خواطر امرأة

خواطر امرأة

بين الحزن الراقي وذاكرة الأم

المقطع الثاني: 

3- حينما يتحول الإنسان الى صندوق أسرار

ثمة لحظات في الحياة لا يعود فيها الإنسان قادرا على البوح الكامل بما يشعر به، ليس لأنه لايملك الكلمات، بل لأن بعض الأحاسيس حين تبلغ عمقها الأقصى تصبح أكبر من اللغة نفسه. وهكذا يبدأ الإنسان – دون أن ينتبه – في التحول التدريجي الى صندوق أسرار صامت ، يحمل داخله طبقات متراكمة من الحنين … الخذلان … التعب … الأسف … الذكريات التي لم تجد طريقها الى النسيان . انه لا يعيش حزنا عابرا فحسب ، بل يتعايش مع حزنه النبيل الذي يهذب الصمت ،أكثر مما يثيره ذاك الضجيج .حزن يدفع به الى دوامة الكتمان ، فيدرك معه أن بعض الجراح تفقد معناها حين تُرْوى كثيرا ، وأن بعض الأوجاع لا تحتاج الى الشرح بقدر ماتحتاج الى من يشعر بها دون كلام . فيبدو في الظاهر متماسكا، يمارس حياته بشكل عادي ، يبتسم في المناسبات ، يشارك الآخرين تفاصيل حياتهم اليومية . دون أن يرى أي أحد ذاك التعب الخفي الذي يستوطن أعماقه ، يخدش كل ليلة ذاكرته وقلبه . فحين يتحول الى صندوق أسرار ، فإنه لا يخفي حدثا واحدا فقط ، بل يعمد الى اخفاء أجزاء كاملة من نفسه . يخفي دموعا لم يسمح لها بالانسياب، وكلمات اختنقت حتى قبل أن تقال، وأماكن في الروح لم تعد قادرة على الاحتمال. ولعل أكثر ما يوجع في هذا الصمت أن صاحبه ( ته) يعتاد على حمله وحده. فيتعلم كيف يربت على قلبه بنفسه، وكيف يرمم شقوقه الداخلية بعيدا عن الأعين، وكأن الحزن أصبح مسؤولية خاصة ينبغي أن يتعايش معها في هدوء كامل. ومع مرور الزمن يجد نفسه وقد اكتفى بالتموقع داخل مساحة آمنة لا يُضطر فيها إلى التمثيل أو التصنع .
فالتعب الحقيقي ليس في الألم وحده، بل في ارتداء الأقنعة فوق الألم. فالذين يحملون هذا النوع من الحزن يصيرون أكثر حساسية تجاه العالم . تؤلمهم التفاصيل الصغيرة … يهزمهم الغياب ، ويصبح الحنين عندهم طريقة خفية في العيش . لهذا يصبح الإنسان أكثر صمتا … ليس ضعفا ، بل لأن داخله صار مزدحما بما لا يمكن التعبير عنه بسهولة . انه الحزن النبيل مرة أخرى : الحزن الذي لا يفضح صاحبه ، ولا يدفعه الى الصراخ ، بل يجعله أكثر عمقا … أكثر رقة … أشد فهما للهشاشة الإنسانية. ولهذا السبب، فإن البعض منا يبدو هادئا أكثر من اللازم، بينما في الحقيقة يحمل داخله عوالم كاملة من الحنين والأسئلة والغياب. إنهم أولئك / اللواتي تعلموا كيف يعيشون بأرواح مثقلة، لكن بكرامة صامتة تشبه الضوء الخافت في آخر مساء شتوي .

4- وحدهم الصامتون  يعرفون ثقل الليل

وحدهم الصامتون يعرفون أن الليل ليس وقتا عابرا من الزمن، بل هو مراة واسعة تعكس كل ما أخفاه القلب طوال النهار، وتتلاشى الحواجز التي كان قد اصطنعها فتقف الروح عارية أمام حقيقتها الكاملة. هناك في العتمة الهادئة، يفهم الانسان كم هي متعبة دواخله، وكم استنزفه التظاهر بالقوة، وكم أخفى من انكساراته حتى عن أقرب الناس إليه . وقد يحدث أن يمرَّ طيف الأم فجأة في تلك اللحظات الليلية، فتأبى الذاكرة إلا أن تعيد حضورها الصامت، فتتسلل إلى القلب نبرة صوتها.. صور ابتسامتها … صدى وصاياها، فنشعر – مع كل ذلك – بأن الفقد ليس حدثا مضى، بل شعورا يتجدد بصور مختلفة مع توالي الأيام. عندئد نحس أننا في أمس الحاجة الى ذاك الحضن الذي لن يعود، والى صوت نُدْرِك أن الفاصل بيننا وبينه من المسافات لم تعد تُقاس بالأمكنة بل بالغياب الأبدي. فيأبى الليل إلا أن يُضاعف إحساسنا بالفقد، خاصة وأن كل ما هو  صادق لا يظهر إلا حين يهدأ العالم وتَعُمُّ السكينة، وتنطفئ الأصوات، فتجد معها كل الأحزان المؤجلة وقتها الحقيقي في الانبراء. ومع ذلك فإن الصامتين لا يتحدثون كثيرا عن أوجاعهم، غير أن الليل – وحده – يعرفهم جيدا … يعرف ارتجافات أرواحهم. ولهذا السبب فإن أكثر الأرواح عمقا هي تلك التي تعلمت كيف تتألم بصمت مطبق …وكيف هي قادرة على مواصلة المسير.

ثريا الطاهري الورطاسي
طنجة21 . 5 . 2026

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *