كرة القدم.. .. حلم جميل 4

كرة القدم.. .. حلم جميل 4

حين حاورت صومعة حسان .. قوس النصر

مدخل تأملي:

المختار عنقا الإدريسي

بين الحلم الذي يفتح أبواب الخيال، والحقيقة التي تستدعي حكمة الضمير، تقف الرياضة في مفترق طريقين: طريق يجعلها لغةً عالميةً تتعارف بها الشعوب، وآخر يحاول أن يجرها إلى حسابات النفوذ، وصراعات المصالح، وأهواء ودواليب السياسة. ولأن كرة القدم أصبحت اليوم أكثر من مجرد لعبة، فإن مسؤوليتها أصبحت أكبر من مجرد تسجيل للأهداف. فهي امتحان لضمير الإنسانية، واختبار لقدرتها على أن تجعل القانون فوق القوة، والعدل فوق النفوذ، والاستحقاق فوق أي اعتبار آخر.
فالرياضة لا تزدهر إلا حين يكون قانونها أعلى من نفوذ الأقوياء، وعدالتها أسبق من مصالحهم. أما إذا امتدت إليها الأيدي التي تريد أن تصوغ نتائجها خارج المستطيل الأخضر، أو أن تؤثر في ميزانها بغير ما تمليه قواعدها، فإن أول الخاسرين لن يكون منتخبًا أو حكمًا أو بطولة، بل ستكون الثقة التي جعلت من الرياضة ملاذًا أخيرًا للإنصاف في عالم تتنازعه المصالح. ولذلك فإن أجمل ما يمكن أن يُهدى للجماهير، قبل أي مباراة، ليس وعدًا بالفوز بل وعدًا بالنزاهة. لأن الهزيمة في مباراة شريفة قد تكون أكثر كرامة من كل انتصار يشوبه الشك، ولأن التاريخ لا يخلد عدد الأهداف وحدها، بل يتذكر أيضًا الكيفية التي وُلدت بها تلك الأهداف. في زمن كثرت فيه الأصوات، وضاقت فيه المسافات بين الخبر والإشاعة، وبين الحقيقة والتأويل، يبقى الأمل معقودًا على أن تظل الملاعب فضاءاتٍ لا سلطان فيها إلا لقانون الكرة، ولا مكان فيها إلا للموهبة، ولا حكم فيها إلا للضمير. لأن المعنى الأعمق للرياضة هو: أن تمنح البشرية فسحةً قصيرة تَنْسى فيها خلافاتها، وتلتقي حول فرحة مشتركة، وتؤمن لتسعين دقيقة -أو أكثر – ، بأن التنافس الشريف يكون قادرا على أن يجمع ما عجزت السياسة عن جمعه، وأن يبني جسورًا بين الشعوب أقوى من كل ما تفرقه المصالح. وفي تلك الليلة، عندما هدأت ضوضاء التحليلات، وخفتت أصوات التوقعات، واستسلمت المدن لنوم هادئ، وهي تنتظر مباراةً التأهل للنصف بين المغرب وفرنسا، مباراة تليق بتاريخ البلدين، وبمكانتهما في ذاكرة المتوسط، وبالقيم التي يفترض أن تحملها الرياضة إلى العالم. وعندما انتصف الليل، حدث ما لا يحدث إلا في الأحلام الصادقة…

خرجت صومعة حسان من صمتها الذي امتد قرونًا، وألقت نظرة على ضفاف أبي رقراق، ثم رفعت بصرها نحو الشمال، حيث كان قوس النصر في باريس يطل على مدينة الأنوار، شامخًا في مكانه، كأنه ينتظر هو الآخر لحظة الكلام. تلاقت النظرتان عبر البحر المتوسط، لا يحمل أيٌّ منهما ذاكرة خصومة، ولا رغبة في استحضار جراح الماضي، بل يحملان ذاكرة حضارتين تعلمتا عبر تعاقب القرون أن الزمن لا يكرم إلا من يحسن تحويل التاريخ إلى حكمة، والمنافسة إلى احترام، والاختلاف إلى تعارف ومحبة. فساد صمت قصير … وكأنه كان صمتًا يليق بالحجارة التي شهدت مرور الأجيال وتعاقبها، محتفظة في أعماقها بما هو أنبل من ضجيج اللحظة.

ان الرياضة لا تزدهر الا عندما يكون قانونها أعلى من نفوذ الأقوياء … وعدالتها أسبق من مصالحهم

* قوس النصر: سلامٌ عليكِ أيتها الصومعة الشامخة…كم مضى من الزمن ونحن نتقابل من بعيد ، يفصل بيننا البحر المتوسط، لكنه لم يستطع يومًا أن يفصل بين فضولي لمعرفة أسرارك، وبين شوقك إلى سماع ما تختزنه حجارة باريس من حكايات. لقد رأيتُ الليلة آلاف العيون تتجه نحو مباراة ستجمع أبناء بلدينا، فقلت في نفسي: لعلها فرصة ليتذكر البشر أن التاريخ لا ينبغي أن يثقل أقدام الرياضيين، بل أن يضيء لهم الطريق

* صومعة حسان: وعليك السلام أيها القوس العريق…

لقد بلغني صوتك قبل أن يبلغني صداه، فالحديث الصادق يعبر البحار دون أن يحتاج إلى سفن. وأنا مثلك .. كنت أراقب استعدادات المباراة ، وأدركت أن أكثر ما تحتاجه هذه الليلة ليس كثرة المحللين، بل قليلًا من الحكمة. فالملاعب لا تُبنى لتصفية الحسابات، ولا ليحاكم فيها الأبناء ما لم يصنعوه بأيديهم. إن لكل جيل حقه في أن يكتب صفحته البيضاء بنفسه، ويخلد أمجاده.
* قوس النصر: ما أصدقك … لقد مرَّ من تحتي ملايين البشر، واختلفت لغاتهم … ألوانهم … عقائدهم، لكنني تعلمت شيئًا واحدًا يتلخص في أن الإنسان حين يحمل ذاكرة مثقلة بالأحقاد، يعجز عن رؤية المستقبل. أما حين يحمل ذاكرةً تتعلم من الماضي دون أن تسجن نفسها فيه، فإنه يصبح أقدر على بناء الغد.
* صومعة حسان : ونِعْم الدرس الذي لقنتني إياه القرون. لقد شهدت قيام دول، ورأيت أخرى ترحل، وسمعت أصوات النصر والهزيمة، ثم اكتشفت أن الزمن لا يحتفظ إلا بما كان نافعًا للإنسان. أما الضجيج  فإنه يرحل مع أصحابه. وأن القيم وحدها التي تبقى شاهدة … ناطقة بكل الأمجاد.
* قوس النصر : إذن فلنجعل هذه المباراة عيدًا للرياضة. بعيدا عن كل ما يشوش عليها أو يفسد متعتها، وليبقى التنافس فيها قويًا، والاحترام أقوى. وليكن الطموح مشروعا والعدالة أسمى، ليكون الفوز أمنية الجميع ، عندئذ يكون الشرف هو المنتصر الأول والأخير.
* صومعة حسان : ما أجمل أن أسمع هذا الكلام من شاهدٍ على تاريخ أمة عريقة. فالحضارات الكبرى لا تُعرف بقدرتها على الانتصار فقط، وإنما تُعرف أيضًا بقدرتها على احترام منافسيها. ومن حق اللاعبين أن يحلموا بالفوز ويسعون إليه، لكن ليس من حق أي أحد أن يحرم خصمه من عدالة الفرصة. لأن القانون حين يكون عادلًا، لا يحمي فريقًا بعينه، بل يحمي الرياضة كلها.
* قوس النصر : أتعلمين …أني كنت أستمع منذ أيام إلى ضجيج كل التوقعات … التكهنات …الادعاءات … فشعرت أن كثيرين يريدون أن يجعلوا من المباراة امتدادًا لما مضى، من أطماع … خلافات … أو استرجاعا لما راج في بطولة 22 بدولة قطر.

أرجو أن تكون هذه المباراة بداية لما سيأتي. فالذين سينزلون إلى أرض الملعب ليسوا صفحات من كتب التاريخ، بل شباب يحملون أحلامًا، ويستحقون أن يُنظر إليهم بما سيقدمونه فوق العشب، لا بما حدث قبل ميلادهم بسنوات طويلة، ولا بما يحاك في غيبة منهم.
* صومعة حسان : صدقت… ولعل هذا هو أجمل ما في الرياضة، إنها تمنح كل جيل فرصةً جديدة ليكتب تاريخه بقدميه، لا بأقدام من سبقوه، وأن يستحضر قدراته … مواهبه … فنياته …طموحاته. وتمنح الشعوب فرصةً لكي تتصافح في المدرجات، قبل أن تتصافح في المنصات. فإذا أحسن الجميع الإصغاء إلى هذه الرسالة، أصبحت المباراة احتفالًا بالإنسان وتقديرا له، قبل أن تكون منافسةً على بطاقة العبور الى نصف النهائي . وساعتها فقط ستبتسم الحضارة، لأن أبناءها فهموا الدرس الذي انتظرته منهم طويلًا. – ولم تكتف بذلك – بل أضافت قائلة:

– أيها الصديق العتيق … لقد علمتني ثمانية قرون من الوقوف هنا  أن الأمم لا تُقاس بما تكسبه في مباراة، ولا بما ترفعه من كؤوس، وإنما بما تحفظه في ذاكرتها من قيم … ثقافة ..وما تورثه لأبنائها من حضارة.

إن المملكة المغربية ليست في حاجة إلى أن تثبت عراقتها، فحجارتها … مدنها … أعلامها … لهجاتها… تراثها، كل ذلك يشهد بأنها من أعرق الدول ذات الاستمرارية التاريخية، وأنها كانت عبر القرون ملتقى للحضارات الأمازيغية … الفينيقية…القرطاجية … الرومانية…ثم الإسلامية بمختلف روافدها، حتى تشكلت منها هوية متجذرة، قادرة على أن تستوعب الجديد دون أن تفقد أصالتها. ولذلك فإن ذاكرتنا لم تكن يومًا أسيرة حدود مرسومة، بل كانت ذاكرةً تسافر من جيل إلى جيل، تحمل معها لغة الأرض … روح الإنسان … وفاء الأبناء لمن سبقهم من الآباء والأجداد والسلف الصالح. وإن هؤلاء الشباب الذين يرتدون اليوم قميص المنتخب الوطني، لا يبدؤون الحكاية من الصفر، ولا يحملون على أكتافهم آمال جمهور فحسب، بل يحملون أيضًا رسالة تاريخ طويل، صنعه رجال ونساء آمنوا بأن الأوطان تُبنى بالعمل، وأن الحضارات لا تعيش إلا إذا ظل كل جيل أمينًا على ما ورثه، ومبدعًا فيما يضيفه. فإذا فازوا، فذلك ثمرة جهدهم واستحقاقهم، وإن لم يحالفهم الفوز – لا قدر الله – فقد أدوا رسالتهم بمنتهى الشرف، لأن الرسالة الحقيقية ليست أن ننتصر في كل مباراة بل أن نظل أوفياء لقيم وطننا الحبيب، وأن نترك لمن يأتي بعدنا ذاكرة أكثر إشراقًا، وأفقًا أكثر رحابة. فالكؤوس تبقى سنوات في خزائن الأبطال، أما الحضارات فتبقى قرونًا في ذاكرة الإنسانية.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *