“الفقيه لي كنتسناو اشفاعتوا دخل لجامع ببلغتو”

“الفقيه لي كنتسناو اشفاعتوا دخل لجامع ببلغتو”

أزمة القيادة الجامعية: 

بين ضيق التخصص وغياب الوعي الثقافي

  منير لكماني

تبدأ أزمة الجامعة حين يتصدرها من يخلط بين المنصب والمعرفة، وبين الشهادة والوعي، وبين إتقان لغة أجنبية وامتلاك مشروع فكري. فالخطر لا يكمن في أن يكون المسؤول متخصصا في مجال دقيق، بل في أن يحول تخصصه إلى برج عال ينظر منه بإستخفاف إلى باقي المعارف، كأن الإنسان يمكن فهمه بالمعادلات وحدها، وكأن المجتمع لا يحتاج إلى التاريخ والفلسفة والأدب والفنون لفهم أعطابه وأسئلته ومصيره.
إن الجامعة لا تبنى بالعناوين الإدارية ولا بالخطابات الباردة، بل تبنى بعقل واسع يعرف أن المعرفة جسد واحد، إذا بتر منه الخيال مات، وإذا أقصيت منه اللغة فقد صوته، وإذا غابت عنه الفلسفة فقد بوصلته.

فالجامعة ليست بناية، ولا مكتبا واسعا، ولا إجتماعات طويلة، ولا لغة أجنبية يلوح بها صاحبها كلما أراد أن يبدو مهما. الجامعة روح قبل أن تكون مؤسسة. وروحها هي السؤال، والقراءة، والبحث الحر، وإحترام العقول المختلفة. من لا يؤمن بهذا كله لا يستطيع أن يقود فضاء يفترض فيه أن يصنع الوعي لا أن يقتل الفضول.

هناك من يظن أن التفوق في مجال تقني يمنحه حق السخرية من الأدب، أو التاريخ، أو الفلسفة، أو الفنون، أو الدراسات التي تعنى بالإنسان والمجتمع. وهذا وهم كبير. فالآلة لا تشرح الحزن، والمعادلة لا تكشف وحدها أسباب الخوف، والمختبر لا يغني عن فهم الذاكرة واللغة والرموز والعادات. الإنسان ليس رقما في جدول، ولا تجربة داخل أنبوب؛ إنه كائن معقد، لا يفهم إلا إذا إجتمعت حوله المعارف كلها.

إن الطبيب الذي لا يقرأ في النفس قد يعالج الجسد وينسى الألم الخفي. والمهندس الذي لا يعرف معنى الجمال قد يبني جدرانا بلا روح. والعالم الذي لا يصغي للشعر قد يفقد القدرة على رؤية هشاشة البشر. لذلك كانت الحضارات الكبرى لا تفصل بين العلم والحكمة، ولا بين التقنية والخيال، ولا بين الحساب والرحمة.

عندما تسند المسؤولية الجامعية إلى من يفتقر إلى الثقافة القرائية، وإلى القدرة على الحوار، وإلى الإعتراف بتعدد الحقول المعرفية، فإن الخلل لا يبقى محصورا في ضعف فردي، بل يتحول إلى نمط في التدبير. وفي ظل هذا النمط، تفقد الجامعة جزءا أساسيا من وظيفتها؛ إذ تصبح الشهادة غاية في ذاتها بدل أن تكون ثمرة لتكوين معرفي رصين، ويجد الأستاذ نفسه داخل منظومة لا تقيس الكفاءة بقدر ما تحتكم إلى القرب والولاء، بينما يواجه الباحث عراقيل تحد من حريته وتضعف قدرته على الإنتاج. ويفضي هذا النمط من التدبير إلى إضعاف وظيفة الجامعة في إنتاج النخب العلمية والثقافية، إذ تميل المؤسسة، في هذه الحالة، إلى إعادة إنتاج شبكات مغلقة، وخطابات نمطية، ومسارات مهنية لا تقوم بالضرورة على معايير الجدارة والاستحقاق.

إن إحترام اللغات الأجنبية أمر محمود، فهي نوافذ على تجارب واسعة. لكن تحويلها إلى قناع يخفي الفراغ أمر مضحك ومحزن. فاللغة لا تمنح صاحبها قيمة إن لم تحمل فكرا. قد يتكلم المرء بأفخم الألفاظ، ومع ذلك يبقى عاجزا عن إنتاج فكرة نافعة. وقد يكتب آخر بكلمات بسيطة، فيوقظ جيلا كاملا. العبرة ليست بالصوت، بل بما يحمله الصوت من صدق وعمق.

والجامعة التي تحتقر ثقافة بلدها تفقد أساسها. لا يمكن لمن لا يعرف وجدان الناس، ولا يحترم تراثهم، ولا ينصت إلى أسئلتهم، أن يقود أبناءهم نحو مستقبل أفضل. المستقبل لا يبنى بقطع الجذور، بل بفهمها وتنقيتها وربطها بما ينفع من تجارب العالم.

نحن لا نحتاج إلى مسؤول يتفاخر بكرسيه، بل إلى عقل واسع يرى الطالب إنسانا قبل أن يراه رقما، ويرى الأستاذ شريكا قبل أن يراه تابعا، ويرى الكتاب ضرورة لا زينة. نحتاج إلى من يعرف أن الجامعة بيت للفكر، وأن الفكر لا يعيش في جو الخوف والتكبر والولاء الأعمى.

إن ضعف الوعي الإنساني والثقافي لدى بعض المسؤولين الجامعيين ينعكس مباشرة على طبيعة القرارات المتخذة، وعلى تصورهم لوظيفة المؤسسة الجامعية. فالجامعة، في جوهرها، ليست جهازا إداريا لتدبير الملفات والشهادات، بل فضاء لإنتاج المعرفة، وترسيخ التفكير النقدي، وتكوين مواطن قادر على الفهم والمساءلة والمشاركة. ومن ثم فإن إصلاح الجامعة يقتضي تجاوز منطق التدبير المغلق، واعتماد رؤية أكاديمية شاملة تعترف بتكامل العلوم والمعارف، وتربط المسؤولية الجامعية بالكفاءة الثقافية، والنزاهة العلمية، والقدرة على الحوار.

25/06/26 ألمانيا

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *