كرة القدم … حلم جميل 2
حين صافح نسر المكسيك نجمة المغرب حلمٌ فوق المكسيك

في بعض الأحلام ، لا تتكلم الألسنة، بل تتكلم الرموز . وحين تنتهي المباريات ، ويخفت صخب المدرجات ، تبدأ حكاية أخرى لا يراها إلا من يؤمن بأن الرياضة ليست مجرد أهداف تُسجل، وإنما جسور تمتد بين القلوب ، وأن الأعلام ليست مجرد قطع من قماش ترفرف فوق الملاعب، بل هي ذاكرة أمم ، ورسائل حضارات، وأحلام شعوب . وفي تلك الليلة المكسيكية، وبعد أن ابتسم الحظ للنجمة الخضراء التي تتوسط الراية المغربية، رأيت فيما يرى النائم النسر الذي يتوسط العلم المكسيكي يحلق في سماء مدينة المباراة، ثم يهبط برفق نحو النجمة المغربية، لا بصفة حكم ولا مشجع ، وإنما بصفة صديق قديم جاء يحمل باقة تهنئة من شعب كامل أحب المغرب وأحب أبناءه منذ أن وطئت أقدامهم أرض حضارات الأزتيك والمايا . فتخيلته وأنا احلم ، حوارا لم تسمعه الجماهير ، لكنه بقي يتردد في ذاكرة الحلم …
* النسر المكسيكي :
أيتها النجمة الخضراء… اسمحي لي أن أكون أول المهنئين . لقد تابعت رحلتكم منذ اللحظة الأولى ، ورأيت فيكم عزيمة الجبال ودفء الصحراء وصدق البحر. لقد فزتم بالمباراة … لكنكم قبل ذلك فزتم بمحبة شعب المكسيك .
* النجمة المغربية :
شكراً أيها النسر النبيل. إن أجمل انتصار ليس ذلك الذي يُكتب على لوحة النتائج ، بل هو الذي يُكتب في قلوب الشعوب. وقد شعرنا منذ وصولنا إلى أرضكم أننا بين إخوة أحبة ، لا بين أو وسط غرباء .
* النسر :
لقد كانت مدرجاتنا تهتف لكم لأننا رأينا فيكم شعباً يشبهنا … يعرف معنى الكرامة ، ويعتز بجذوره، ويبتسم رغم الصعاب . فكأن بين جبال الأطلس وسلاسل سييرا مادري خيطاً خفياً من المحبة .
* النجمة :
وما أجمل أن تكتشف الأمم أنها تتشابه أكثر مما تختلف . فالكرة قد تجمع في تسعين دقيقة ما تعجز عنه سنوات طويلة من البروتوكولات
* النسر :
لقد أعجبني فيكم شيء آخر … لم يكن الاحتفال صاخباً حد الغرور ، ولم يكن الفرح جارحاً للمنافس . كان انتصاراً يليق بفرسان يعرفون أن الخاسر اليوم قد يصبح صديق الغد .
* النجمة :
هكذا تعلمنا . فالرياضة عندنا ليست ساحة للعداوات ، وإنما هي مدرسة للأخلاق . ومن يرفع كأس الاحترام، لا يخسر أبداً .
* النسر :
لقد رأيت أعين الأطفال المكسيكيين تتابعكم بإعجاب . ولعل بعضهم سيحمل الكرة غداً وهو يحلم أن يكون مثل أسود الأطلس .
* النجمة :
وكم يسعدنا أن يكون بين أطفال المكسيك من يحمل شيئاً من الحلم المغربي ، كما يحمل أطفال المغرب تقديراً لشعبكم العريق وحضارتكم الضاربة في أعماق التاريخ .
* النسر :
أتعلمين؟ حين حلّقتم في الملعب ، شعرت أنكم لا تمثلون المغرب وحده ، بل تمثلون كل أمة تؤمن بأن الإرادة تستطيع أن تصنع المعجزات .
* النجمة :
وهذا هو سر الرياضة … أنها تمنح الشعوب الصغيرة والكبيرة الحق نفسه في الحلم ، والفرصة عينها في كتابة التاريخ .
* النسر :
إذن ، اسمحي لي أن أقولها أمام سماء المكسيك كلها: لقد سررنا بوجودكم بيننا ، وسنظل نتذكر أن النجمة الخضراء أضاءت ليالينا قبل أن تضيء سجل البطولة العالمية .
* النجمة :
وسنظل نحن أيضاً نحفظ للمكسيك هذا الكرم الجميل ، وهذه المحبة الصادقة التي لا تُشترى ولا تُباع . فما بين المغرب والمكسيك لم يعد مجرد لقاء كروي، بل صار صفحة مضيئة في كتاب الصداقة بين شعوب العالم .
وهكذا أستمر في النوم ويستمر الحلم / الحوار مابين النجمة والنسر . فلم يعد مجرد لقاء كروي ، بل صار صفحة مضيئة في كتاب الصداقة بين الشعوب ، استهله النسر المكسيكي بقوله : أيتها النجمة الخضراء … لقد كنت أراقبك طوال المباراة ، ثم سألت نفسي: من أين لك بهذه القوة الهادئة؟
أهي وليدة هذا الجيل فقط ؟ أم أنها جاءت من أعماق التاريخ ؟ لقد شعرت وأنا أنظر إليك أن وراءك آلاف السنين من الذاكرة ، أليس كذلك ؟
* النجمة المغربية:
صدقت أيها النسر الحكيم فالنجوم لا تضيء من فراغ ، بل تستمد نورها من تاريخ طويل . فأنا ابنة أرض تعاقبت عليها حضارات كثيرة، لكنها لم تُلغ بعضها، بل أضاف كل عصر لبنة جديدة إلى صرح الوطن المعطاء . قبل أن تعرف كثير من الأمم معنى الدولة ، كان الأمازيغ يبنون مجتمعاتهم فوق جبال الأطلس، ويكتبون حكاياتهم على الصخور، ويصنعون من الحرية أسلوبًا في العيش . ثم جاءت السفن الفينيقية، لا غازية ، وإنما تاجرةً للمعرفة ، فازدهرت الموانئ ، وتعانقت الضفتان الإفريقية والمتوسطية . وأطل القرطاجيون يحملون روح البحر ، ثم تبعتهم روما ، فتركت الطرق والقناطر والمدن ، ولم تستطع رغم عظمتها أن تمحو روح البلاد . ثم أشرقت شمس الإسلام ، فوحّدت الأرواح قبل الأوطان ، وشيدت دولًا عظيمة ، من الأدارسة إلى المرابطين فالموحدين والمرينيين والسعديين والعلويين ، فصار المغرب مدرسةً في العلم والعمران والتسامح، وجسرًا يصل إفريقيا بالأندلس، ويصل الشرق بالغرب . هكذا تشكلت شخصيتي … طبقات من الحضارة، لا تلغي إحداها الأخرى ، بل تتكامل كما تتكامل ألوان قوس المطر .
* صمت النسر المكسيكي قليلا وقد فرد جناحيه بفخر قائلا :
وكأنك تحكين حكايتي أنا أيضًا … فأنا لست مجرد نسر مرسوم على علم . إنني ذاكرة شعوب تعاقبت على هذه الأرض قبل أن تحمل اسم المكسيك . لقد بدأ كل شيء مع الأولميك ، فهم أول من نحت ملامح الحضارة في هذه الربوع ، وترك الرؤوس الحجرية العملاقة شاهدة على عبقرية الإنسان . ثم جاء المايا…
أولئك الذين قرأوا حركة النجوم ، وحسبوا الزمن بدقة أدهشت العلماء بعد قرون طويلة ، وشيدوا مدنًا لا تزال أحجارها تنطق بالحكمة . وبعدهم نهض التولتك ، فصنعوا حضارةً تجمع بين القوة والفنون ، وغرسوا في الإنسان معنى الانضباط والإبداع . ثم جاء الأزتيك ، فأسسوا مدينة عظيمة وسط البحيرات، حتى حسبها القادمون من وراء البحار مدينةً من الخيال . كل حضارة رحلت ، لكنها لم تمت … لقد تركت شيئًا من روحها فينا .
* النجمة المغربية :
ما أجمل أن تكتشف الحضارات أنها تتشابه في جوهرها. أنتم رفعتم المعابد نحو السماء ، ونحن رفعنا الصوامع .
أنتم قرأتم أسرار النجوم ، ونحن جعلنا النجمة رمزًا يهدي إلى الطريق . أنتم عبدتم الشمس يومًا، ونحن تعلمنا أن نور الخالق يشرق على الجميع. لقد اختلفت الرموز، لكن الإنسان ظل يبحث عن الحقيقة نفسها .
* النسر المكسيكي :
وهذا ما يجعلني أزداد احترامًا لكم ، يا أبناء المغرب .فأنتم لم تحملوا معكم إلى المكسيك فريقًا لكرة القدم فقط… بل حملتم إرثًا عمره آلاف السنين . كل تمريرة في الملعب كانت امتدادًا لذاكرة شعب تعلّم الصبر من جباله ، والكرامة من صحاريه ، والانفتاح من بحريه المتوسطي والأطلسي .
* النجمة المغربية :
وأنتم أيضًا لم تكونوا مجرد جمهور يشجع من المدرجات . لقد رأينا في ابتساماتكم ملامح الأولميك والمايا والتولتك والأزتيك ، ورأينا شعبًا استطاع أن يحول جراح التاريخ إلى طاقة للحياة . ولذلك شعرنا أن تشجيعكم لنا لم يكن مجاملة عابرة ، بل لقاءً بين حضارتين تعرفان جيدًا معنى البقاء .
* النسر المكسيكي :
ما أعجب التاريخ … لقد جاءت الكرة لتفعل في أيام قليلة ما احتاجت إليه السفن والقوافل قرونًا طويلة . لقد جعلت أبناء الأطلس وأحفاد المايا يتصافحون … يتبادلون الأهازيج والابتسامات ، وكأن المحيط الذي يفصل بينهما قد تحول إلى جسر من المحبة .
* النجمة المغربية :
لعل هذه هي الرسالة الحقيقية للرياضة … أنها لا تبحث عن المنتصر والمهزوم فقط ، بل تبحث عن الإنسان الكامن في كل ثنايا … قيم … ذاكرة … حضارة كل شعب . فالمنتخبات قد تغادر البطولة ، لكن الحضارات العريقة لا تغادر ذاكرة الإنسانية أبدًا . ويبقى أعظم انتصار هو أن تتصافح الحضارات ، قبل أن تلتقي الأقدام وهي تداعب الكرة في وسط
المستطيل الأخضر .
تصافح الحضارات قبل تنافس الأقدام
وقبل أن ينتهي الحلم ، فتح النسر جناحيه ، وحلّق قليلاً فوق الراية المغربية، ثم قال بصوت حملته الرياح البحرية :
أيتها النجمة الخضراء … لا تتوقفي هنا. واصلي التألق، واكتبي فصولاً جديدة في ملحمة الكرة العالمية . فالعالم لا يحتاج فقط إلى أبطال يحرزون الأهداف ، بل يحتاج إلى أمم تجعل من الرياضة لغةً للمحبة، ومن المنافسة جسراً للتعارف ، ومن الفوز مناسبةً للتواضع ، ومن الهزيمة درساً للأمل.
احملي معك دائماً رسالة المغرب ، كما سنحمل نحن رسالة المكسيك ، ولتظل الملاعب أماكن تلتقي فيها الشعوب بدل أن تتخاصم ، وتتبادل فيها الأعلام التحية بدل الخصومة ، وتتعانق فيها القلوب قبل الأقدام. وكأني بالمستديرة ، ما خُلقت الا لتذكّرنا بأن الأرض أيضاً مستديرة ، وأن البشر جميعاً ، مهما اختلفت لغاتهم وألوان أعلامهم ، ينتمون إلى بيت إنساني واحد ، لا يليق به إلا السلام ، ولا يزدهر إلا بالمحبة ، ولا يبقى إلا بالأخوة الصادقة . وعندها ابتسمت النجمة الخضراء وواصل النسر المكسيكي تحليقه في الأفق البعيد ، بينما بقيت الرايتان ترفرفان جنباً إلى جنب ، وكأنهما تكتبان معاً درساً جديداً مفاده أن أجمل انتصار هو ذلك الذي يجعل الشعوب تخرج من الملاعب أكثر قرباً، وأكثر احتراماً، وأكثر إيماناً بأن الإنسانية هي البطولة الكبرى التي تستحق أن يفوز بها الجميع .
