لويس إنريكي… انتصار الفكرة على سطوة الأسماء

لويس إنريكي… انتصار الفكرة على سطوة الأسماء

انتصار الفكرة على سطوة الأسماء

     منير لكماني

لم تعد كرة القدم الحديثة لعبة تحسم فقط بلمعان الأسماء، ولا بوجود نجم إرتكاز مشهور تبنى حوله الحكايات وتعلق عليه الآمال. لقد تغير منطق اللعبة، وإنتقلت من زمن الاعتماد المفرط على الفرد إلى زمن المنظومة، حيث لا تكفي المهارة وحدها ما لم تنصهر داخل مشروع جماعي واضح، محكوم بالانضباط، ومسنود بتكامل الأدوار. وفي هذا التحول العميق، يبرز إسم المدرب الإسباني لويس إنريكي بوصفه أحد النماذج الأكثر دلالة على أن الفريق المتماسك، لا الفريق المزدحم بالمشاهير، هو الأقرب إلى الفوز وصناعة التاريخ.

ومن هذا المنطلق، أتقدم بأحر التهاني إلى لويس إنريكي على هذا الإنجاز المستحق، وإلى جميع أفراد الفريق الذين جسدوا معنى العمل الجماعي والانضباط والإيمان بالفكرة. كما أخص بالتهنئة النجم المغربي أشرف حكيمي، ليس فقط لما قدمه داخل الملعب من أداء متميز وروح قتالية، بل أيضا لذلك المشهد الإنساني الراقي حين قلد والدته ميدالية الإنتصار، في لقطة مؤثرة إختزلت كثيرا من القيم النبيلة. فمثل هذه المواقف تذكرنا بأن الرياضة ليست منافسة ونتائج فحسب، بل هي أيضا أخلاق وتربية ووفاء وعرفان بالجميل لمن كان لهم الفضل في مسيرة النجاح.

أعترف أنني أفرح للويس إنريكي بشكل خاص، لا لأنه مدرب كبير فحسب، بل لأنني أحببته منذ أيامه لاعبا في برشلونة، ثم ازداد احترامي له حين عاد إلى النادي مدربا، وكتب معه واحدة من أجمل الصفحات في تاريخه الحديث. كان إنريكي لاعبا مقاتلا، حاد الشخصية، وفيا لفكرة الجهد قبل الزينة، وللشعار قبل النجومية. لم يكن لاعبا يستدرج التصفيق بالحركات الإستعراضية، بل كان يفرض الإحترام بالركض والإلتزام والقدرة على أداء أكثر من دور داخل الملعب. ومن هذه الخلفية تحديدا تشكل وعيه التدريبي لاحقا: كرة القدم ليست مسرحا للأفراد، بل ورشة جماعية لصناعة الإنتصار.

ولد لويس إنريكي مارتينيز غارسيا في مدينة خيخون الإسبانية سنة 1970، وبدأ مساره الكروي مع سبورتينغ خيخون، قبل أن يمر بتجربة ريال مدريد، ثم ينتقل إلى برشلونة، حيث ترسخ إسمه لاعبا ذا شخصية تنافسية عالية. هذه السيرة، بما تحمله من إنتقالات وتجارب وضغوط، صنعت مدربا لا ينظر إلى اللاعب بوصفه إسما في السوق أو صورة على الملصقات، بل بوصفه وظيفة داخل فكرة. لذلك، حين أصبح مدربا، لم يكن همه أن يجمع النجوم، بل أن يجعلهم يتحركون ضمن إيقاع واحد.

في برشلونة، واجه إنريكي أول إختبار كبير مع فريق يضم أسماء من العيار الأعلى: ميسي، سواريز ونيمار. وقد حاول البعض إختزال نجاحه في هذه الثلاثية الهجومية، كأن وجود النجوم وحده كاف لضمان المجد. بل إن بعض جماهير برشلونة أطلقت عليه لقب “الميكانيكي” على سبيل السخرية، وكأن الرجل مجرد عامل صيانة يدير آلة جاهزة، لا مدرب يمتلك رؤية. غير أن هذا الحكم كان سطحيا؛ فإدارة النجوم ليست مهمة سهلة، وتحويل الطاقات الفردية الهائلة إلى قوة جماعية منضبطة يحتاج إلى عقل تدريبي صارم، يعرف متى يمنح الحرية، ومتى يفرض النظام، ومتى يضبط غرور الإسم داخل مصلحة الفريق.

لقد نجح إنريكي في برشلونة لأنه لم يترك النجوم يلعبون وحدهم، بل أدخلهم في منظومة ضغط وتحولات وتوازنات. كان يدرك أن الهجوم العظيم لا يكتمل إلا بدفاع جماعي، وأن الموهبة لا تزدهر إلا حين تجد حولها بنية تكتيكية تحميها وتوجهها. ومن هنا لم يكن انتصاره مجرد ثمرة لعب فردي، بل نتيجة تنسيق دقيق بين خطوط الفريق، وقدرة على تحويل الفوضى المحتملة للنجوم إلى إنسجام قاتل.

لكن التجربة الأكثر دلالة جاءت مع باريس سان جيرمان. فهذا النادي، لسنوات طويلة، أنفق أموالا طائلة واستقطب مشاهير اللعبة بحثا عن المجد الأوروبي، لكنه ظل يصطدم بالسقف ذاته. كانت المشكلة أعمق من جودة اللاعبين؛ كانت كامنة في غياب الفريق بوصفه كيانا واحدا. وحين جاء إنريكي، لم يراهن على إعادة إنتاج منطق النجم المنقذ، بل على بناء جماعة كروية تتحرك بعقل واحد. لقد فهم أن أوروبا لا تفتح بالمواهب المعزولة، بل بالفريق الذي يعرف كيف يضغط، وكيف يستعيد الكرة، وكيف يوزع الجهد، وكيف يجعل كل لاعب جزءا من هندسة كبرى.

هنا تكمن قيمة إنريكي التدريبية: أنه نقل باريس من سؤال: “من النجم الذي سيحسم؟” إلى سؤال: “كيف سيفوز الفريق؟”. هذا التحول ليس تفصيلا فنيا، بل ثورة ذهنية. فالفريق المتماسك يستطيع أن يعوض غياب نجم، أما الفريق القائم على النجم وحده فينهار حين يغيب إلهامه أو يعزل تكتيكيا. لذلك، لم يعد الفوز حليف الفرق التي تمتلك الإسم الأكثر شهرة، بل حليف الفرق التي تمتلك الفكرة الأكثر وضوحا، والروح الأكثر انسجاما، والعمل الجماعي الأكثر دقة.

لقد ردت كرة القدم على السخرية بطريقتها العادلة: لا بالخطب، بل بالكؤوس. فالرجل الذي وصفه البعض يوما بـ”الميكانيكي” أثبت أن المدرب الحقيقي هو من يعرف كيف تعمل الآلة، وكيف تتكامل أجزاؤها، وكيف تتحول القطع المتفرقة إلى قوة واحدة. لكن الأيام أنصفت إنريكي؛ فالألقاب الساخرة تذوب مع الوقت، أما الكؤوس فتظل شاهدة على من عمل بصمت وترك بصمته في الملعب.

لويس إنريكي ليس مجرد مدرب فاز، بل مدرب قدم درسا في جوهر كرة القدم الحديثة: النجوم قد يصنعون لحظة، لكن الفريق يصنع عصرا. ومن هنا تبدو تجربته إعلانا واضحا عن نهاية الوهم القديم؛ وهم أن الأسماء وحدها تكفي. ففي كرة القدم، كما في الحياة، لا ينتصر الأكثر ضجيجا دائما، بل الأكثر تماسكا، والأصدق عملا، والأقدر على تحويل الفرد إلى جزء من جماعة تؤمن بالطريق نفسه.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *