كرة القدم ..حلم جميل
حين يحاور الطين الهواء
المختار عنقا الادريسي
طنجة . المملكة المغربية
استسلمت للنوم قبل منتصف ليلة هذا الاثنين بقليل، وأنا أمني النفس بانتظار صافرة الحكم التي ستعلن، مع انبلاج صباح الثلاثاء، انطلاق المواجهة الكروية المرتقبة بين المنتخبين المغربي و الهولندي.
وربما لأن العقل لا يتوقف عن التفكير حتى وهو نائم، فقد راودني حلم غريب، لكنه كان جميلاً إلى حد الدهشة. لقد رأيت كأنني أقف في فضاء فسيح تتجاور فيه الطواحين الهوائية الهولندية مع الطواجين المغربية، في مشهد لا تصنعه إلا الأحلام. لقد كانت الطواحين تدور في هدوء، تداعبها الرياح القادمة من بحر الشمال، بينما كانت الطواجين تستقر في سكينة فوق جمر هادئ، تفوح منها رائحة الأرض والذاكرة والدفء. وفجأة، لم تعد الطواحين مجرد خشب يدور، ولا الطواجين مجرد أوانٍ من طين، بل دبت فيهما الحياة، وانطلق بينهما حوار شيق وعميق، لم يكن في حقيقته حواراً بين أوانٍ وأدوات، بقدر ما كان حواراً بين حضارتين … بين الهواء الذي تعلّم كيف يصنع الحركة، والطين الذي تعلّم كيف يصنع الحياة.
أنصتُ إليهما مأخوذاً بما أسمع، وكأن المباراة التي كنت أنتظرها فوق المستطيل الأخضر قد بدأت في مخيالي قبل موعدها … ولكن بلغة الرموز.
* قال الهواء الهولندي: أنا الذي أدير الطواحين، وأمنح الأشرعة حركتها، وأدفع السفن إلى اكتشاف الآفاق البعيدة. منذ قرون وأنا رفيق شعب تعلّم كيف يحوّل الريح إلى طاقة، وكيف يجعل من الماء صديقاً لا عدواً للانسان.
*فابتسم الطين المغربي وقال: وأنا الذي تُصنع مني الطواجين، وتُخبز فوق ناري حكايات الأجداد. في أحشائي تختلط النكهات، وتنضج الذاكرة، ويجتمع حولي الناس كما تجتمع الأسرة حول دفء البيت.
* قال الهواء: أنا رمز الحركة … السفر … الانطلاق.
* فأجاب الطين: أو لا تعلم أني رمز الجذور والثبات والانتماء.
* رد الهواء: أنا أرفع الطاحونة نحو السماء.
* فتبسم الطين وقال: وأنا أزرع الإنسان في أرضه، ليظل وفياً لأصله مهما ابتعدت به الطرق.
* فسأل الهواء مبتسماً: ومن منا سيكون الأقوى غداً، على المستطيل الأخضر؟
* فرد عليه الطين في هدوء الواثق قائلا: ليس السؤال من الأقوى، بل من استطاع أن يحوّل عناصر الطبيعة إلى حضارة. أنتم صنعتم من الريح طواحين، ونحن صنعنا من الطين طواجين. أنتم أبدعتم في هندسة الحركة، ونحن أبدعنا في هندسة الدفء والطمأنينة وحافظنا على التجمع الأسري. وكلا الإبداعين وجهان لعبقرية الإنسان.
وهنا، تدحرجت كرة القدم بينهما، وكأنها كانت تستمع منذ البداية، وقالت ضاحكة:
[ غداً سأكون أنا ضيفة على أرض الملعب، لكنني لن أكون حكماً بينكما. فليس هناك غالب ولا مغلوب بين الحضارات. الفوز الحقيقي هو أن يحوّل الإنسان ما وهبته الطبيعة إلى إبداع، وأن يجعل من الريح طاقة، ومن الطين حياة، ومن المنافسة جسراً للتعارف والاحترام ] .
وعندها خفت صوت الريح، وازداد دفء الجمر، وساد صمت جميل، كأن الهواء والطين قد اتفقا على أن يتركا الكلمة الأخيرة للاعبين فوق العشب الأخضر، هناك في المكسيك.
وفجأة… استيقظت على صوت المنبه، وأدركت أن ما رأيته لم يكن سوى حلم. غير أن بعض الأحلام، حين تكون جميلة، تظل أصدق من كثير من الوقائع، لأنها تذكرنا بأن الأمم لا تتنافس فقط في ملاعب الكرة، بل تتنافس أيضاً في صناعة الحضارة، وأن احترام الآخر … تقديره … عدم خشيته، هو أجمل انتصار يمكن أن يحققه الإنسان.
