلا قاطعا على أن النتائج تكتب قبل المباريات. لكن ما نملكه هو حق السؤال. عندما تتكرر الأخطاء التحكيمية في لحظات حساسة، وعندما تراجع لقطة ولا تراجع أخرى، وعندما تبدو تقنية الفيديو حاضرة بقوة في مباراة وغائبة في مباراة ثانية، فمن الطبيعي أن يفقد الجمهور الثقة.
التحكيم هو أخطر نقطة في مباريات كأس العالم. قرار واحد قد يغير مصير منتخب كامل. بطاقة حمراء قد تكسر التوازن، ضربة جزاء قد تفتح باب الإقصاء، وتسلل دقيق قد يحرم شعبا من فرحة تاريخية. ومع أن تقنية الفيديو جاءت بإسم العدالة، فإنها لم تنه الجدل. بل أحيانا جعلت الشكوك أكبر: لماذا استدعي الحكم هنا ولم يستدع هناك؟ لماذا تعرض اللقطة من زاوية معينة؟ ولماذا تختلف سرعة القرار حسب قيمة المنتخب ووزنه الإعلامي؟
حتى ما يقال عن ذكاء ترامب عندما طلب مراجعة بطاقة حمراء يكشف جانبا مهما من دواليب الفيفا. فبمجرد أن يتدخل صوت سياسي قوي أو شخصية عالمية نافذة، يصبح القرار التحكيمي حديث الإعلام، وتصبح الفيفا مطالبة بالتوضيح. وهنا يطرح الجمهور سؤالا مؤلما: هل تحتاج العدالة إلى صوت قوي حتى تسمع؟ وهل لو كان الأمر متعلقا بمنتخب صغير أو عربي أو إفريقي، ستتحرك الآلة نفسها؟ هذه ليست إتهامات جاهزة، لكنها أسئلة مشروعة في عالم أصبحت فيه كرة القدم مرتبطة بالمال والنفوذ والإشهار.
أما إختيار الحكام في المباريات الحساسة، فيجب أن يكون أكثر شفافية. الفيفا تقول إن الحكام يختارون حسب الكفاءة، الخبرة، اللياقة، الأداء السابق، والقدرة على تحمل الضغط. وهذا كلام مقبول نظريا. كما أن إختيار حكام كل مباراة قبل بداية البطولة أمر صعب، لأن الفيفا لا تعرف مسبقا المنتخبات التي ستتأهل، ولا طبيعة المواجهات، ولا الحالة النفسية والبدنية للحكام أثناء المنافسة. لذلك تختار قائمة عامة قبل البطولة، ثم يتم تعيين الحكام مباراة بمباراة.
لكن المشكلة أن هذا التفسير لم يعد كافيا. في مباراة مثل المغرب وفرنسا، لا يكفي أن يكون الحكم مؤهلا، بل يجب أن يكون فوق كل شبهة. يجب أن تكون جنسيته، تاريخه، قراراته السابقة، وعلاقته غير المباشرة بمصالح المنتخبات، كلها واضحة للرأي العام. الشفافية هنا ليست رفاهية، بل ضرورة لحماية المباراة من الشك.
المغرب لا يطلب هدية، ولا يريد طريقا مفروشا بالورود. المنتخب المغربي يريد فقط أن يحكم عليه داخل الملعب، لا خارجه. يريد أن تكون الصافرة عادلة، وأن تطبق القوانين على الجميع بالطريقة نفسها، وأن لا يكون إسم الخصم أو شهرته سببا في إختلاف القرار.
لسنا خائفين من فرنسا لقوتها، فالقوي يهزم داخل الملعب أو ينتصر بشرف. ما نخشاه هو أن لا تكون العدالة في مستوى المباراة، وأن يجد المغرب نفسه أمام خصم آخر إسمه الصافرة.
ليست قوة فرنسا ما يثير القلق، فالمباريات الكبرى خلقت لمواجهة الكبار. القلق الحقيقي أن تدار التفاصيل الصغيرة بميزانين: صافرة تسمع هنا وتصمت هناك، وفيديو يحضر في لقطة ويغيب في أخرى.
– إن تكرر سيناريو قطر، فليتكرر في جرأة الحلم لا في ظلال الشك. وليترك للمغرب أن يكتب مصيره بقدميه، لا أن يعلق حلمه على قرار غامض.
– فكأس العالم لا يكبر بأسماء الكبار وحدها، بل يكبر حين يشعر الصغير والكبير أن العدل فوق الجميع.
ألمانيا: 8-7-2026
