قصة قصيرة للكاتب منير لكماني
باب النجاة..

كانت الحانة في آخر الزقاق كأنها حفرة مضاءة في خاصرة الليل. بابها الخشبي العتيق نصف مفتوح، يخرج منه دخان رمادي كثيف، ورائحة خمر رخيص، وعرق قديم، وعطر حاد يخفي أكثر مما يكشف. في الداخل، كانت الطاولات متقاربة حتى تكاد تتنازع الهواء، فوقها كؤوس نصف فارغة، وولاعات صدئة، ومناديل مبللة، وبقايا ضحكات ماتت قبل أن تبلغ نهايتها. كان الضوء أصفر، متعبا، ينسكب من مصابيح واطئة، فيترك الوجوه بين الظهور والإختفاء.
جلس الرجال في زوايا متفرقة، لكل واحد منهم صمته الخاص وإن علا صوته. رجل بدين يضحك وهو يضرب الطاولة براحته، وآخر نحيل يراقب الباب كأنه ينتظر عدوا قديما، وثالث يضع قبعته فوق عينيه ويقلب كأسه بين أصابعه من غير أن يشرب.
عند البار، وقف النادل بوجه جامد، يمسح كأسا نظيفا أصلا، وعيناه تتحركان بين الزبائن كعين حارس لا يثق بأحد. أما النساء القليلات في المكان، فكن يجلسن قرب الجدار، يبتسمن بحذر، ويتكلمن بصوت منخفض، كأن لكل كلمة ثمنا.
دخلت روح الحانة وهي تحمل تعب يوم طويل على كتفيها. لم تكن تبحث عن شيء سوى لحظة تغيب فيها عن العيون. سألت النادل عن المرحاض، فأشار إليها بيده إشارة سريعة، كأن المكان كله لا يستحق أكثر من حركة أصابع عابرة. تبعت الإشارة، ومضت في ممر ضيق تتكدس فيه الرطوبة، والبرد، ورائحة مطهر رخيص. لم تنتبه إلى اللوحة المعلقة على الباب. دفعت الباب ودخلت، غير عالمة أنها دخلت مرحاض الرجال.
كان الضوء هناك أكثر شحوبا، يتدلى من السقف مثل عين مريضة. غسلت وجهها بماء بارد، فإرتجفت كأن الماء أعادها فجأة إلى جسدها. رفعت رأسها إلى المرآة، فرأت وجها متعبا، وعينين واسعتين، وشيئا خفيا من الغضب القديم. لم تكن روح من أولئك الذين يخافون بسهولة؛ فقد علمتها الحياة أن الخوف لا يحمي أحدا. كانت تستعد لقضاء حاجتها حين مدت يدها إلى باب إحدى الحجرات. ما إن فتحته حتى تجمد الدم في عروقها.
كان رجل جالسا على كرسي المرحاض، لا كمن يجلس، بل كمن تركته الحياة نصف واقف ونصف ميت. ثيابه ممزقة، وجسده كله كدمات وضربات، ووجهه مغطى بالدم حتى ضاعت ملامحه. لم تكن تعرف أين ينتهي الجرح وأين يبدأ الوجه. صدره يعلو وينخفض بصعوبة، كأنه يستعير الهواء من مكان بعيد. وفي جنبه، كان موس صغير مغروسا، ساكنا مثل كلمة أخيرة لم تقال.
تراجعت خطوة، وهمت بالخروج. قالت في نفسها: هذا ليس شأني. هذه بلاد تأكل من يتدخل، وتضحك على من يريد أن يكون طيبا. لكنها توقفت عند الباب، إذ سمعته يئن أنينا خافتا، أشبه بصوت حيوان جريح تحت عربة. إلتفتت، فمد الرجل يده المرتجفة وأمسك طرف معصمها.
قال بصوت مكسور: من أنت؟
نظرت إليه، فرأت عينيه مفتوحتين بصعوبة، حمراوين، غائرتين، لكنهما ما زالتا تقاومان. لم تكن عيناه تطلبان الرحمة فقط، بل كان فيهما غضب، وخيبة، ورغبة في ألا يموت هكذا، مطعونا في مرحاض قذر.
قالت ببرود تخفي إرتباكها: جئت بالغلط. ظننت هذا مرحاض النساء.
إبتسم الرجل إبتسامة صغيرة، فسال الدم من فمه. قال: لا تخافي.
قالت وهي تنظر إلى الموس: الخوف ليس مشكلتي. مشكلتك أنت أنك تموت.
حاول أن يضحك، فخانه صدره وسعل بقوة. إقتربت روح منه ببطء، ثم إنحنت. رأت آثار أحذية على صدره وبطنه، ورأت كدمات متفرقة لا يصنعها رجل واحد. فهمت بسرعة أن الهجوم لم يكن شجارا عاديا، بل عقابا مدبرا.
قالت له: من فعل هذا بك يعرفك جيدا.
لم يجب. أغمض عينيه لحظة، ثم فتحهما.
تابعت بصوت منخفض: إما أن تكون أكلت معهم على طاولة واحدة، وإما أن يكونوا تبعوك حتى صرت وحدك. هذه ليست ضربة عدو بعيد. هذه ضربة قريب.
نظر إليها بدهشة. كانت صغيرة الملامح، لكن كلامها لم يكن صغيرا. كان في صوتها شيء خشن، كأنها خرجت من أزقة تعرف الدم أكثر مما تعرف الورد.
قال بصعوبة: لماذا تريدين مساعدتي؟
إستقامت قليلا، ثم إبتسمت إبتسامة جانبية، لا رحيمة ولا قاسية تماما. قالت: لأنني أكره أن يموت الإنسان بلا أن يرد دينه. من غدرك لا يستحق أن ينام مرتاحا.
رفعت وجهه بيدها، وأجبرته أن ينظر إليها. قالت: إسمعني جيدا. سأخرجك من هنا، لكن إن عشت، لا تعد نصف حي. عد كاملا. وخذ حقك مضاعفا.
ظل ينظر إليها كأنه رأى في عينيها مرآة لجرحه. ثم حرك رأسه موافقا، وضحك ضحكة مجنونة قصيرة إنتهت بسعال مر.
قال: أين كان الزمان يخفيك؟
قالت وهي تبحث عن هاتفها: كان يربيني في الأماكن الخطأ.
نزعت وشاحها، وضغطت به حول جرحه، لا لتنتزع الموس، بل لتمنع الدم من أن يكمل طريقه إلى الأرض. أسندته إلى كتفها، فكان ثقيلا كسر ميت، لكنه قاوم معها. عند الباب، سمعت خطوتين تقتربان من الممر. إنطفأ الضوء لحظة، ثم عاد. همس الرجل: هم رجعوا.
إبتسمت روح، ودفعت باب الحجرة بقدمها ليغلق خلفهما. قالت: إذن لم ننته بعد.
فتحت هاتفها، لا لتطلب الإسعاف فقط، بل لتشغل التسجيل. ثم صاحت بأعلى صوتها: أيها النادل، هنا رجل يموت.
توقف ضجيج الحانة فجأة. وفي ذلك الصمت، عرفت روح أن الباب الذي أخطأته صار شاهدا، وأن من عاد ليتأكد من موت الرجل سيجد الحانة كلها تنظر إليه. لم تكن تلك نهاية الحكاية، لكنها كانت نهاية الخيانة الصامتة.
