الجينات والهوية في المغرب..

الجينات والهوية في المغرب..
ويكيبيديا

ماذا تقول العلوم بعيدا عن صخب الأيديولوجيا؟

* عائشة بوزرار

في السنوات الأخيرة، تحولت دراسات الجينوم والحمض النووي إلى مادة متداولة خارج المختبرات وأصبحت نتائج الأبحاث الوراثية تُستدعى في النقاشات المرتبطة بالهوية والأصول والانتماء. وقد ازداد  هذا الاهتمام في المغرب مع الإعلان عن نتائج مشروع الجينوم المغربي، الذي فتح الباب أمام أسئلة قديمة تتجدد بصيغ جديدة حول من هم المغاربة؟ وهل يمكن للجينات أن تحسم نقاش الهوية؟

قدمت أحدث الدراسات المنجزة في إطار مشروع الجينوم المغربي معطيات علمية مهمة حول البنية الوراثية للسكان، فقد كشفت الدراسة عن ملايين المتغيرات الجينية، بعضها لم يكن معروفا من قبل، واقترحت مرجعا جينوميا مغربيا يساعد الباحثين على فهم الخصوصية الوراثية للمغاربة، غير أن أهمية هذه النتائج تكمن في ما تعكسه من تعقيد تاريخي وجغرافي راكمته المنطقة عبر آلاف السنين، فالعلوم الجينية الحديثة لا تتحدث عن شعب نقي أو أصل واحد مغلق، ولكن عن فسيفساء بشرية تشكلت عبر موجات متعاقبة من الاستقرار والهجرة والتبادل، وتشير الدراسات المتخصصة إلى وجود مكون شمال إفريقي عريق ومتجذر في المنطقة منذ عصور ما قبل التاريخ، إلى جانب تأثيرات قادمة من الشرق الأدنى وأوروبا وإفريقيا جنوب الصحراء، وهي معطيات تؤكد أن المغرب كان، بحكم موقعه الجغرافي، نقطة التقاء بين فضاءات حضارية متعددة. وتكتسب هذه الخلاصة أهمية خاصة عندما توضع في سياق بعض الخطابات المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تُستعمل نتائج الأبحاث الجينية أحيانا لإثبات تفوق هوية على أخرى أو لنفي انتماءات تاريخية وثقافية راسخة. غير أن الباحثين يؤكدون باستمرار أن الجينات لا تساوي الهوية، وأن المعطيات الوراثية لا يمكن اختزالها في شعارات من قبيل “المغاربة أمازيغ جينيا” أو “المغاربة ليسوا عربا“. 

إن الهوية هي بناء تاريخي وثقافي ولغوي واجتماعي معقد، بينما تكشف الجينات فقط عن مسارات سكانية وتحركات بشرية عبر الزمن، ومن هنا يأتي التحذير العلمي من تحويل نتائج المختبرات إلى أدوات في الصراعات الإيديولوجية، فوجود سلالة وراثية معينة لدى فرد أو مجموعة لا يعني بالضرورة انتماءها إلى ثقافة أو لغة محددة، كما أن انتشار خط وراثي في منطقة ما لا يمنحه صفة “الملكية الحصرية” لهوية بعينها. وتبرز أهمية هذا التمييز أكثر عند العودة إلى الدراسات المتعلقة بالمواقع الأثرية القديمة مثل تافوغالت شرق المغرب، فقد أظهرت الأبحاث المستندة إلى الحمض النووي القديم أن سكان المنطقة قبل نحو خمسة عشر ألف سنة كانوا يحملون بصمات وراثية معقدة تجمع بين مكونات شمال إفريقية وأخرى مرتبطة بمناطق مختلفة من القارة وخارجها، وهو ما يعزز فكرة أن تاريخ المغرب أقدم وأغنى من السرديات المبسطة التي تحاول ردّه إلى أصل واحد.

 الأمر نفسه ينطبق على النقاش الدائر حول السلالات الأبوية والأمومية الشهيرة في شمال إفريقيا، فالسلالة E-M81، التي تنتشر بكثافة في الغرب المغاربي، تُقدم أحيانا في الخطاب الشعبي باعتبارها “الجين الأمازيغي”، بينما يؤكد المتخصصون أن الأمر أكثر تعقيدا من ذلك بكثير، فالسلالات الوراثية تعكس تاريخا ديموغرافياً طويلا، لكنها لا تحدد اللغة أو الثقافة أو الوعي الجماعي للأفراد. في المقابل، تكشف الدراسات أيضا عن حضور سلالات مرتبطة بالمشرق وبمناطق أخرى من العالم القديم، غير أن وجودها لا يمكن تفسيره حصرا بالهجرات العربية أو بأي حدث تاريخي منفرد. فالتاريخ البشري سلسلة متواصلة من التفاعلات والتحركات السكانية التي يصعب اختزالها في سردية واحدة. ما الذي تضيفه هذه المعطيات إذن إلى فهمنا للمغرب؟ ربما تذكرنا قبل كل شيء بأن الهوية المغربية هي حصيلة تراكمات تاريخية وثقافية وبشرية متعددة، فالمغرب الذي نعرفه اليوم لم يتشكل من مصدر واحد وإنما من تفاعل مستمر بين روافد مختلفة صنعت معا شخصية جماعية متفردة.

 ومن المفارقات أن العلوم التي يُعتقد أحيانا أنها ستنهي الجدل حول الهوية، تكشف في الواقع عن مزيد من التعقيد، فكلما تقدم البحث الجيني، ازداد وضوحا أن التاريخ البشري لا يعترف بالحدود الصارمة التي تضعها الأيديولوجيات، وما تقوله الجينات عن المغرب ليس وجود أصل نقي أو هوية مغلقة، وإنما  قصة طويلة من الاستمرارية والتنوع والتفاعل، وهي قصة تبدو أقرب إلى الواقع التاريخي من كل محاولات الاختزال والتبسيط.

* كاتبة وباحثة في مجال الإعلام

نادي القلم المغربي – الدار البيضاء
penmaroc@gmail.com

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *