المستشفيات الدولية…

المستشفيات الدولية…

 الإنعاش الذي يبيض ذهبا

       منير لكماني

في المغرب اليوم، لم تعد الصحة مجرد حق إجتماعي أو خدمة عمومية، بل أصبحت أيضا قطاعا إقتصاديا صاعدا، تجتمع فيه المصحة، والاستثمار، والتأمين، والبورصة، وحسابات الربح والخسارة. وفي قلب هذا التحول برزت مجموعة استشفائية خاصة كبرى، توسعت بسرعة في عدد من المدن والجهات، وقدمت نفسها بوصفها نموذجا للمستشفى العصري متعدد التخصصات، القادر على تقريب العلاج من المواطنين وتخفيف الضغط عن المستشفيات العمومية.

لكن هذا الصعود السريع يطرح سؤالا حساسا: هل نحن أمام استثمار صحي يخدم المريض، أم أمام سوق جديد يجعل المرض مجالا للمردودية العالية؟ ويزداد السؤال إلحاحا عندما يتعلق الأمر بالإنعاش، ذلك القسم الذي تقف فيه الحياة على حافة جهاز تنفس، أو حقنة، أو قرار طبي عاجل.

الإنعاش، بطبيعته، مكلف. فهو يحتاج إلى تجهيزات دقيقة، وأطباء متخصصين، وممرضين متمرسين، ومراقبة مستمرة، وأدوية غالية. غير أن خطورته لا تكمن في تكلفته وحدها، بل في ضعف قدرة المريض وعائلته على الفهم أو الإعتراض. فالعائلة، وهي ترى قريبها بين الحياة والموت، لا تسأل كثيرا عن السعر، ولا تناقش تفاصيل العلاج، بل تقبل غالبا بكل ما يطلب منها خوفا من الأسوأ.

هنا قد تتحول الفاتورة إلى أداة ضغط. تبدأ أحيانا بتسبيقات مالية كبيرة، أو ضمانات، أو شيكات، أو وعود غامضة بتسوية الملف مع التأمين. وبعد أيام أو أسابيع من الإقامة، تجد الأسرة نفسها أمام مبلغ ضخم، وفاتورة غير مفصلة، وملف طبي ناقص، وتأمين يرفض التعويض أو يؤخره بسبب غياب وثائق دقيقة. في هذه اللحظة لا يشعر المواطن بأنه كان مريضا فقط، بل بأنه أصبح زبونا ضعيفا داخل علاقة غير متكافئة.

ومن أخطر ما تثيره شكايات بعض الأسر مسألة تفخيم الفواتير عبر تمديد الإقامة، أو إدخال المريض إلى الإنعاش دون تبرير واضح، أو تكرار التحاليل والفحوصات، أو احتساب أدوية ومستلزمات يصعب التحقق من إستعمالها. وقد تمتد الشبهات إلى إجراءات ثقيلة مثل نقل الدم، أو غسل الكلى، أو عمليات جراحية لمرضى لم يستفيقوا مدة طويلة، أو يشتبه في وصولهم إلى مرحلة انتفاء الأمل العلاجي. هذه الأعمال قد تكون ضرورية طبيا في حالات كثيرة، لكن إذا غاب التفسير المكتوب والملف المفصل، أصبح الشك مشروعا.

ولا يقل خطر السلامة الصحية أهمية عن خطر الفاتورة. فداخل الإنعاش، يكون المريض ضعيف المناعة ومحاطا بالقساطر والأنابيب وأجهزة التنفس. لذلك فإن إنتقال الطاقم من مريض إلى آخر دون تعقيم اليدين، أو دون تغيير القفازات والوسائل الملوثة، أو دون إحترام قواعد العزل، قد يسبب عدوى استشفائية خطيرة. والأسوأ أن هذه العدوى قد تتحول بدورها إلى أيام إضافية في الإنعاش، وتحاليل جديدة، ومضادات حيوية باهظة، أي إلى فاتورة أكبر.

إن المشكلة لا تكمن في وجود مستشفيات خاصة، ولا في الاستثمار في الصحة. فالمغرب يحتاج إلى مستشفيات وتجهيزات وأطر طبية. لكن الإستثمار في الصحة يجب ألا يتحول إلى إستثمار في خوف العائلات. فالربح في هذا القطاع لا يكون مشروعا إلا إذا رافقته شفافية كاملة: فاتورة مفصلة، ملف طبي جاهز، منع شيكات الضمان، مراقبة قرارات الإنعاش، إحترام التعقيم، وضمان كفاءة الأطباء والممرضين.

المريض ليس زبونا عاديا، والإنعاش ليس غرفة فندقية، والصحة ليست سلعة مثل باقي السلع. إنها حق يرتبط بالحياة والكرامة. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يحق للمستشفيات الخاصة أن تربح؟ بل: كيف تربح، وبأي حدود، وتحت أي رقابة؟

حين يصبح الإنعاش مجالا يبيض ذهبا، يصبح من واجب الدولة والمجتمع والهيئات الرقابية أن يسألوا: من يحمي المريض عندما يكون فاقدا للوعي؟ من يحمي الأسرة عندما تكون محاصرة بالخوف؟ ومن يضمن أن يكون العلاج وسيلة لإنقاذ الحياة، لا طريقا لاستنزاف الجيوب؟

13/06/26 ألمانيا

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *