قصة قصيرة للكاتبة المغربية ليلى المليس

قصة قصيرة للكاتبة المغربية ليلى المليس

خطوط على التراب

         

جلست على قارعة الطريق ترسم خطوطًا على الأرض. كانت ترسم خطين، تارة منفصلة وأخرى متقاطعة، ثم تمحو الخطين الأولين لترسم خطين آخرين، وهكذا دون توقف.

اقتربت منها شابة وأعطتها بعض النقود. نظرت إليها، ثم ابتسمت. ألقتها على الأرض، ليلتقطها بائع الأكياس البلاستيكية. رفعت رأسها تدقق النظر إلى الفتى الذي أمامها، صرخت بأعلى صوتها، واضعة يديها المتجعدتين على أذنيها.هرب الولد بالنقود لم يكن سبب صراخها فقدان النقود، بل الشبه الكبير بينه وبين شخص عرفته في الماضي.

عاد بها الزمن إلى الوراء، حين كانت في الرابعة عشرة من عمرها. كانت متوجهة إلى الإعدادية عندما اقترب منها فتى وسألها:

– في أي صف أنت؟
– في الصف الثالث الإعدادي، وأنت؟
– أنا أيضًا. لم أرك في الإعدادية من قبل.
– لقد أتيت من مدينة الرباط مع عائلتي للإقامة هنا.
– مرحبًا بك في مدينتنا، إنها مدينة جميلة وسوف تحبها.
– لقد أحببتها بالفعل، وأنت أول شخص أتعرف إليه هنا.
– لا تقلق، سأعرفك على باقي زملاء الفصل.
– شكرًا لك. ما اسمك؟
– هناء، وأنت؟
– سامي.
– تشرفت بمعرفتك.

أكملا طريقهما إلى الإعدادية، ومنذ ذلك اليوم بدأت بينهما صداقة جميلة. مرت سنوات وهما يتبادلان الكتب والأفكار وأحاديث الحياة. كان كل واحد منهما يجد نفسه في الآخر، وكانا متشابهين في كثير من الأمور، حتى في اختيار التخصص وطموح المستقبل. فقد قررا أن يصبحا أستاذين للرياضيات.

وذات يوم جاءها سامي فرحًا وقال:

– لقد نجحت وأصبحت أستاذًا رسميًا.

قفزت هناء من شدة الفرح، وهنأته بحرارة. ثم ذهبا إلى مقهى للاحتفال بهذه المناسبة السعيدة. وبينما كانا يتحدثان، اقتربت منهما فتاة جميلة وقالت:

– سامي، ألا تذكرني أنا زينة ، قد كنت بجانبك يوم المبارة؟
– آه، نعم، تذكرتك. كيف حالك؟
– بخير، الحمد لله.لقد نجحت وانت؟
-أنا أيضا نجحت، سنكون زميلين إذا..
قدمها إلى هناء قائلاً:

– هذه زينة. وهذه هناء، صديقة الطفولة وصديقة العمر.

مرت الأيام، وأصبحت زينة جزءًا من حياة سامي. ومع الوقت ازدادت العلاقة بينهما قوة، حتى جاء سامي يومًا وأخبر هناء بقراره الزواج من زينة.

شعرت هناء وكأن خنجرًا اخترق قلبها. كادت تفقد وعيها من شدة الصدمة، لكنها أخفت مشاعرها وابتسمت رغم الألم الذي كان يعتصر قلبها. كانت تحبه في صمت، ولم تجرؤ يومًا على الاعتراف له بذلك.

اقترب موعد الزفاف، وانطفأت آخر شعلة أمل كانت تحملها في قلبها، لكنها بقيت وفية لصداقتها القديمة، متمنية له السعادة رغم الجرح العميق الذي تركه في نفسها.
كانت هناء قد ألفت الجلوس وحيدة في الحديقة المجاورة، تسترجع ذكريات الماضي وتفكر فيما كان يمكن أن يكون.

وفي أحد الأمسيات، اقتربت منها سيدة في خريف العمر، كانت من رواد الحديقة الدائمين، وسألتها بلطف:

– ما بك يا ابنتي؟ أراك حزينة ومهمومة.

تهربت هناء من الإجابة وتركت المكان. لكن الأقدار شاءت أن تلتقي بهذه السيدة مرات عديدة، حتى نجحت الأخيرة في استدراجها للحديث. عندها أجهشت هناء بالبكاء، وبدأت تروي قصتها بكل ما فيها من ألم وحسرة.

استمعت إليها المرأة باهتمام، ثم قالت:

– لا تقلقي يا ابنتي، لدي الحل.

وبعد أيام قليلة، وجدت هناء نفسها ترافق تلك المرأة إلى أحد أحياء المدينة القديمة. كانت تتأرجح بين صوت عقلها الذي يستنكر ما تفعله، وصوت قلبها الذي يدفعها إلى المضي وراء امل مفقود. وبعد ساعة من السير، وصلت إلى بيت امرأة عجوز. جلست أمامها تروي قصتها، فأكدت لها العجوز أن حبيبها سيعود إليها، لكنها اشترطت عليها تنفيذ بعض الأمور.

خرجت هناء متفائلة وسعيدة، وقد امتلأ قلبها بالأمل. وفي اليوم التالي توجهت إلى مركز التكوين، وانتظرت قرب المدخل حتى خروج سامي. وما إن رأته حتى أخبرته بأنها اشتاقت إليه وأرادت رؤيته. إلا أن وجود زينة إلى جانبه أزعجها كثيرًا، لكنها تماسكت وابتسمت قائلة:

– أدعوكما غدًا إلى العشاء عندي.

كانت نبضات قلبها تتسارع وهي تحضر لذلك العشاء، وتنتظر ما سيحدث بعده. اعتذرت زينة وحضر سامي، وقضيا السهرة معها في جو بدا عاديًا من الخارج، بينما كانت هناء تخفي في داخلها الكثير من الاضطراب.

وفي صباح اليوم التالي، حضرت زينة مسرعة لتخبر هناء بخبر صادم: لقد نُقل سامي إلى المستشفى، وكانت حالته الصحية والنفسية في غاية السوء.

مرت أيام عصيبة، ثم تقرر نقل سامي إلى مستشفى الأمراض العقلية بعد أن تدهورت حالته أكثر فأكثر. أما هناء، فكانت تعيش صراعًا داخليًا مريرًا بين الحب والندم والخوف.

وفي إحدى الليالي، مدفوعة بشوقها الجارف إليه، تسللت إلى المستشفى وتمكنت من إخراجه خلسة. ثم غادرا معًا إلى مدينة أخرى، حيث اختفيا عن الأنظار، ولم يعرف أحد بعد ذلك إلى أين ذهبا أو ماذا كان مصيرهما.
ظلت الخطوط المتقاطعة شاهدة على أن من الحب ما قتل.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *