حينَ تصبح الأسماء حجة…
خبرة المبدع بالنص أكثر تعقيداً…
ليس أخطر ما يمكن أن يحدث للنص أن يكون ضعيفاً، لكن أن يصبح اسم صاحبه دليلًا على جودته. عندها لا يعود السؤال : ماذا كُتب؟ إنما : من كتب؟ وهذه ليست أزمة نصوص بقدر ما هي أزمة قراءة، لأن الاسم حين يسبق العمل لا يكتفي بالتعريف بصاحبه، لكنه يتدخل في الحكم عليه.
غير أن أثر الاسم لا يتوقف عند تلقي الإبداع، لأنه يمتد إلى النقد نفسه. فالأحكام النقدية لا تُستقبل دائماً بحسب قوة حجتها، وإنما بحسب المكانة التي يتكلم منها أصحابها. قد يقول ناقد معروف فكرة عادية فتُعامل بوصفها كشفاً، بينما يقدم شاعر أو روائي قراءة دقيقة فتُستقبل بشيء من التحفظ، لا لخلل فيها، إنما لأن صاحبها لا يحمل الصفة التي اعتادت المؤسسة الثقافية أن تمنحها حق الحكم.
هنا لا تصبح المشكلة في اختلاف الاختصاصات، لكنها تكمن في تحول الاختصاص إلى امتياز رمزي. فالناقد لا يعود قارئاً مطالباً بإثبات رأيه، وإنما يغدو اسمه أحياناً ضمانة مسبقة لصحة ما يقول. وفي المقابل، يُطلب من المبدع إذا مارس النقد أن يبرر دخوله إلى المجال قبل أن تُناقش أفكاره. كأن الكتابة الإبداعية تنفي القدرة على التحليل، وكأن الصفة النقدية تكفي وحدها لإنتاج المعرفة.
هذا الفصل الصارم بين المبدع والناقد لا تؤيده طبيعة الأدب. فالشاعر ليس مجرد منتج للصور والإيقاع، والروائي ليس مجرد صانع للحكاية. كلاهما يشتغل باللغة ويدرك بنيتها، ويختبر إمكاناتها وحدودها من الداخل. وقد تكون خبرة المبدع بالنص أكثر تعقيداً من معرفة نظرية لم تمتحنها الكتابة. لكن هذه الخبرة لا تمنحه العصمة، كما أن الصفة الأكاديمية لا تمنح الناقد العصمة. المعيار في الحالين واحد: وضوح الفكرة، ودقة القراءة، وقوة البرهان.
لا يعني ذلك إلغاء النقد بوصفه معرفة متخصصة. للنقد مناهجه وتاريخه ومصطلحاته، ولا يكفي الذوق الشخصي ليحل محلها. لكن التخصص شيء، واحتكار الحق في القراءة شيء آخر. فالمعرفة النقدية لا تفقد قيمتها حين يمارسها شاعر، ولا تكتسبها تلقائياً حين تصدر عن ناقد. الحجة لا تنتمي إلى المهنة التي جاءت منها، لكن إلى قدرتها على تفسير النص والكشف عن بنيته وإقناع القارئ.
ومع ذلك، تُدار الحياة الثقافية في أحيان كثيرة بمنطق الأسماء لا بمنطق الحجج. فالمؤسسات تحتاج إلى وجوه معروفة، والمنابر تفضل من سبق تقديمه للجمهور، والجوائز والندوات والدراسات تعيد تداول المجموعة نفسها من الأسماء .
وبمرور الوقت، لا تعود الشهرة نتيجة للمشاركة في المجال، إنما تصبح شرطاً لمزيد من المشاركة فيه. وهكذا تُنتج السلطة نفسها بنفسها :
الاسم يمنح صاحبه المنبر، والمنبر يضاعف سلطة الاسم.
في هذه الدائرة، لا يختفي الصوت الجديد لأنه ضعيف بالضرورة، إنما لأنه يدخل النقاش بلا رصيد سابق. عليه أن يثبت أولًا أنه يستحق الكلام، ثم يثبت أن كلامه يستحق الإصغاء. أما الاسم الراسخ، فيُصغى إليه قبل أن يقدم دليله. وهذا تفاوت لا يفسد المنافسة بين الأفراد فقط، بل يفسد وظيفة النقد، لأن النقد الذي يخضع للمراتب يفقد قدرته على مراجعة الأدب بحرية.
وتظهر خطورة ذلك بوضوح حين يقترب الناقد من الأسماء الكبرى. فبعض النصوص تُقرأ تحت حماية سمعة أصحابها، فيُبحث لها عن تأويل ينقذها من الضعف وتتحول عيوبها إلى تجريب، وغموضها إلى عمق، وترهلها إلى رحابة. وليس الخطأ في التأويل المتعاطف في ذاته، بل في غياب المساواة : فالكرم الذي يُمنح للنص المشهور لا يُمنح عادة للنص المجهول.
عند هذه النقطة، يصبح النقد حارساً للمكانة بدل أن يكون فحصاً للقيمة. لا يسأل: هل نجح هذا النص؟
إنما: كيف يمكن الحفاظ على الصورة المعروفة عن صاحبه؟
وهنا تتقدم السمعة على القراءة، ويصير الدفاع عن الاسم دفاعاً عن ترتيب ثقافي كامل، لا عن عمل أدبي بعينه. والأمر نفسه يحدث في الاتجاه المقابل. فقد يُرفض رأي صحيح لأن صاحبه شاعر، أو لأنه غير أكاديمي، أو لأنه لم يُعترف به داخل الدوائر النقدية. لا يُناقش ما قاله، إنما تُناقش أهليته لقوله. وهذه حيلة قديمة من حيل السلطة: حين تعجز عن رد الحجة، تطعن في صفة صاحبها.
ليس المطلوب إذن أن يحل الشعراء محل النقاد، ولا أن تُهدم الحدود بين المعارف. المطلوب أبسط وأصعب : أن يُعامل كل رأي باعتباره رأياً يحتاج إلى برهان، وأن تُفصل قيمة القول عن الهيبة المحيطة بقائله. فالناقد الحقيقي لا يستمد سلطته من لقبه، لكن من قراءته. والمبدع الذي يكتب في النقد لا يستحق القبول لأنه مبدع، ولا الرفض للسبب نفسه.
الثقافة الحية لا تمنح أحداً حقاً دائماً في الحكم . إنها تضع الجميع أمام الاختبار ذاته : ماذا ترى في النص؟
وكيف وصلت إلى ما ترى؟ وما الذي يسند حكمك؟
وما عدا ذلك من ألقاب وشهرة ومكانة لا ينبغي أن يكون أكثر من معلومات هامشية.
فالاسم قد يدلنا على صاحبه لكنه لا يستطيع أن يغنينا عن القراءة. والصفة قد تعرّف الناقد، لكنها لا تستطيع أن تنوب عن حجته.
وحين ننسى ذلك، لا يعود النقد بحثاً عن القيمة، إنما يصبح توزيعاً للشرعية بين أسماء تقرر مسبقاً من يحق له أن يكتب، ومن يحق له أن يحكم، ومن ينبغي له أن يظل صامتاً.
الكاتبة والشاعرة فيروز مخول
