مذكرات أستاذة مغربية في سلطنة عمان 2
حين تختبر الكرامة..
الحلم والانكسار ( 2 )
كلام آخر للبدء :

لم تكن تلك السنة – التي قضيتها في منطقة السويح / سلطنة عمان – مجرد زمن عابر يمكن طيّه مع حقائب السفر، بل كانت تجربة كثيفة أعادت ترتيب الكثير من الأشياء في دواخلي. فحين اتخذت قرار العودة وحان وقتها،لم يكن الأمر نهاية للتجربة، بل بداية سلسلة جديدة من الأسئلة .
كنت أظن أنني أغادر مكانا جغرافيا – اعتقدت سابقا – أنه بوابة الوصول الى العالم الأسيوي، فاذا بي أحمله معي ،في معاملاتي … نظرتي … حذري … قراراتي … خلافاتي الإدارية … وعيي المتشكل حديثا. وهكذا لم تكن تلك العودة مكتملة، فقد غدت امتدادا خفيا لما كان قد بدأ هناك .
العودة التي أربكت المعنى
وللحقيقة والتاريخ أقول أن عودتي الى أرض الوطن لم تكن عودة عادية، ولا كانت مجرد انتقال من مكان الى آخر . وماكدت أصل مطار وجدة حتى شعرت بشيء من الطمأنينة العابرة، لكنها لم تدم طويلا. لأني كنت أحمل معي ارتباكا خفيا، وأنا أعود لحياتي المنتظمة بين مدينة مسقط الرأس “بركان”، ومدينة ” الناظور” مكان عملي التدريسي … لكني لم أعد الشخص نفسه. وفي الطريق الى بيت الأسرة، كنت أنظر من نافذة السيارة التي تقلني: الطبيعة لم تتغير، الوجوه مألوفة، الشوارع أعرفها حق المعرفة. غير أن إحساسي بها لم يعد كما كان. وفي غفلة مني فجائني صوت خفي: [ هل تغيرت الأماكن ، أم أنت التي تغيرت يا ثريا ؟]
في الأيام الأولى من العطلة الصيفية – التي صادفت عودتي -، حاولت :
أن أندمج بسرعة.
أن أستعيد ايقاعاتي السابقة.
أن أزور شقتي الصغيرة بالناظور.
أن أستمتع بفضاءات شاطئ السعيدية.
أن ألتقي بـأقاربي ومعارفي من جديد.
أن أتصرف وكأن شيئا لم يحدث.
لكن تجربة سلطنة عمان – رغم قصرها – لم تسمح بذلك . فقد تَرَكَتْ أثرها في تفاصيل حياتي … في طريقة النظر … في نبرة الصوت … في ذلك الصمت الذي صار أطول مما كان ينبغي له أن يكون.
مرت العطلة الصيفية بسرعة فائقة،فعدت الى ثانوية “عبد الكريم الخطابي ” بمدينة الناظور التي فيها ومن خلالها تلمست خطواتي المهنية الأولى، فكان الاستقبال عاديا… مصافحات … كلمات ترحيب .. نظرات استغراب..أسئلة سريعة ..اقتربت مني زميلة، وقالت مبتسمة: [ رجعتي بسرعة! ] فأجبتها بهدوء: [ احيانا القليل من الغربة يكفي ] . نظرت الي باستغراب، وكأن جوابي لم يشف غليل سؤالها. فعدت أدراجي لأبدأ مساري الإداري الجديد. فهذا ملف يفتح، وآخر يطلب، زيارات متكررة للوزارة الوصية، مواعيد مؤجلة أو ملغاة بدون أي احترام. وذات يوم في أحد المكاتب، جلست أمام مسؤول بدا منشغلا أكثر بالأوراق والملفات أكثر مني، ودون أن يرفع رأسه لأتشرف برؤية وجهه ، فقال: [ماسبب انقطاعك عن المهمة التي أسندت لك بسلطنة عمان؟] صَمتُ لحظة،ثم أخذت أشرح له ظروف التخلي عن المهمة. فقاطعني قائلا: [ العمل بالخليج العربي يفترض الصبر والتحمل فأنتم تمثلون الوطن ] فكان ردي عليه موجزا بالقول [ظروف العمل لم تكن مناسبة للاستمرار ] . رفع رأسه هذه المرة ،وقال بنبرة فيها الكثير من العتاب :[ ومع ذلك كان بإمكانك الصبر والتحمل ،وأنت في بداية مشوارك المهني … ففرصة الحصول على هذا الامتياز لم تكن من السهولة بمكان ] أجبته بكل هدوء: [ ليست كل الفرص مناسبة ] . خرجت غير مطرودة من مكتبه، بعد أن أبلغني بأني منقطعة عن العمل، وأني محرومة من حوالاتي الشهرية، وأنه ينبغي علي الاختيار ما بين أمرين: الالتحاق فورا بسلطنة عمان. أو تعرضي لمسطرة التأديب التربوي. فأحسست بالشطط في استعمال السلطة، وبأني لم أعد أُفهم أي شيء. علما أني اتخذت قراري الذي لا رجعة فيه، رغم اغراءات الأجهزة المسؤولة بالسلطنة، ووعودهم بأن أُعَيَّن في مدينة مسقط، بناء على المردودية التربوية التي جاءت في ورقة الزيارة التربوية المشار إليها سابقا، كل ذلك حتى أظل منسجمة مع نفسي. وهكذا قضيت حوالي ستة أشهر كاملة معلقة بدون أجرة وبدون عمل. ففي عُمَان – على الأقل – كان كل شيء واضحا : قرارات صريحة … قيود مباشرة… احساس دائم بأنك تحت المراقبة. أما هنا في وطني، فالأمر مختلف تماما، لا أحد يريد أن يتفهم وضعيتك ، ولا أحد يمنعك صراحة، لكن أشياء كثيرة تُعَقِّدُ طريقك في صمت قاتل. وأنا عائدة من زيارة ماراتونية للوزارة ذات مساء، قلت لنفسي: [ هناك بديار الغربة كنت أواجه الخارج … وهنا بوطني أواجه الداخل ] . وللأسف الشديد أقول أن عودتي للعمل ما كانت تتم لولا تدخل أحد أبناء خالتي كان يشتغل مفتشا تربويا بمدينة الرباط، له العديد من العلاقات سهلت مأموريتي، فعدت لأحط الرحال بمدينة الناظور من جديد ولكن هذه المرة بثانوية “محمد الخامس“. وفي أقسام البكالوريا، حاولت أن أستعيد الحضور الذي دأبت عليه .وذات صباح دخلت القسم ، كتبت عنوان درس التاريخ وبدأنا النقاش . لكني فجأة توقفت ، نظرت الى التلاميذ وشعرت أني لم أعد أشرح … أستفسر … أناقش ، بل أُخفي أشياء وأشياء . سألتهم فجأة : [ هل تعتقدون أن الانسان يجب أن يتحمل كل شيء ليُكمل ما بدأه؟ ] ساد الصمت . ثم رفع أحدهم يده وقال : [ اذا كان عنده سبب وجيه ، فلا ] ابتسمت في قرارة نفسي، لأن ذاك الجواب البسيط كان أقرب الى ما أشعر به. وفي الليل، بينما أنا وحدي أحاول أن أخمدها شجوني، كانت بعض الأسئلة تنتابني:
هل كان قراري صائبا ؟
هل استعجلت أمر عودتي؟
هل يمكن أن أعيد بناء شخصيتي المهنية، في ظل هذه الانكسارات؟
وكلما تعمقت في التساؤل ،كان هناك شيء بداخلي يجيب بهدوء: [ لقد فعلت ما كان يجب أن يفعل ] . وهكذا تدريجيا بدأت أتصالح مع تجربتي – ولو أنها مرت – لم أعد أراها كقطيعة، صارت امتدادا طبيعيا لشيء بدأ ثم اختمر في أعماقي، لم يكن يحتاج سوى لحظة اختبار كي يظهر. فأدركت عندئذ أن العودة ليست دائما رجوعا إلى ما كان، بل هي أحيانا بداية لما لم نكن نراه رغم أنه يسكننا. وأن الإنسان حين يخرج من تجربة صعبة، لا يعود الى نمط حياته القديم، بل يؤسس … يبني علاقة جديدة معها. فأكون بذلك قد انتهيت الى أن عودتي لم تكن هزيمة، ولا كانت انتصارا. بل كانت لحظة وعي بأن الطريق ليس دائما في الاستمرار، وأن التراجع أحيانا هو شكل آخر من أشكال التقدم.
يتبع
