همسات السهر

همسات السهر

“ولتصنع على عيني..”

قال الحق سبحانه لموسى عليه السلام: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي﴾.

       منير لكماني

فما أرحمها من آية إذا نزلت على قلب أنهكته المقادير، وما ألطفها من بشارة إذا لامست روحا ظنت أنها تمضي في طرق الحياة بلا سند ولا رقيب. لم يقل: ولتُحفظ فقط، ولا قال: ولتُربى فقط، بل قال: ولتُصنع؛ والصنعة أعمق من الحفظ، وأدق من التربية، لأنها إعادة تشكيل للعبد على مراد الله، لا على مراد نفسه.

يا هذا، إنك لا تُترك في يد الحوادث عبثا، ولا تُرمى في أمواج الأيام سدى، ولا يكسر البلاء فيك شيئا لأن الله غاب عنك؛ ولكنك تُصنع على عينه. كل ضيق مر بك، وكل فقد آلمك، وكل تأخير أوجع انتظارك، إنما يجري في ميدان التدبير، لا خارج دائرة العناية.

أُلقي موسى في اليم طفلا لا يملك من أمره شيئا، فكان ضعفه مركبا، وكان الماء طريقا، وكان التابوت حرزا صغيرا تحرسه عين الله. وما كان اليم يومئذ ماء فحسب، بل كان رسالة لطف، تنتقل بالطفل من حضن أم خائفة إلى بيت عدو متكبر، ليصنعه الله حيث لا تظن العقول أن الصنعة تكون.

فلا تعجب إن رباك الله في موضع تخافه، فإن العناية إذا تولت عبدا جعلت الخطر سترا، والعدو خادما، والبلاء سلما، والخوف بابا إلى الطمأنينة. وربما ساقك إلى ما تكره، لا ليهينك، ولكن ليخرج منك ما لا يخرج إلا هناك.

ولتُصنع على عيني؛ أي لا تظن أن ما يقع عليك يقع بلا شهود. دمعتك مرئية، ورجفة قلبك معلومة، والباب الذي أغلق عليك لم يغلق عن الله، والطريق الذي ضاق بك لم يضق على تدبيره. إن غبت عن أعين الخلق، فأنت في عين الحق؛ وإن سقطت من حساب الناس، فأنت في موضع الرعاية.

واعلم أن من صُنِع على عين الله لا تضره خشونة الأدوات. فقد يكون الفقد مبضعا، والخذلان مطرقة، والانتظار نارا، والوحدة محرابا، والانكسار مفتاحا. وليس كل ما آلمك أهلكك، ولا كل ما أبكاك أضعفك؛ بل ربما أخذ منك ليعطيك نفسك على وجه أصفى، وربما كسر فيك ما كنت تتكئ عليه، ليعلمك أن السند الحق لا يغيب.

لا تستبطئ تمام الصنعة؛ فالطين لا يصير إناء إلا بعد صبر على يد الخزاف، والحديد لا يصير سيفا إلا بعد نار وضرب، والبذرة لا تصير شجرة إلا بعد دفن في ظلمة الأرض. فكيف تريد صفاء القلب بلا تهذيب، ونور اليقين بلا ليل، وقرب الوصال بلا تجريد؟

ربما أخرك ليقدمك إليه، ومنعك ليصونك له، وأراك عجزك ليخلصك من دعوى القوة، وتركك بين الأسباب حتى إذا انقطعت في يدك شهدت مسببها. فما يجري عليك من حكمه حرف في كتاب صناعتك؛ تقرؤه النفس ألما، ويقرؤه القلب لطفا، وتقرؤه البصيرة وعدا.

فإذا ضاقت بك الأيام، فلا تقل: لم فعل بي؟ ولكن قل: ماذا يصنع مني؟ وإذا طال البلاء، فلا تقل: أين الفرج؟ ولكن قل: أي باب يفتحه الله في قلبي بهذا البلاء؟ وإذا تأخر ما تحب، فلا تقل: حرمني، ولكن قل: لعله يطهر محبتي حتى لا أعبد عطاياه وأنسى وجهه.

إن الصنعة الإلهية لا تتم على عجل النفس، بل على مهل الحكمة. والنفس تريد الوصول، والله يريد أن يجعلك أهلا لما تصل إليه. والنفس تطلب الفتح بلا كسر، والنور بلا احتراق، والقرب بلا تجريد؛ أما الله فيأخذك من نفسك أولا، حتى إذا أعطاك لم تحجبك العطية عنه.

فاصبر صبر من يعلم أنه يُصنع، لا صبر من يظن أنه يُعذب. واسكن سكون من يشهد العين الحافظة، لا سكون من عجز عن الحركة. وسلّم تسليم من عرف أن حكمة الله أرحم به من اختياره، وأن لطفه أدق من فهمه.

وإذا رأيت نفسك في يم لا قرار له، وبين خوف لا تملك دفعه، فاذكر أن موسى لم يكن يعرف الطريق، ولكن الطريق كان يعرف أمر الله. لم يكن يملك مجدافا، ولكن العناية كانت تقود الماء. ولم يكن يسمع إلا صمت اليم، ولكن عين الحق كانت ترعاه.

وهكذا أنت؛ قد لا تعرف إلى أين تمضي بك الأقدار، ولكن الأقدار تعرف ربها. وقد تظن أنك تُحمل بعيدا عما تحب، وأنت في الحقيقة تُساق إلى ما أحب الله لك.

فطوبى لمن لم تشغله قسوة الطريق عن لطف السائق. وطوبى لمن رأى يد الرحمة من وراء ستار البلاء. وطوبى لمن فهم أن قوله تعالى:

﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي﴾ بشارة لكل قلب ألقته المقادير في يم لا يحسن السباحة فيه، ثم تولاه الله بعينه، حتى يخرجه من خوفه عبدا محفوظا بالعناية، مهيأ للوصل، مصنوعا على مهل الحكمة، سائرا إلى ربه بقلب مطمئن، وبصيرة منيرة، وسكينة لا تنطفئ، ويقين لا تزعزعه أمواج الطريق.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *