حين يصبح البيت ذاكرة للحياة ( 5 )

حين يصبح البيت ذاكرة للحياة ( 5 )

أبي.. الرجل الذي كان يُخفي تعبه خلف صمته العميق

عتبة كلامية تأملية :

المختار عنقا الادريسي

كلما تقدمت بنا السنون ، ازددنا يقينًا بأن أعظم البطولات في الحياة ليست تلك التي تتصدر العناوين أو تخلدها الكتب، بل تلك التي تُمارس في صمت داخل البيوت، بعيدًا عن الأضواء وحتى عن تصفيق الناس. فهناك رجال مروا في هذه الحياة دون أن يتركوا وراءهم ثروات أو مناصب أو شهرة، لكنهم تركوا في نفوس أبنائهم إرثًا أثمن من كل ذلك : إرث الكرامة ، الاجتهاد ، وتحمل المسؤولية دون أي ضجيج . وحين أعود بذاكرتي إلى صورة المرحوم والدي، فلا أتذكره خطيبًا مُفوهًا ولا صاحب كلمات كثيرة، بل أتذكره مناضلا بأفعاله لا بلسانه . أتذكره رجلًا آمن بأن واجبه تجاه أسرته لا يقف عند حدود الامكان، بل يتجاوزها إلى حدود التضحية. فكان من أولئك الذين يعتبرون أن التعب قدرٌ شخصي، وأن الطمأنينة هي من نصيب الأبناء – بالأساس – لا الآباء.
لقد كان ينتمي الى جيل تربى على أن الرجولة ليست ادعاءً للقوة، بل قدرة على الاحتمال ، جيل كان يخفي جراحه خلف ابتسامة هادئة … يخفي قلقه خلف صمت طويل … يواصل السير حتى حين تصبح الطريق أكثر وعورة من أن تُحْتمل . ولذلك فان هذه المحكية ليست مجرد استعادة لسيرة عامل بسيط قضى عمره بين العمل المضني وحماية الأسرة ، بل هي محاولة للانصات الى الصمت النبيل الذي كان يسكنه.
صمت رجل لم يكن يطلب شيئا لنفسه، بقدر ما كان يبحث عن حياة أقل قسوة لأبنائه. انها شهادة وفاء لذاك الجيل من الآباء الذين بنوا البيوت على أكتافهم، ومضوا دون أن يطالبوا بشيء سوى أن يروا أبناءهم في حال أفضل منهم بكثير.

من تعبه صُنٍعًت طمأنينتنا : سيرة أب من زمن الصبر

كلما عدت بذاكرتي إلى سنوات الطفولة الأولى، أدركت أكثر أن بعض الآباء لا يملكون في حياتهم ما يكفي من الكلمات ليشرحوا حجم ما تحملوه من أجلنا. كانوا ينتمون إلى جيلٍ لا يتقن الشكوى، ولا يجيد الحديث عن الألم، بل كان يعتبر الصمت شكلًا من أشكال الكرامة، والعمل اليومي نوعًا من الوفاء الصامت للعائلة .
كان المرحوم والدي عاملًا بسيطًا في “مرفق البريد ” بمدينة الدار البيضاء، يتقاضى أجرة محدودة بالكاد تكفي لتغطية الحاجيات الأساسية لأسرة متعددة الأبناء . في وقت لم تكن الحياة سهلة، خاصة بالنسبة للطبقات الشعبية التي كانت تعيش بين ضغط المعيشة وقلة الإمكانيات، وفي زمنٍ لم تكن فيه وسائل الراحة متاحة، ولا فرص الارتقاء الاجتماعي مضمونة. ومع ذلك، لم أسمعه يومًا يتذمر من الحياة. كان قبل أن يخرج إلى عمله في صمت، يُعِدُّ لنا وجبة الفطو . وفي المساء يعود في هدوء، حاملا معه ذلك الصمت الذي يشكل بحرًا كاملًا من القلق والمسؤولية والتعب. لم يكن يفكر في نفسه بقدر ما كان يفكر في كيفية توفير الحد الأدنى من الكرامة للأبناء، الزوجة، الوالدة. كان يدرك أن الفقر ليس عيبًا، لكنه كان يخشى دائمًا أن يتحول العجز إلى انكسار داخلي. وحين بلغ سن التقاعد في بداية سبعينيات القرن الماضي لم يكن ذاك بالنسبة إليه راحةً مستحقة بعد سنوات العمل الطويلة، بل كان بداية قلق جديد. فالمعاش البسيط جدا لم يكن قادرًا على تغطية الحاجيات الكبيرة، لذلك وجد نفسه مضطرًا إلى العودة من جديد إلى دائرة العمل، مقابل أجر شهري اضافي متواضع، لكي تستمر الحياة داخل البيت بأقل قدر من التوازن.

واليوم، حين أفكر في ذاك الأمر، أشعر أن أكثر ما كان يميز ذلك الجيل من الآباء هو قدرتهم العجيبة على التحمل والاحتمال. كانوا يعيشون أعمارهم … يؤجلون أحلامهم الشخصية إلى أجل غير معلوم … يعتبرون أن نجاح الأبناء هو شكل من أشكال الراحة المعنوية التي يطمحون اليها. كانوا يلبسون البسيط لكي لا يحتاج الأبناء، ويتعبون بصمت حتى لا تشعر الأسرة بالحاجة … الخوف … لقد كان الوالد ينتمي إلى أولئك الرجال الذين لا تصنعهم الخطب الكبيرة، بل تصنعهم تفاصيل الحياة اليومية الصغيرة: الاستيقاظ المبكر… الانتظام في العمل… القناعة بالقليل.. مقاومة الحاجة دون انكسار…تحمل الأعباء والمسؤولية حتى آخر العمر. رجالٌ كانت البطولة عندهم هادئة، بلا ضجيج ، وبلا ادعاء.
أعتقد اليوم أن أعظم تضحية لم تكن فقط في قلة الأجر أو طول سنوات العمل، بل في ذلك الصمت النبيل الذي كان يخفي به تعبه الحقيقي. كان يحمل همومه وحده، ويحرص ألا تنتقل ثقوب القلق إلى قلوب أبنائه. وربما لهذا السبب، لم نفهم حجم ما عاشه إلا بعد أن كبرنا وبعد أن اكتشفنا أن الحياة ليست سهلة كما كنا نظن عندما كنا أطفالا . إن بعض الآباء لا يتركون وراءهم ثروات كبيرة ، لكنهم يتركون شيئًا أثمن بكثير: نموذجًا أخلاقيًا نادرًا للكرامة…الصبر…الأنفة.. التضحية… وحين يرحلون، نكتشف متأخرين أن البيت لم يكن قائمًا فقط على الجدران، بل كان قائمًا على أكتاف رجل صامت، أفنى عمره كله وهو يحاول أن يمنح أسرته حياة أقل قسوة مما عاشه هو.

خاتمة كلامية

اليوم، بعد أن مر ما يزيد عن 44 سنة على رحيل الوالد ، أجدني أكثر قدرة على فهم ما لم أكن أفهمه في طفولتي وحتى في شبابي . فقد اكتشفت أن كثيرا من الأشياء التي اعتبرتها انذاك عادية ، كانت في الحقيقة ثمرة تضحيات يومية صامتة ، وأن الاستقرار الذي عشناه لم يكن هدية مجانية من الحياة ، بل كان حصيلة جهد رجل ظل يقاوم الحاجة والتعب والقلق بصبر نادر . لقد رحل الوالد ، لكن صورته ماتزال حاضرة في تفاصيل كثيرة : في قيمة الاخلاص في العمل التي تعلمناها منه … في تقدير واحترام كل المسؤوليات … في الايمان بأن الكرامة لا تقاس بحجم الدخل، بل بقدرة الانسان على اداء واجبه بشرف ونزاهة . فاليوم وأنا أستحضر سيرته، لا أراه فقط أبا ربَّى أبناءه، بل أراه مدرسة كاملة في الصبر والمثابرة والتضحية. مدرسة لم تكن لها كتب أو جدران … بل كان منهاجها اليومي هو الاخلاص في العمل، وكان شعارها الصامت:
【 افعل ما تستطيع من أجل من تحب ، ثم امض دون انتظار مقابل 】 .
فرحمك الله والدي، ورحم كل أولئك الآباء الذين أخفوا تعبهم خلف الصمت، ومضوا تاركين وراءهم أبناءً قد لا يدركون حجم ما بُذل من أجلهم إلا حين يصبحون هم أنفسهم في مواجهة أعباء الحياة.عندها فقط نفهم أن بعض الرجال لم يكونوا مجرد اباء … بل كانوا أعمدة خفية استندت اليها أُسرٌ كاملة دون أن تنتبه الى عظمة ما كانوا يحملونه فوق أكتافهم .

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *