كرة القدم الحديثة : “سمع… المغرب تيخلع”

كرة القدم الحديثة : “سمع… المغرب تيخلع”

رهبة مواجهة أسود الأطلس وسقوط مدربين كبار بعد الهزيمة أمام المغرب

      منير لكماني

في كرة القدم الحديثة لم يعد المنتخب المغربي مجرد منتخب طموح يبحث عن الحضور المشرف، بل أصبح رقما صعبا يفرض الإحترام على كبار المنتخبات والمدربين. لقد تغيرت صورة المغرب في أعين العالم؛ من منتخب ينظر إليه أحيانا كخصم متوسط، إلى فريق قادر على قلب التوقعات، وإرباك الحسابات، وفتح أبواب الأسئلة الصعبة داخل غرف الملابس والإتحادات الكروية. ومن هنا يأتي العنوان الشعبي القوي: “سمع… المغرب تيخلع”؛ ليس بمعنى الخوف السلبي، بل بمعنى الرهبة الرياضية التي يفرضها فريق منظم، مقاتل، واثق، ولا يستسلم بسهولة.

في مونديال قطر 2022، كتب المنتخب المغربي واحدة من أجمل الصفحات في تاريخ الكرة العربية والإفريقية. لم يكن الإنجاز فقط في الوصول إلى نصف النهائي، بل في الطريقة التي تعامل بها مع منتخبات كبيرة تملك أسماء لامعة وتاريخا طويلا. أمام بلجيكا، فاز المغرب بهدفين دون رد، وكانت تلك النتيجة بداية النهاية لجيل بلجيكي ذهبي عاش سنوات طويلة في دائرة الترشيحات دون أن يحقق اللقب العالمي. وبعد الخروج من دور المجموعات، أعلن روبرتو مارتينيز نهاية مشواره مع المنتخب البلجيكي، رغم أنه أوضح أن عقده لم يكن سيجدد أصلا. لكن الهزيمة أمام المغرب بقيت في الذاكرة باعتبارها الضربة التي كشفت عمق الأزمة.

ثم جاءت إسبانيا، مدرسة الاستحواذ والتمرير القصير. دخل المنتخب الإسباني مواجهة المغرب وهو يملك الكرة كثيرا، لكنه اصطدم بفريق يعرف كيف يدافع، كيف يغلق المساحات، وكيف ينتظر اللحظة المناسبة. إنتهت المباراة بالتعادل السلبي، ثم ابتسمت ركلات الترجيح للمغرب بثلاثة أهداف دون رد. لم يكن السقوط الإسباني عاديا؛ فقد تبعه رحيل لويس إنريكي عن تدريب المنتخب، وتعيين لويس دي لا فوينتي خلفا له. هنا ظهر بوضوح أن المغرب لم يكن مجرد خصم عنيد، بل كان مرآة كشفت حدود مشروع كروي كامل.

أما البرتغال، فكانت حكاية أخرى. منتخب يضم نجوما كبارا، ومدربا خبيرا هو فرناندو سانتوس، صاحب لقب أوروبي وتاريخ محترم. لكن أمام المغرب، تغير كل شيء. هدف يوسف النصيري، وصلابة الدفاع، وروح الفريق، كلها صنعت لحظة تاريخية جعلت المغرب أول منتخب عربي وإفريقي يبلغ نصف نهائي كأس العالم. وبعد أيام قليلة من تلك الهزيمة، إنتهت مرحلة فرناندو سانتوس مع البرتغال. لم تكن المباراة وحدها سبب كل شيء، لكنها كانت اللحظة الحاسمة التي أغلقت الباب على مرحلة طويلة.

وفي مونديال 2026، تكررت الصورة مع هولندا. خرج المنتخب الهولندي أمام المغرب بعد مباراة إنتهت بالتعادل ثم حسمتها ركلات الترجيح لصالح أسود الأطلس. وبعد ذلك أعلن رونالد كومان إستقالته من تدريب المنتخب الهولندي، مؤكدا تحمله المسؤولية بعد الإقصاء. هذه الواقعة عززت الفكرة نفسها: مواجهة المغرب لم تعد مباراة عادية، بل أصبحت إختبارا قاسيا للمدربين الكبار، وقد تتحول الهزيمة فيها إلى نهاية مرحلة كاملة.

لكن من الظلم أن نقول إن المغرب ينتصر بالحماس فقط. الحقيقة أن قوة المنتخب المغربي تقوم على خليط متوازن: تنظيم دفاعي، انضباط تكتيكي، حارس كبير، لاعبين يملكون الثقة، وجمهور يمنح الفريق طاقة لا تنتهي. هذه العناصر تجعل الخصم يشعر بأنه لا يواجه منتخبا عاديا، بل يواجه كتلة واحدة تتحرك بإيمان كبير.

كما أن المدربين الكبار لا يسقطون بسبب نتيجة واحدة فقط. في العادة تكون هناك تراكمات: ضغط إعلامي، توقعات جماهيرية، اختيارات فنية، وخلافات حول طريقة اللعب. لكن الهزيمة أمام المغرب غالبا ما تكون اللحظة التي تجعل كل تلك التراكمات تنفجر دفعة واحدة. لذلك تبدو مواجهة أسود الأطلس كأنها إمتحان نهائي: من ينجح فيه يواصل، ومن يفشل يجد نفسه أمام عاصفة من النقد.

لقد علم المغرب العالم أن التاريخ لا يلعب وحده، وأن الأسماء الكبرى لا تفوز بمجرد سمعتها. في الملعب، لا قيمة إلا للتركيز، والروح، والعمل الجماعي. ومن يستهين بالمغرب، قد يخرج من المباراة بخسارة، ومن بعدها قد يخرج من منصبه.

لم تعد عبارة “سمع… المغرب تيخلع” مجرد جملة شعبية ساخرة، بل أصبحت تعبيرا عن واقع كروي جديد.

المغرب صار منتخبا يفرض الإحترام، ويصنع الخوف المشروع، ويجعل كبار المدربين يفكرون ألف مرة قبل مواجهته. فأسود الأطلس لم يعودوا ضيوفا على الكبار؛ لقد أصبحوا من الكبار.

02/07/26 ألمانيا

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *