كرة القدم : “إلى مشى زين يبقى حروفو”

كرة القدم : “إلى مشى زين يبقى حروفو”
photo CNN

ميسي الأسطورة ورولاندو تيرميناتور

    منير لكماني

في كرة القدم، لا ينتصر الجسد وحده، ولا تكفي العضلات كي تصنع خلودا كاملا. فحين يتقدم العمر باللاعبين الكبار، يصبح الملعب مرآة قاسية تكشف الفرق بين من بنى مجده على الذكاء الكروي، ومن إعتمد كثيرا على القوة والإنفجار البدني. ومن هنا تبرز المقارنة بين ليونيل ميسي وكريستيانو رونالدو، أو “رولاندو” كما يسميه بعض الجمهور، بوصفها مقارنة بين فلسفتين: فلسفة العقل الهادئ الذي يرى قبل أن يركض، وفلسفة الجسد الحديدي الذي قاوم الزمن طويلا قبل أن تبدأ علامات التراجع في الظهور.

لقد جاء كأس العالم 2026 ليمنح هذه المقارنة معنى جديدا. فالنسخة المقامة في أمريكا الشمالية ليست بطولة عادية؛ إنها أكبر نسخة في تاريخ المونديال، بمنتخبات أكثر ومباريات أكثر وضغط إعلامي وجماهيري أكبر. وفي مثل هذا المسرح الواسع، لا يكفي التاريخ وحده، بل يحتاج النجم إلى أن يثبت أنه ما زال قادرا على صناعة الفارق. هنا ظهر ميسي وكأنه يكتب فصلا أخيرا لا يشبه الوداع، بل يشبه الدرس. تقدمه في السن لم يمنعه من التألق، لأن قوته لم تكن يوما في الركض فقط، بل في القرار، في التموقع، في اللمسة التي تسبق تفكير المدافعين.

في مباراة الأرجنتين أمام الجزائر، بدا ميسي كمن يعلن أن العبقرية لا تشيخ بالسرعة نفسها التي يشيخ بها الجسد. لم يعد ذلك اللاعب الذي يندفع في كل متر من الملعب كما في شبابه، لكنه صار أكثر إقتصادا في الحركة وأكثر قسوة في الإختيار. يسير حين يركض الآخرون، ثم يضرب حين تغفل العيون. هكذا يتحول السن عنده من عبء إلى ذخيرة خبرة. إن ذكاءه الكروي يسمح له بأن يختصر المسافة، وأن يجعل من تمريرة أو تسديدة أو حركة صغيرة حدثا كبيرا.

كريستيانو رونالدو يقدم وجها آخر لعلاقة النجم بالزمن. فقد كان لسنوات طويلة “تيرميناتور” كرة القدم: ماكينة حسم، وجسدا منضبطا إلى أقصى الحدود، وإرادة لا تعرف التراجع. صنع مجده من التدريب الصارم، ومن القدرة على القفز والإنطلاق والتسجيل في اللحظات الحاسمة. غير أن كرة القدم، مثل الحياة، لا تمنح الجسد شيكا مفتوحا؛ فحين تخف السرعة، ويتراجع الإرتقاء، وتفقد الإنطلاقة شيئا من حدتها، يبدأ اللاعب الذي تأسس جزء كبير من تفوقه على القوة البدنية في مواجهة كلفة الزمن. وفي كأس العالم 2026، بدا رونالدو أمام لحظة دقيقة: نجم إعتاد أن يكون مركز الجاذبية في كل مشهد، فإذا به يواجه تحولا صعبا في موقعه داخل اللعبة.

ليس أفول رونالدو نفيا لمكانته، ولا إنتقاصا من مسيرته الإستثنائية، بل هو تذكير بأن الجسد، مهما بلغ من الصلابة والإنضباط، يظل محكوما بحدوده الطبيعية. لقد صنع رونالدو تاريخا لا يمحى، وجسد نموذجا للاعب واجه العمر بالتمارين الصارمة والإصرار والقوة. أما ميسي، فاختار معركة مختلفة مع الزمن؛ واجهه بالذكاء، وبالقدرة على التكيف، وبإعادة تشكيل أسلوبه دون أن يفقد جوهر موهبته الأصلية .

لا يبدو المثل الشعبي “إلى مشى زين يبقى حروفو” مجرد عبارة عابرة، بل صورة دقيقة لمسارين كرويين مختلفين. فاللاعب قد يفقد شيئا من سرعته وبريقه الظاهر، لكن أثره يبقى حين يكون مبنيا على الفهم والموهبة. ميسي يواصل كتابة حروفه لأنه جعل الخبرة قوة داخل الملعب، وحول الذكاء إلى وسيلة لمقاومة أثر السن. أما رونالدو، فقد دفع الجسد إلى أقصى درجات الإنضباط والقوة، غير أن مونديال 2026 أعاد التذكير بأن الصلابة البدنية لا تصمد وحدها أمام قسوة الزمن، بينما يمنح العقل الكروي صاحبه قدرة أطول على التأثير والبقاء.

المقارنة بين ميسي ورونالدو ليست معركة لإسقاط أحدهما من أجل رفع الآخر؛ فكلاهما نقش إسمه في سجل الأساطير بطريقته الخاصة. غير أن كأس العالم 2026 كشف بوضوح أن الزمن لا يعامل كل المواهب بالطريقة نفسها: فمن إمتلك ذكاء كرويا قادرا على التكيف ظل قادرا على صناعة الأثر ولو خفت خطواته، ومن جعل الجسد سلاحه الأول وجد نفسه أمام إمتحان لا ترحمه السنوات. هكذا يطل ميسي بوصفه لاعبا يقرأ الزمن ويعيد تشكيل لعبته داخله، بينما يحضر رونالدو رمزا لقوة إستثنائية بدأت تصطدم بحدودها الطبيعية.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *