جنون الارتياب..

جنون الارتياب..

عندما يتحول الخوف إلى واقع متخيل

     منير لكماني

الإضطراب النفسي قضية فردية لا تخصص صاحبها وحده، بل أصبح موضوعا يهم المجتمع كله، لأن آثاره تمتد إلى الأسرة، والعمل، والعلاقات، وحتى إلى الفضاء الرقمي. ومن بين الإضطرابات النفسية التي تثير كثيرا من الإلتباس والخوف، تبرز البارانويا أو جنون الإرتياب. في هذه الحالة، يعيش الإنسان وسط شعور دائم بالريبة، ويقتنع بأن الآخرين يراقبونه أو يتآمرون عليه أو يريدون إيذاءه، حتى من دون وجود دليل حقيقي. وهكذا يتحول الخوف الداخلي إلى واقع متخيل يسيطر على التفكير والسلوك. وما يزيد الأمر تعقيدا اليوم أن هذه الحالة لم تعد محصورة في العيادات النفسية، بل صارت تظهر أحيانا على منصات التواصل، حيث تختلط المعاناة الحقيقية بالمحتوى المثير، ويصعب على الناس التمييز بين المرض والوهم.

ما هو جنون الارتياب؟

تعرف البارانويا بأنها إضطراب يقوم على أفكار ثابتة وغير منطقية تتعلق بالإضطهاد أو التآمر أو المراقبة. الشخص المصاب لا يشعر فقط بالقلق، بل يقتنع اقتناعا كاملا بأن هناك من يستهدفه. لذلك يفسر المواقف العادية تفسيرا عدائيا؛ فقد يرى في نظرة عابرة تهديدا، وفي كلمة بسيطة إهانة مقصودة، وفي حدث عادي دليلا على مؤامرة تحاك ضده. ولهذا يصنف هذا الإضطراب ضمن إضطرابات التفكير الوهمي، لأن تصور المريض للواقع يصبح منفصلا عن الحقيقة الموضوعية.

أسباب معقدة وعوامل متداخلة

لا يوجد سبب واحد مباشر يفسر الإصابة بالبارانويا، بل هي غالبا نتيجة تداخل عدة عوامل نفسية وبيولوجية واجتماعية. فقد ترتبط باضطرابات في كيمياء الدماغ، خاصة تلك المرتبطة بزيادة نشاط بعض المواد مثل الدوبامين. كما يمكن أن تسهم التجارب المؤلمة، مثل الخيانة أو التنمر أو الصدمات القوية، في تكوين نظرة عدائية تجاه العالم. كذلك تلعب العزلة الإجتماعية دورا مهما، لأنها تجعل الإنسان أسير أفكاره الخاصة من دون تصحيح أو توازن. وهناك أيضا العامل الوراثي، إذ قد ترتفع إحتمالات الإصابة لدى من لديهم تاريخ عائلي مع الذهان. ولا يمكن تجاهل أثر المخدرات وبعض المواد المنبهة، لأنها قد تثير أعراضا ذهنية أو تزيدها حدة.

كيف تظهر هذه الحالة؟

تظهر البارانويا في صورة أفكار متكررة وشك دائم بالآخرين، ويصاحبها توتر داخلي شديد. من أبرز مظاهرها أن المصاب يفسر النيات البسيطة على أنها تهديد مباشر، ويرفض النصائح لأنه يراها محاولة للسيطرة عليه أو خداعه. كما يميل إلى الإنغلاق على نفسه، ويفقد الثقة بمن حوله، ويصر أحيانا على أنه يملك “أدلة” تؤكد صحة مخاوفه، رغم أن هذه الأدلة لا تكون مقنعة في الواقع. وفي بعض الحالات، قد تظهر هلاوس سمعية أو بصرية تجعل الأمر أكثر تعقيدا، لأنها تمنح الوهم قوة إضافية داخل ذهن المريض، فيصبح أكثر اقتناعا بأن ما يشعر به حقيقي.

البارانويا في زمن المنصات

مع إنتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أخذت بعض مظاهر البارانويا بعدا جديدا. فهناك من ينشر مقاطع أو تدوينات يتحدث فيها عن مراقبته أو ملاحقته أو استهدافه، ويعرض هذه المخاوف أمام جمهور واسع. المشكلة أن بعض المنصات أو الصفحات تتعامل مع هذه المواد كأنها محتوى مثير يجلب المشاهدات، فتحول المعاناة النفسية إلى نوع من الفرجة. وهذا لا يضر بالمريض فقط، بل قد يؤثر أيضا في المتلقين، لأن التناول غير المسؤول قد يغذي الوهم أو يزيد من الخوف والوصم الاجتماعي. وهنا يصبح الفضاء الرقمي بيئة قد تخلط بين الحقيقة والخيال، وبين الألم الإنساني والإستثمار الإعلامي فيه.

كيف نتعامل مع المصاب؟

التعامل مع من يعاني من جنون الارتياب يحتاج إلى فهم وهدوء، لا إلى سخرية أو مواجهة حادة. فالمصاب لا يرى نفسه مخطئا، بل يشعر أن خوفه مبرر تماما، ولذلك فإن الجدال المباشر معه غالبا لا يفيد. الأفضل هو تجنب الدخول في صدام حول الأفكار الوهمية، مع محاولة تشجيعه بلطف على طلب المساعدة النفسية. كما أن دعم الأسرة مهم جدا، خاصة عندما يكون جزءا من خطة علاجية تعتمد على العلاج السلوكي المعرفي لتصحيح أنماط التفكير المضللة. وفي الحالات المتقدمة، قد يحتاج المريض إلى أدوية مضادة للذهان تحت إشراف طبي متخصص، لأن التدخل المبكر يرفع فرص التحسن ويقلل من العزلة أو السلوك الدفاعي العنيف.

مسؤولية الإعلام والمجتمع

الإعلام والمجتمع معا يتحملان مسؤولية كبيرة في طريقة التعامل مع هذه الظاهرة. فحين تعرض قصص المرضى على أنها مادة مثيرة للضحك أو الصدمة، فإن ذلك يمس كرامتهم ويزيد من الجهل بالصحة النفسية. المطلوب هو لغة إنسانية ومهنية، تساعد الناس على الفهم بدل الإثارة، وعلى التعاطف بدل التهكم. فالوعي النفسي الحقيقي لا يعني إصدار الأحكام على الناس، بل التمييز بين الرأي الطبيعي والحالة المرضية، والنظر إلى المرض النفسي كما ننظر إلى أي مرض آخر يحتاج إلى علاج ورعاية لا إلى وصم.

جنون الارتياب ليس ضعفا في الشخصية، بل حالة من الخوف العميق تجعل الإنسان يعيش داخل حصار ذهني قاس. والتعامل معه لا يكون بالإنكار ولا بالتصديق الأعمى، بل بالفهم والعلم والرحمة. وعندما ندرك أن من يرى المؤامرة في كل مكان يعيش ألما حقيقيا، حتى لو كان مصدره وهما داخليا، نكون قد اقتربنا من بناء وعي جماعي أكثر إنسانية. إن بداية العلاج لا تكون فقط في الدواء، بل أيضا في لغة الوعي التي ترى الألم وتحترم صاحبه وتفتح له باب المساعدة بدل أن تتركه وحيدا داخل عالمه المتخيل.

09/06/26 ألمانيا

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *