تَحْتَ مِظْلةِ النقدِ اللغوي والنفسي 

تَحْتَ مِظْلةِ النقدِ اللغوي والنفسي 

دراسة نقدية: لرواية “سيرة حُمّى” للأديب خالد بن أحمد اليوسف

محمد ياسين خليل القطعاني

الأدب فن من فنون التعبير عن الأفكار والمشاعر والتجارب، وكذلك عن الآمال والنجاحات والإخفاقات بلغة خاصة، تهدف إلى تحقيق المتعة والإمتاع، والتأثير في المتلقي بطرق شتَّى .

ومن المأثور عن الخليل بن أحمد الفراهيدي قوله:” الشعراء أمراء الكلام “؛ ولأن الشعراء من الأدباء، وخالد اليوسف من الأدباء الذين عناهم الفراهيدي فإننا سنكون ضيوفًا على روايته المسماة (سيرة حُمى)، وسوف نتناول بعض ما جاء فيها تحت مظلة النقد اللغوي والنفسي.

اللغة وِعاء الفكر، وهي الكاشفة عن حالات الوعي و (اللاوعي) لدى الكاتب عندما يُفكر، ثم يتأمل، ثم يكتب.

يقول فخر الدين الرازي في كتابه ( الفراسة) :” العينان بريدُ القلب”، ونحن نقول في مجال النقد: ” اللغة بريد قلب الكاتب وعقله وخبراته ورؤاه، وله من أمامها ومن خلفها رسائل يريد تمريرها إلى المتلقي.

وسوف نقتبس من الرواية بعضًا ممّا ورد بين دفتيها، ونعالجه لُغويًا ونفسيًّا.

بدأ الكاتب الرواية بعبارات الإعجاب والتغزل مُستخدمًا الكلمات والأساليب والأخيلة، فَمِممَّ تعجب؟ وفيمَ تغزّلَ؟

هل تغزل في رشاقة محبوبته كما فعل امرؤ القيس حين قال:

مُهَفهفة ٌ بيضاءُ غير مُفاضَةٍ    ترائبُها مصقولةٌ كالسَّجنجلِ

أم كما قال المتنبي عن سحر عطر فتاته الذي يُحيل الشيخ شابًّا:

وفتّانةَ العينين ، قتالةَ الهوى    إذا نَفَحتْ شيخًا روائحها شَبّا

أمْ كما صرّحَ عنترة عن شدة فتك عيون محبوبته الذي يفوق فتكَ السيوف:

عُيون ُ العذارى من خلال البراقعِ   أحَدُّ من البيضِ الرِّقاق القواطعِ

أمْ كما سمعنا إيليا أبا ماضي وهو يصف جمال الأرض بما فيها من سهول وجبال:

الحسنُ حوْلَكَ في الوِهاد وفي الذّرى   فانظرْ، ألستَ ترى الجمال كما أرى؟

كلُّ شاعر جعلنا نُصدقه من حُسنِ سبكه، وفصاحةِ لفظه ، وبلاغة أسلوبه ، وبديعِ تصويره، فَلنعدْ إلى خالد اليوسف ؛ لنرى فيمَ تغزلَ؟ ومِمّ تعجب؟

نقرأ في الصفحة الأولى من الرواية ما يلي : ( اقتباس)

يا لَهذا الأفق البعيد الممتد، بحثًا عن عِناق السماءِ!

يا لَهذا السراب المُترقرق وسط النهار؛ ليزيدكَ حَيرة وضياعًا، وبحثًا لا ينقطع!

يا لَهذا الغيب المجهول الخالد في عظمةِ وجمال الصحراء!

هي الصحراء، إنه يتغزل في الصحراء، وحاولَ أن يجعل القارئ يُسايره في إعجابه، ويصدقه فيما يقول، فكيف تأتّى له ذلكَ؟

        خالد بن أحمد اليوسف

لجأ خالد اليوسف إلى اللغة، فاستنهضها، ومن اللغة اختار الأساليب، ومن الأساليب اختار أسلوب التعجب، ومن أساليب التعجب اختار ضربًا محددًا هو: النداء التعجبي الذي يتكون من: (يا) للنداء، ثم اسم المتعجب منه مجرورًا بلام مفتوحة ( يا لَهذا الأفق!).

ونلاحظ أنه لم يخترْ مثلاً: ما أجملَ الأفقَ! أوْ أجْملْ بالأفق!

والسر وراء ذلك أنّ الكاتب بوعيٍ، أو بدون وعيٍ شعرَ بتلازمٍ ( لغوي ومكاني) بين الصحراء المترامية الواسعة مع النداء بالحرف ( يا) بما يحمله من حالة صوتية متراميةٍ ممتدة، وذلك عكس استخدام ( ما) التي يأتي بعدها المقطع الساكن : ( ما أجْ…).

اصطحبَ خالد اليوسف عين القارئ بعيدًا حين أردف تعجبه بقوله: (البعيد الممتد)، وجعل الأفق يعانق السماء في (انزياح دلالي)، واختار مفردة :(العناق) من أخوات لها (متشابهات) يحملن معاني مشابهة؛ فالعناق لا يكون إلا بين متحابين متجانسين.

بهذا الاختيار من الكاتب لهذا الأسلوب (التعجبي) بعينه، استحوذ على بعض حواس القارئ، فقد تضمّن الأسلوب صورة فنية كلية حملت الحركة في كلمة( بحثًا )، واللون في كلمة (السماء)، والصوت في كلمة ( العناق ) بما يصاحب العناق من حركة الأيدي والضم إلى الصدر.

ويستمر الكاتب في استخدام أسلوب التعجب المصحوب بالنداء في الجملة التالية: (اقتباس)

  • يا لَهذا السراب المترقرق!

وللدهشة، فمن المعروف عن السراب أنّه يحمل (الخداع والتغرير والغش)، لكنّ الكاتب جعل القارئ ينسى ذلك بأنْ وصف السراب بكلمة:(المترقرق)، فالكلمة تحمل دلالات اللمعان والهدوء والانسياب، وبهذه الحِيلةِ أحالَ خالد اليوسف الخداع إلى حقيقة، والخوف  إلى أمن.

وما زال اليوسف يستخدم أسلوب التعجب، ونقرأ ذلك في الجملة الثالثة:  يا لَهذا الغيب المجهول في عظمة وجمال الصحراء!

استلب اليوسف عقل القارئ، وظلّ يُقنعه بجمال الصحراء، رغم ما فيها من (المهالك والغموض)، فيُباغته بقوله: ( عظمة وجمال الصحراء).

ويستمر في إيهام القارئ (بجمالها) مُستعينًا ومُستعيرًا  بالكلمات التي تحمل دلالات نفسية مريحة، مثل: (الأفق / السماء / العناق/ المترقرق / عظمة / جمال).

كما لجأ إلى تكرار أسلوب التعجب ثلاث مراتٍ بالصيغة نفسها؛ ليؤكد للقارئ ما يريده، ويؤثر فيه نفسيّا، ويجعله يُوافقه الرأي على (جمال الصحراء).

نسّق الكاتبُ خالد اليوسف (أسلوب التعجب) على هيئة واحدة ترتاح لها العين، فقد بدأ أسلوب التعجب ب:

(يا) ذات الصوت الممتد، وبعدها المتعجب منه ، ثم أردفَ المتعجب منه بصفة على هذا النحو:

  • يا لهذا /  الأفق/ البعيد!
  • يا لهذا / السراب / المترقرق !
  • يا لهذا / الغيب / المجهول !

وهنا يثور السؤال مرة أخرى، لماذا عمدَ خالد اليوسف إلى أسلوب التعجب في بداية الرواية؟

ولماذا هذا الضرب من أساليب التعجب؟

نقول مُجيبين:

الأسلوب الإنشائي نوعان: الطلبي، ويأتي على صورة: (الأمر أو النهي أو النداء أو التمني أو الاستفهام)، وغير الطلبي ويأتي على صورة: (التعجب أو القسم أو المدح أو الذم أو…)

لو استخدم الكاتب الأسلوب الطلبي لقال مخاطبًا القارئ :

  • هل الصحراء جميلة؟

حينئذٍ كأنه ينتظر من المتلقي الإجابة بالإثبات أو بالنفي، أما عندما يقول : يا لجمال الصحراء!، فإنه يُصدر حكمًا باتًا بجمال الصحراء، ولا ينتظر الإجابة بالإثبات أو بالنفي.

بهذه الطريقة: (الحيلة اللغوية) جذب اليوسف انتباه القارئ  خِلْسًة، وأنعش ذهنه، وجعله يتفاعل معه، ويشاركه هذا الإعجاب.

لكن فجأة، يساور القلقُ الكاتب، ويخشى من عدم موافقته أي (القارئ) له على قناعاته، فيستبطن روح القارئ وعقله بسرعة، ويتخيله  يقول له : ( اقتباس)

  • ما الذي يُغري مجموعة من الناس بالبقاء وسط الصحراء؟
  • ما سر الجاذبية عند بعض الناس في أرضٍ فلاةٍ؟

خالد اليوسف سوف يصحب القارئ في رحلاته عبر الصحراء، ويطوف بالمدن، ويصعد الجبال، ويهبط السهول؛ لذلك نلحظه يحرص على أن يقنع المتلقي بأنّ الصحراء جميلة، ونجده يستخدم كلمة( الصحراء)، ولا يستخدم كلمات أخرى من أسماء الصحراء ـ وإنْ كانَ هنا استخدم كلمة ( فلاة)ـ  وكلمة فلاة في دلالاتها قريبة من دلالات  كلمة:( الصحراء)  من حيث الموروث الجمعي .

خالد اليوسف  يتجنب استخدام أسماء الصحراء الأخرى ، مثل : (القَفر أو العراء أو البيداء) لما تحمله من دلالات الخوف والقلق والخطر والموت ، فمثلًا كلمة (البيداء) تدل على أنها تَبيد سالكها، وتقتله جوعًا وعطشًا وخطرًا ، ولعله استحضر قول الشاعر :

كالعيسِ في البيداء يقتلها الظمأ

                      والماء فوق ظهورِها محمول

وبما أننا ارتضينا المنهج اللغوي والنفسي في (التفسير والتأويل والتقييم )، فعلينا أن نتوقف عند الصفحة الثالثة والأربعين بعد المئة، لنقرأ، (اقتباس)

“وعند اقترابي من الأشجار المتشابكة رأيتُ منظرًا أرعبني؛ إنه رجلٌ أسود اللون، وقد عَرّى النصف السفلي من جسمه، واشتبكَ مع امرأة ناصعة البياض، وهي راكعة، ثم اقتربتُ بهدوء؛ لكيلا يسمعاني، أوْ ينتبها إلى وجودي، وسمعتُ صوتَ الأنين والآهات، فاقتربتُ أكثر حبوًا، ثم شعرتُ بيدِ شخصٍ تُمسك بي، وتضع اليد الأخرى على فمي، رفعتُ رأسي سريعًا، فإذا أنا أمام أربع نساء، كُلُّ واحدةٍ منهن أجمل من الأخرى…”

لعل سائلاً يسأل:

  • لماذا أقحم خالد اليوسف هذا المشهد في الرواية ؟
  • ولماذا أطاله لعدة أسطرٍ؟
  • ولِمَ يشعر القارئ بأنه استلطف المشهد؟

لا شكَّ أنّ خالد اليوسف استثاره المشهد في هذا المكان، فرغب في استثارة القارئ، وعمد إلى وصف المشهد بتفصيلاته الدقيقة:( حركاته، سكناته، أصواته، ألوانه )، فقد انتقى الكلمات الدالة على الإثارة التي تجعل القارئ يشاركه التخيل: ( أرعبني/ أسود اللون / ناصعة البياض/ راكعة / اشتبك / الأنين / الآهات / أربع نساء).

ولعل مُجيبًا يجيب بالآتي :

– إنّ شخصية: (حاتم) في الرواية هي التي تقص المشهد على رفاق الرحلة من خلال استعادة ذكرياته في هذا المكان، كشأنهم عندما يحلون على مكان، أو يرتحلون عنه، و (الدكتور خزيمة) بطل الرواية يسمع كغيره من الرفاق ذلك الحديث ـ وهو الرجل الحريص دومًا على أداء الصلوات لوقتها ـ .

وإن لم يُرضِ هذا التأويل السائل، ونظنه كذلك ؛ لأن الرفاق كانوا راضين مستمتعين منصتين، ولم ينبس أحدهم ببنت شِفة تدل على  الاستهجان، أو الاشمئزاز، أو الاستهجان.

لذلك نُحيل هذا المشهد في (الرواية) إلى التحليل النفسي.

التحليل النفسي يقول: إن الشخصية البشرية تتكون من عناصر ثلاثة:

  • الأنا، ونقصد به العقل.
  • الهو، ونقصد به الشهوات التي يريد الشخص إشباعها.
  • الأنا العليا، ونقصد بها الضمير.

يثور الصراع بين الشهوات ( الهو) مع الضمير (الأنا العليا) فيتدخل العقل (الأنا)، فإذا حسم العقل الصراع لصالح الضمير كان الإنسان سويًّا، وإنْ تغلبت الشهوات أصبح الشخص غيرَ سويٍّ .

بعدما يتم حسم الصراع لصالح الضمير، وتفشل الشهوات في تحقيق هدفها، فإنها لا تموت، بل تنتقل، وتُخزن في (اللاوعي) أو العقل الباطن، وتظل تبحث عن مخرج لها مهما طال الزمن، ويكون المخرج لها في صورتين:

  • الصورة الأولى: على شكل أحلام يراها الشخص وهو نائم .
  • الصورة الثانية: تحدث على شكل (إبداع ) فني ( رواية أو قصة أو شعر أو موسيقا أو رسم أو…)

إذن، هذا المشهد المختزن في العقل الباطن ( اللاوعي) وجد طريقه أخيرًا إلى  النور من خلال صفحات هذه الرواية سواء من باطن عقل الكاتب نفسِهِ، أم من باطن العقل الجمعي التراكمي لرفاق الرحلة .

وكأننا بخالد اليوسف يخشى أنْ يلومَه لائمٌ، فنجده يسطر في الرواية عقب هذا المشهد اندهاش ( الدكتور خزيمة) من القدرات الجنسية الخارقة لِهذا الرجل، كما أنه لم ينكر ما سمعه لا هو، ولا رفاق الرحلة .

هذا الموقف الجمعي منهم يؤكد أنّ داخلَ كُلِّ واحدٍ منهم( تنام ) تلك الشهوة التي يتوق إلى تحقيقها إنْ واتته الفرصة، وداخل كل منهما ينام ذلك الرجل الأسود.

أما إذا برزَ لخالد اليوسف من ينكر عليه سرده لهذا المشهد ممن ينكرون إمكانية حدوث هذا الفعل في هذا المكان، أو في بيئاتنا (المحافظة)، فإننا نُحيله إلى كتاب: ( مَجْمَع الأمثال) لمؤلفه: أبي الفضل الميداني المتوفى في السنة الثامنة عشرة بعد المئة الخامسة من الهجرة؛ لنقرأ معًا ما جاء في الصفحة الخامسة والسبعين بعد المئتين،( اقتباس)

” إنّ ضَمضمًا بن عمرو اليربوعي هَوِيَ امرأة، فطلبها بكل حِيلة فأبَتْ عليه، وكان غَرُّ بن ثعلبة ابن يربوع يَخْتَلِف إليها، فاتَّبعَ ضمضمٌ أثرهما، وقد اجتمعا في مكانٍ واحدٍ، فصارَ ضمضمٌ في خَمَر (أي شجر كثيف يستره) إلى جانبهما يراهما، ولا يريانه، فقال غَرٌّ مُفْتَخراً:

قديمًا تُواتيني ، وتأبى بنفسها

                       على المرءِ جَوّابِ التَنوفة ضمضم

فَشَدّ عليه ضمضمٌ ، فقتله، وقال:

     ستعلم أني لستُ آمنُ  مُبْغضًا

                             وأنك عنها إنْ نأيْتَ بِمَعْزِلِ

فقيل له : لِمَ قتلتَ ابنَ عمّكَ؟ فقال: “ذهبَ أمس بما فيه”

فذهب قوله ذلك مثلاً.

كُّل عمل أدبي له ماله، وعليه ما عليه، وهذا الذي عليه لا يقدح فيه، ولا يقلل من شأنه، إنما هي هَناَتٌ، ومنها ما يأتي:

  • بلغ الأمر بخالد اليوسف ـ من شدة حرصه على انتقاء ألفاظه وأساليبه ـ أنْ جعل بعض شخصيات الرواية تتحدثُ بلغة بليغة، وصلت حد لغةِ(المقامات)، وكأن شخوص خالد اليوسف في الرواية أتباع بديع الزمان الهمداني، أو الحريري البصري.
  • يبدو جليًّا حرص الكاتب على السلامة النحوية والإملائية إلا أنّ هناك بعض الملاحظات الهينة التي لا تفسد المعنى أو تعوق الفهم كاستخدام علامة السكت أو الحذف (..) بنقطتين والصواب ثلاث نقاط (…) كما وضعها العالم اللغوي المصري أحمد زكي باشا في كتابه الصادر سنة ( 1912) م بعنوان : ( الترقيم وعلاماته في اللغة العربية).

في النهاية، هذه الرواية تضم بين دفتيها فصاحة الكلمة ،وبلاغة الأسلوب، وطرافة الأخيلة.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *