صيفية الروح : أوراق في المعنى والامتلاء 2

صيفية الروح : أوراق في المعنى والامتلاء 2

النضج .. هو الثمرة التي يولدها ذلك الضوء

استهلال كلامي

المختار عنقا الادريسي

إذا كان الضوء يعلمنا أن نرى الأشياء بوضوح أكبر، فإن النضج يبقى هو الثمرة التي يولدها ذلك الضوء في أعماق كل منا. فالسنوات وحدها لا تصنع الحكمة، كما أن مرور الزمن لا يكفي ليجعل المرء أكثر فهماً للحياة . فهناك أشخاص يتقدم بهم العمر دون أن يبرحوا أماكنهم الأولى، وآخرون ما تنضج أرواحهم الا لأنهم أحسنوا الإصغاء إلى دروس الأيام، وتعلموا منها الكثير . هذا بالاضافة الى أن النضج في جوهره ، ليس حدثاً يأتي أو أنه يتم دفعة واحدة، ناهيك على أن الإنسان لا يمكن أن يبلغ محطة واحدة ثم يستقر فيها ، لأن مساره الطويل مطبوع بالتعلم والتأمل والتصحيح . فهو أشبه بثمرة تتكون ببطء في أعماق الشجرة ،لا يراها أي أحد وهي تكبر، في حين أن الجميع يلاحظ اكتمالها حين يحين أوان قطافها. ومن هنا تأتي أهمية التأمل في هذه الثمرة الخفية التي لا تقاس بالأعمار ولا حتى بالألقاب وإنما بما تمنحه لصاحبها من اتزان ورحابة صدر وقدرة على فهم الذات والآخرين.

فكلما ازداد الإنسان نضجاً، ازداد تواضعاً أمام الحياة، وأدرك أن الحكمة الحقيقية ليست في أن ينتصر دائماً، بل في أن يفهم … يسامح… يحب .. أكثر وأكثر وأكثر وتبقى تلك هي الرحلة التي سأحاول الاقتراب منها في هذه النافذة، رحلة النضج بوصفه أجمل ما يمكن أن تهديه سنوات العمر للإنسان، وأثمن ثمرة يمكن أن يُنْضِجها في بستان الروح. فيصبح الضوء سبباً، ويغدو معه النضج ثمرةً لذلك الضوء وهو أمر لا يمكن أن يحقق الانسجام الذي يتخيله كلا منا، وأسعى إليه في سلسلة [صيفية العمر :تأملات في النضج والضوء ] .

 النضج ذلك الحصاد الهادئ لضوء العمر

حينما نكون في “مرحلة ربيع العمر” غالباً ما نظن أن قوتنا تكمن في امتلاك الأجوبة . فنندفع نحو الحياة بثقة كبيرة ، معتقدين أن العالم واضح المسارات ، وأن الحقائق دوما بسيطة ومباشرة . غير أن السنوات سرعان ما تمضي ،وتتكفل التجارب بإعادة تشكيل نظراتنا إلى الأشياء، فنكتشف شيئاً فشيئاً أن الحياة أكثر تعقيداً مما كنا له متصورين، وأن الحكمة لا تكمن في كثرة الأجوبة بقدر ما تكمن في حسن طرح الأسئلة.وأن النضج ليس انتقالاً من الجهل إلى المعرفة فحسب، بل هو انتقال من اليقين المطلق إلى الفهم الكامل والمتواضع . إنه ذاك التحول الهادئ الذي يجعل الواحد منا أقل اندفاعاً في كل أحكامه، وأكثر ميلاً إلى الإنصات والتفهم. اذ كلما اتسعت تجربته، أدرك أن وراء كل موقف قصة، ووراء كل سلوك ظروفاً قد لا يعرفها إلا أصحابها. ومن علامات النضج – كذلك – أن يتعلم الإنسان التمييز بين ما يستحق أن يخوض من أجله كل السبل ويواجه كل المعيقات. ففي مراحل مبكرة من العمر، قد ينفق المرء كثيراً من طاقته في الدفاع عن أمور صغيرة، ويفعل كل ذلك في محاولة منه لإقناع الجميع بوجهة نظره. أما حين تنضج التجربة، فإنه يكتشف أن أي سلام داخلي يبقى أثمن من كل الانتصارات العابرة ولعل أجمل ما يمنحه النضج للإنسان هو تلك القدرة على التصالح : التصالح مع الذات بما فيها من نقاط قوة وضعف، والتصالح مع الآخر رغم اختلافه معه، وأخيرا التصالح مع الماضي بما كان يحمله من نجاحات وإخفاقات. فالحياة لا تمنح أحداً سيرة كاملة خالية من العثرات، وإنما تمنحه فرص تحويل كل تلك العثرات إلى دروس.
والناضجون لا يتميزون بأنهم أقل تعرضاً للألم من غيرهم، بل بأنهم أكثر قدرة على تفهمه وفهمه . فهم يدركون أن بعض الجراح لا تأتي لتحطم الإنسان أو تحد من قدرته ، بل لتُكْشِف له مناطق – نيِّرة – جديدة في ذاته لم يكن يعرفها من قبل. ولهذا تتحول المحن مع مرور الزمن، من مجرد أحداث مؤلمة إلى منابع للمعرفة الإنسانية . وفي دفاتر السبعين – التي أعيشها – وما بعدها ،يصبح النضج أشبه بحديقة داخلية هادئة . فلا تعود معها الحياة سِبَاقاً محموماً نحو إثبات الذات ، ولا ساحة مفتوحة للصراع مع الجميع ، بل تتحول الى رحلة متأنية نحو المعنى . وعندئد يدرك الإنسان أن أعظم إنجازاته قد لا تكون تلك التي يراها الناس ، وإنما تلك التحولات العميقة التي حدثت في داخله دون أي ضجيج . وكما تحتاج الثمرة إلى : الشمس والماء والوقت كي تنضج ، فان الإنسان يحتاج إلى التجربة … الصبر … التأمل… الوقت لكي يبلغ نضجا حقيقيا . فليس الزمن وحده هو الذي يُنْضِج الأرواح، بل طريقة عيش ذلك الزمن، والقدرة على استخلاص الحكمة من تفاصيله الصغيرة قبل أحداثه الكبرى . ولهذا وغيره يبدو النضج ثمرة خفية، لا تُعرض في الأسواق ، ولا تُقاس بالمناصب أو حتى بالألقاب ، كما أنها لا تُرى بالعين المجردة . وإنما تنعكس في هدوء الكلمة …اتزان الموقف … رحابة القلب … وفي تلك القدرة النادرة على أن يكون الإنسان قوياً دون أي قسوة، ومتواضعاً بعيدا عن الضعف. وبالتالي حكيماً دون أي ادعاء كيفما كان نوعه .

خلاصة تأملية

بعد رحلة طويلة مع الأيام، نكتشف أن أجمل ما يمكن أن نربحه من العمر ليس الشهرة ولا الثروة ولا كثرة الإنجازات بل هو ذلك النضج الهادئ الذي يجعلنا أكثر قرباً من أنفسنا وأكثر تفهماً للآخرين بِغَضِّ النظر عن مواقعهم وخانات تواجدهم. فالثمار الحقيقية للحياة ليست ما نقطفه بأيدينا، وإنما ما تنضجه التجارب في أعماقنا من حكمة وبصيرة وإنسانية مطلقة وعموما يبقى النضج في جوهره ليس سوى أن نتعلم كيف نكبر دون أن نفقد دهشتنا، وكيف نشتد عوداً دون أن تتصلب قلوبنا، وكيف نعبر الزمن دون أن نفقد القدرة على محبة الحياة.
وهكذا تمهد هذه الوقفة التأملية للانتقال إلى النافذة الثالثة المعنونة ب : [حرارة القلب وبرودة الحكمة] ، حيث سنقترب أكثر من ذلك التوازن الدقيق الذي يسعى إليه كل إنسان ناضج بين دفء المشاعر ونور العقل، بين الحماسة التي تمنح الحياة معناها، والحكمة التي تمنحها اتجاهها .

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *