أقصوصة واقعية
لقاء قصير..
حين يثمر الدرس محبة
حين طرقنا باب البيت الرباطي الهادئ … الجميل … لم نكن نحمل معنا أوراق الماضي، بل كنا نحس بالدفء والسكينة، يحدونا الأمل في تعرف ما ظل قابعا في ثنايا الذاكرة من بقايا رافقتنا لسنوات خلت، ويؤرقنا التساؤل عن: ماذا بقى من علاقة الأستاذ بتلميذه بعد أن ينتهي الدرس، ويُمحى ما كُتب على السبورة، وتتفرق الطرق، وتتنوع الاختيارات؟
فتح الباب وأطلت نزهة بمحبتها الطافحة، تلك التلميذة التي كانت قبل أربعين عاما أو يزيد تجلس في الصفوف الأولى، ترفع يدها بخجل لتجيب عن سؤال في اللغة أو التاريخ أو الثقافة العامة. وقفت بشموخ ترحب بنا ، أستاذيها وصديقتيها السابقتين في مهنة المتاعب، زهرة القادمة من كندا، وفتيحة التي أعادتها زيارة قصيرة من الولايات المتحدة. إنها وجوه كبرت وقامات شامخة صارت دون أن تفقد شيئا من بريقها القديم.
في البداية كان الحديث عن السفر… العمل … الغربة … الأبناء، ثم تسللت إلى الجلسة حكايات الزمن الماضي … الاساتذة القدامى … القسم الدراسي. عندها شعر عبد العزيز وعمر أن الزمن لا يسير دائما إلى الأمام، فقد يعود بنا أحيانا إلى اللحظة التي تشكلت فيها البدايات الأولى للإنسان.
قالت نزهة وهي تبتسم :
– كنا نظن أنكم تعلموننا الدروس فقط، لكننا اكتشفنا لاحقا أنكم كنتم تعلموننا كيف نحترم أنفسنا والآخرين.
ساد صمت قصير. فتدخل صلاح زوجها المضياف قائلا :
– المعرفة ليست ما يكتبه الأستاذ على السبورة، أو يخطه التلميذ في الدفتر، بل ما تتركه كل تلك اللحظات في القلب … الوجدان … الذاكرة . فالمعادلات قد تُنسى، والتواريخ قد تختلط، لكن كلمة تشجيع صادقة أو موقف عدل، أو نظرة ثقة، يمكن أن تعيش في الإنسان العمر كله.
تأمل عبد العزيز الوجوه حوله. هذه الصحفية التي حملتها الحياة إلى كندا وتلك التي عبرت إلى أمريكا.. وهذه التي استقبلتنا بمحبة كأن الغياب لم يكن يوما، لم تصنعهن الدروس وحدها بل ساهمت في بنائهن تلك اللحظات الصغيرة التي يشعر فيها التلميذ (ة) أن الأستاذ يؤمن به.
عندئذ تدخل عمر قائلا :
– الصدق هو مفتاح الاستمرارية على العطاء ودوام المحبة. فالتعامل بعشق متزايد مع ما نقوم به من بناء للمعرفة وترسيخ للقيم هو أساس البقاء إلى اليوم. فالأستاذ المربي لا يملك تلاميذه، بل يزرع بذورا في أرواحهم ثم يمضي، غير عالم أين ستنمو، ولا كيف ستثمر، ولا متى ستعود إليه على هيئة محبة ووفاء.
وقبل الانصراف،
قالت زهرة: لو لم تكن بيننا تلك العلاقة الصادقة في البدايات، لما التقينا اليوم بعد هذا العمر.
ابتسم عمر، ونظر إلى عبد العزيز، ثم إلى نزهة وفتيحة وزهرة وصلاح، وشعر أن الجلسة العائلية الصغيرة تحولت إلى درس أخير لم يكن مكتوبا في أي كتاب : أن أجمل ما يمكن أن يتركه الأستاذ في حياة تلميذه ليس معلومة تحفظ، بل إنسانا / مواطنا يتذكر… يحب … يواصل البناء.
وفي أمسية ذاك اليوم البهي ،خرجنا من البيت وقد خفّ في قلب كل منا ثقل السنين، لأنه اكتشف أن بعض الدروس لا تنتهي بانتهاء الحصة، بل تبدأ هناك … في أعماق الحياة، حين يتحول الأستاذ والتلميذة إلى شاهدين على رحلة مشتركة تقاسمية من المعرفة والقيم والمحبة الصادقة.
عنقا الإدريسي
طنجة 16. 7 . 2026
