مذكرات أستاذة مغربية في سلطنة عمان 6
حين تختبر الكرامة..
ثريا الطاهري الورطاسي
تقديم مدخلي في نقطتين
أولا: في البدء ينبغي أن أشير وأنا على بوابة الإنتهاء من تدبيج هذه السردية إلى أني كنت شديدة الحرص على نقل أخباري إلى عائلتي ، وعلى رأسها خالى” سي قدور الورطاسي” الذي تربية في كنف والده – جدي لأمي – وهو من مؤرخي وعلماء وفقهاء المغرب وليس المنطقة الشرقية فحسب. وهنا تحضرني رسالة منه، لازلت أحتفظ بها . ومنها اقتبس ” … إنك وصلت بخير وعافية كما كنت أرجو لك من الله، إلى مكان عملك بسلطنة عمان، فلله الحمد والشكر على سلامتك وعافيتك وأرجو أن يديمهما عليك مع التوفيق في عملك، وأن تصاحبك الألطاف الإلهية في كل حركة وسكينة. وأهنئك بالوفاء بوعدك لي بالكتابة ، ونعم الخُلق: الوفاء. أما سروري برسالتك فقد كان في منتهى أوْجِه ( …) فليبارك الله تعالى لك في صحتك وعافيتك وجميع تحركاته ، إنه سميع مجيب”.

ثانيا: لم تكن كل الأقسام التعليمية متشابهة، ولا كل الحصص تقاس بما يُنجز داخلها من دروس هنا أو هناك . ففي بعض الأمكنة ، يتجاوز التعليم حدوده المسطرة مسبقا، ليصير مواجهة مع واقع هو أثقل من أن يُختزل في برنامج دراسي معين. ففي الأحياء الشعبية – التي سينتهي بي المطاف إليها – لا يدخل التلميذ( ة ) إلى القسم محمّلا بعتاده التعليمي فقط، بل يأتي أيضا بما تحبل به حياته خارج أسوار الثانوية : من قلق وضغوط وأسئلة مؤجلة. ومن هنا لا يعود دورنا نحن كأساتذة مقتصرا على الشرح، المناقشة، التقويم، بل يتحول إلى ماهو أعمق: الإصغاء، المرافقة، إعادة بناء الثقة . كما لم تعد التجربة التربوية مجرد ممارسة مهنية صرفة ، بل صارت التزاما إنسانيا يتطلب وعيا مضاعفا، واستيعابا لما ينبغي أن يقال وحتى لما لا يقال . وعندئد تبدأ صفحة جديدة من هذا السرد المنغمس في قلب تلك الأحياء الشعبية … وتصبح المهمة التربوية التعليمية مسؤولية مضاعفة.
العودة المختلفة
لم تكن العودة رجوعا إلى ما كان ما، بل هي عبور نحو ما لم نكن نراه من قبل . فحين فكرت في العودة ، أدركت أنني لا أعود بنفس الحلم، بل بحلم يعاد في صياغته. لم أعد أبحث عن النجاح كما كنت أتخيله أول مرة، بل على انسجام أعمق بين ما أؤمن به وما أستطيع فعله. بعد أن علمتني التجربة أن الإنسان لا ينكسر حين تتعثر أحلامه ، بل حين يعجز عن إعادة تأويلها . فسلطنة عمان عامة وإعدادية السويح خاصة لم تكن مجرد محطة ، بل كانت تجربة كَشَفت لي أن الذات ليست معطى ثابتا ، بل هي مسار … يتشكل عبر الرحيل …الانكسار …التكيف ليتوج بالانتقال إلى مدينة الدار البيضاء، مقر سكن زوجي ومسقط رأسه . فأتعلم كيف أرى نفسي بوضوح أكبر، وأنا أتنقل بين عدة مؤسسات بدءا من ثانوية عقبة،ثم ابن البناء بنيابة عين السبع المحمدي ، وأخيرا ثانوية محمد السادس – التي كانت تسمى المسيرة – وهي التابعة لنيابة الفداء درب السلطان ولم يكن انتقالي وتنقلي بين تلك المؤسسات مجرد تغيير في مكان العمل، بل كان في عمقه دخولا إلى عوالم أخرى، لا تُقرأ من خلال الكتب، بل تستوعب من خلال الوجوه المتعطشة لكل ما هو جديد. في تلك الأحياء الشعبية ، لا تأتي الأسئلة في صيغها النظرية ، ولا تُطرح دائما بوضوح تام ، لكنها تكون حاضرة في : النظرات، الصمت، الرفض، المواقف المتباينة ، الخلاف مع الآخر، التعب الذي يسكن الملامح … ومن هنا أدركت أن التعليم لا يبدأ من السبورة، بل من القدرة الفائقة على الإنصات والإصغاء. فكنت أرى في كل تلميذ ( ة) مشروع حياة، لكن أيضا قد يكون مصحوبا باحتمال بعض التعثر ، بين الرغبة في النجاح وضغط الواقع ، ويُشكل كل ذلك معركة صامتة ، لا تظهر في نقط الفروض ولا تقاس في جداول النتائج .فكنت حينما أسألهم عن أهدافهم ، لم تأخذ أجوبتهم أبعاد أحلام كبيرة ، بل كانت أقرب الى محاولات للبقاء .الأمر الذي ذكرني بعبد الله العروي عندما قال بأن :【 التعليم ليس نقلا للمعرفة فحسب ، بل هو شرط من شروط الدخول للتاريخ 】 ومعه ‐ أيضا ‐ أدركت أن مايجري داخل القسم ، ليس مجرد دروس ، بل محاولات صامتة لإعادة ادماج هؤلاء التلاميذ(ات) في أفق أوسع. وبالتالي لم يعد يكفيني أن أشرح ، أناقش ، أو أوَلِدْ وأبني معهم وضعيات تدريسية ، بل صرت أبحث عن معنى أن أدرِّس أصلا . هل أُعِدُّهم للمراقبات … الفروض …والامتحانات ؟ أم أُهيِّئهم وأُعِدُّهُم للحياة ؟
في هذا السياق ،بدأت أشتغل معهم على ما هو أبعد من المعرفة : على المنهجية، الثقة بالنفس، الرغبة في التفكير، تحمل المسؤولية، تصور المنتظرات …وكنت دوما أردد على مسامعهم : الفهم أهم من الحفظ، والإختيار أهم من الصدفة.
في لحظات كثيرة كنت أستحضر معهم تحذير المهدي المنجرة، حين يقول: 【 أخطر ما يواجه مجتمعنا ليس الفقر، بل غياب القدرة على التفكير النقدي 】 .
فكنت بذلك أرى أن دوري … مهمتي لا تتوقف عند نقل المعرفة ، بل تتجاوزه إلى بناء هذا الوعي الغائب . لكن الواقع لم يكن دائما يسمح بذلك بسهولة . فهناك من يغيب ، ومن ينقطع ، ومن تفْرِض عليه الظروف اختيار الخروج لمجال الشغل بدل الدراسة . وفي كل مرة كنت أجدني أُوَاجَهُ بسؤال مؤرق : إلى أي حد يمكن للتعليم أن يقاوم الهشاشة؟ علما أني لم أكن أملك الجواب الجاهز ، وأومن بشيء واحد ووحيد ، يُحدد في أن لكل كلمة صادقة أثرا ، وأن لكل دعم حقيقي قيمة. وقد حدث – ذات يوم – أن اقترب مني تلميذ كان على وشك الانقطاع ، وقال : أستاذة سأحاول أن ألتزم بإتمام الدراسة لأني أحسست بأَنكِ تثقين في قدراتي. وفي تلك اللحظة بالضبط شعرت أن ما قاله المرحوم محمد عابد الجابري لم يكن مجرد فكرة نظرية【 التربية ليست تَلْقِينا، بل هي بناء للعقل القادر على الفهم والنقد 】 لقد كان ذاك التلميذ في محاولته البسيطة يجسد هذا المعنى . وشيئا فشيئا بدأت أفهم أن التعليم في هذا السياق ليس وظيفة، بل هو التزام . التزام بأن ترى ما لا يُرى، وأن تُصغي لما لا يُقال وأن تؤمن بإمكانية التغيير … حتى حين يبدو بعيدا.
أخلص إلى القول أن التعليم في قلب الأحياء الشعبية لا يكون مجرد حق، بل يصبح فرصة نادرة وقد تكون أخيرة . ومعه لم أعد أستاذة للاجتماعيات فقط ، بل صرت شاهدة على معارك صامتة، ومشاركة – ولو بشكل بسيط – في محاولات الانتصار عليها . في حين يضيق الواقع ، يتسع دور التعليم ، ليصير فعلا مسؤولية مضاعفة.
خاتمة تأملية:
حين يصبح التنقل جزءا من الذات
في نهاية كل طريق … تنقل … رحلة ، أكتشف أن الأمكنة التي عبرتها لم تكن مجرد جغرافيا خارجية ، بل كانت خرائط خفية لإعادة تشكيل طباعي … ذاتي … روحي. لقد ظننت في البداية أن الغربة امتحان لاسترجاع ما زودتني به حلقات النضال الطلابي والنقاشات الفصائلية التي كانت تعج بها فضاءات كلية الآداب ” ظهر المهراز ” بفاس خلال سنوات الدراسة ما بين سنوات 1977/1978 و 1980/1981.ثم اكتشفت مع مرور السنين وتوالي محطات التنقل أنها إمتحان أعمق ، امتحان للصبر … التكيف … التلائم … القدرة على التحمل والاحتمال ، وكيفية حماية ما تبقى في الداخل من هشاشة المعنى. لم تكن تلك التجارب مستقيمة كما حلمتُ بها ذات زمن، بل كانت مليئة بالمحطات… الالتواءات التي تُربك القلب وتُنضج الروح . فالأحلام حين تصطدم بالواقع، لا تموت دائما ، بل تتغير لغتها وينتظم مسارها . فتعلمت أن الإنسان لا يُقاس إلا بقدرته على العبور من الإنكسار دون أن يتحول إلى إنسان قاسٍ وفي عمق هذه التجربة أدركت أن الكرامة ليست صلابة متعالية، بل هي قدرة هائلة للمحافظة على إنسانيتنا ، حين لا يمنحنا الواقع ما نستحقه كاملا .ولمَّا ألتفت اليوم إلى تلك السنوات المنفلتة، لا أراها مجرد زمن مضى، بل أحسها طبقة كاملة من الوعي أضيفت إلى روحي . ولهذا السبب بالذات ستبقى تلك التجارب ساكنة في أعماقي ، لا لأنها كانت كاملة، بل لأنها غيّرت طريقتي في الفهم … التأويل … اتخاد القرار. وهكذا تنتهي” الحكاية” ظاهريا ، لكن أثرها سيظل مفتوحا في الدواخل … مثل نافذة لا ولن تغلق أبدا .
طنجة في 12 ماي 2026
