الفضاء المكاني في العالم الواقعي والافتراضي..

الفضاء المكاني في العالم الواقعي والافتراضي..

 لرواية “شبابيك حياة مسروقة” للأديبة ريما آل كلزلي

بقلم: د. ابتسام صفر / ليبيا

سارت “شبابيك حياة مسروقة” بخطوات متأنية نحو دلالات مكانية في العالم الواقعي والافتراضي، ولامست الرواية ملامح إنسانية وأبعادها الاجتماعية والنفسية في محاولة السيطرة على الذات بين عالمها الظاهري والداخلي في حياتها. كانت سلطة المكان حاضرة في الرواية امتزجت مع الزمن ودقات ساعته المتمثلة في عتبة العنوان: شبابيك وحياة مسروقة.. الذي أخذ بعدا سيميائيا دقيقا انطلق من دلالة المكان وبعده النفسي والاجتماعي للقارئ.

لفظة شبابيك أرسلت إشارة للمتلقي مفادها شبابيك مادية يراها كل يوم في حياته أو عمله تنطلق منها التهوية والاطلاع على عوالم صغيرة قد تكون في الشارع، البيت، أماكن عامة خاصة مستشفى وغيرها تنطلق منها عوالم أخرى في الحياة فهي رمز الحضور المكاني بكل ملامحه الواقعية وهو بنية دلالية مكثفة مرآة النص ولمعانه السردي وانطلاقه من الحيز الجغرافي إلى الافتراضي كما يرى (جيرار جينيت) أن المكان يعمل كإشارة مرجعية تضبط توقعات القارئ قبل الدخول النص الروائي.

التحم المكان مع الزمن في عتبة العنوان شبابيك حياة مسروقة المتمثلة بالزمن الحاضر والماضي المستقبل الإنسان كيف تفاعل المكان مع روح الزمن ومادته وتضمنت كلمة سرقة دلالة رمزية عميقة تتصل بالصراع الإنساني اللامادي منها الأحلام ، الأمل، السعادة، الوقت، العمر وغيرها.

كان العنوان دلالة ناقوس الخطر للإنسان الواعي حتى يدرك مخاطر العالم بين الواقعي والافتراضي.

الفضاء المكاني في العالم الواقعي: أثر المكان على البطل

احتوت الرواية على الفضاء المكاني الجغرافي أو الواقعي الذي صور حياة البطل في نشأته الأولى مرحلة الطفولة وبداية شبابه، وشكل المكان آثارا عميقة وتأثيرا واضحا عند البطل يقول غاستون باشلار فالمكان الأول في وجداننا العاطفي سواء كان كوخا أو قصرا يترك أثره في اللاوعي الذي يعيد إنتاج الصور عن ذات المكان) ومن هنا فقد شكل الفضاء المكاني  عاملا مهما في الرواية متمثلا في حياة البطل  وبداياته الأولى مع المكان واشتغلت الكاتبة بعمق على سرد أضواء من حياته واسرته وطبيعة المكان المحيط به منها قولها في بداية الرواية:

(أمام باب المتجر كان يقف ذلك الصبي الوديع) ثم صورت حالته النفسية قائلة: (أبحث عن ذاتي في الفراغات في اللوحات المعلقة على الجدران في الشبابيك التي تضج الضوء كشريان يربط الخارج بالداخل) كان المكان الجغرافي حاضرا صور حالته وتأثيره الداخلي نحو المكان:

(بين دُمى المتجر ورحيق تجاربي كنت أحاول تحديد نقطة وصول فهي حياتي)

ثم توغل الفضاء المكاني في وصف أجواء القرية والبيئة المحيطة به (حياة الاجتماعية الأب (يمشي صامتا يكتنفه الهدوء وتغشاه السكينة نمر بساحة القرية فتستوقفني أزاهير صغيرة صفراء على جذع شجرة السنديان الكبيرة) تلاحقت الصور المكانية ورسمت مشهدا واقعيا للمتلقي مفاده طفولة البطل متواضعة وهادئة في ظل والده والقرية الجميلة بأهلها وبساطة الحياة فيها بكل عفوية ونقاء :

(نتخطى المحلات الصغيرة التي تفوح منها رائحة الخبز الطازج ) ( نصل إلى بيتنا عند حافة القرية كانت تستقبلنا حديقته الصغيرة)

تضمنت الرواية الحديث عن القرية بكل تفاصيلها الجيران، أصدقاء والده، رسمت الكاتبة الشخصيات القروية التي تفاعلت مع المواقف اليومية فقدمت للقارئ مكان المضيء بحياة الرضا والاستقرار في القرية.

حينما نتوقف عند بائع الخضار صديقه القديم كنت استمع ليه يتحدث عني بكثير من التفاصيل يخبره عن براعتي في صنع الدمى وعن صمتي الطويل وعن انعزالي عن الأطفال الآخرين)

عمقت الأديبة ريما حالة الصبي ورغبته في تلقي العلم والمعرفة لكن قيود أسرته وأجواء بيئته (القرية) كانت بصماتها مؤثرة تأسيسه المعرفي.

كنت أتمهل حينما نمر أمام المدرسة الوحيدة في القرية) ( كان يعرف أن عيني تتعلقان بأسوار المدرسة ويعرف أيضا مدى حبي للدراسة فينتبه  إلى خطواتي البطيئة في هذا المكان تحديدا ويحثني على السرعة)

تهيئة المتلقي لقراءة الرواية امتدت نحو خطوات متأنية لتصوير حياة البطل وعلاقته بوالده والمحيطين به، هذه الشخصية التقليدية صقلت المكان بروح الطيبة والمال القروي وسكنت نفس المتلقي في ظل فوضى الحاضر، ربطت الكاتبة المشاهد بين زمن الماضي وقراءة المكان بكل دلالته الواقعية والمصداقية والتأثيرية وصولا إلى تشويق القارئ نحو الحدث.

في الدكان البسيط المتواضع تنطلق مواقف تعلق البطل بالشخصيات مثرة في حياته منها شخصية مريم التي تزور المكان وتتعاطف مع البطل. فرسخت في ذاكرة الصبي الصغير وكان المكان المفتوح متفاعلا مع الشخصية مؤثرا في ذاكرته.

هذا المكان كان حافلا بمواقف صغيرة ولكنها حفرت في ذاكرة البطل وظلت بصماتها راسخة في نفسه، منها زيارة مريم للدكان وتعلقها بالصبي  (عندما دخلت الدكان كانت تلاطفني وتتأملني كثيرا   بسؤالها عن قيمة الدمى دمية دمية كنت أخبرها عن كل ما تريد إلا عن دميتي الخاصة أخبرتها أنها لي وليست للبيع) تعلق البطل بالدمية تعلقه لاتصالها بالزمن الماضي وارتباطها بوالدته.

(قضيت طفولتي أحاول أن أكون الابن الذي يتمناه)

(قالوا كالشمس يضيء المكان)

(الدمى حكايات من الوجدان تنمي مهارات الأطفال تخلق لهم عوالم من الخيال وأحيانا تحفظ التراث) ملغي

وهكذا استمدت الكاتبة من القرية ملامح حياة الطفولة البطل وبيئته وإقامته وسرقت طفولته وصباه في خدمة والده

(بعد ثلاثين عاما تغير كل شيء)

قصة دميته حياة، تعلق بالدمية لفقدانه بأمه، وبالتواصل مع الآخرين.

ثانيا- الفضاء الرقمي:

انتقل الفضاء المكاني من عالم الواقعي إلى الافتراضي فاتسع حضور الشخصيات وتطورت المواقف وتصاعدت الأحداث وكان الفضاء المكاني مسرحا لهم جميعا يشكل أحلامهم وأوهامهم في العالم الرقمي.

بدأت بعتبة العناوين الداخلية منها الجنة الرقمية سناب وشات فيسبوك، إنستا هنا تشكلت الأمكنة الافتراضية وحولت الشخصيات الساكنة إلى المتحركة  ))

تغير المكان وفتح آفاقا جديدة في حياة البطل وأصبح المكان المفتوح افتراضيا يفتح عوالم كثيرة بينما الواقع يتقاطع المكان في غرفة أو مكتب هذا المكان المغلق في حضوره يتسع أفه في شد المتلقي وسعادة مؤقتة للبطل يطل من خلاله على شبابيك العالم وقصص بين الحقيقة والخيال.

آدم (ظل واقفا عند البوابة دقائق يحمل رهبة المكان كل شيء أمامه يومض بطريقة غريبة أضواء أيقونات، صوت عميق تردد في المكان قائلا ( لقد أصبحت جزءا من هذا العالم)

اختلفت الشخصيات في العالم الرقمي (ما أثار دهشته أكثر كانت الشخصيات التي تتحرك من حوله بعضها وجوه شهيرة وأخرى لا يعرفها ) فبدأ الفضاء بشوشا كقريته الصغيرة) عملت الكاتبة على إشارات مكانية متواصلة لربط حالة البطل وتجديده للحياة..

أعطت الكاتبة تسميات للأمكنة الافتراضية منها الغرفة الرقمية (هذه الغرفة خزانة ملابس تاريخية رقمية).

الشاشة الرقمية (كل ما هناك أنك في مهمة ستتغير بها أفكارك لتثبت فهمك للدور الذي تؤهلك له الحياة الافتراضية) هنا بداية سرقة الوقت من المكان حياة مسروقة تحت مظلة العالم الافتراضي ومكانه الشاشة وأزقتها المتنوعة. هذه الحياة الجديدة اعتمدت على المشاهدة البصرية والقراءة السريعة وقوة التواصل الاجتماعي بمختلف أشكاله.

(كم سيلزمني من الوقت هنا)… يعتمد على إرادتك ..(دارت عيناه في المكان بحذر شديد) مكان افتراضي (بدا كأنه يجمع العالم كله في مكان واحد)

الغرفة الرقمية ( أرسل بصره يستكشف المكان)

بدأت المقارنة بين ذكريات أمه وهي تصنع الخبز في الحديقة والمكان الرقمي الذي يسرق الجمال الروحي ويقدم أحلام وهمية في عالمه الافتراضي

اتسم المكان الافتراضي بالحوار مع أقرانه وترتيب بياناته عن عمره ومكانته الاجتماعية وشيئا فشيئا فهو من مواليد التسعينيات وهذا الزمن يناسب المكان الوهم افتراضي جيل الجنة الرقمية وأحلامها الافتراضية

بذلك تطور المكان الافتراضي معتمدا على الانفتاح والتواصل البصري والسمعي وحركة الحواس وعمل البطل على التخلص من بيئته لكنه أبت أن تطاوعه ذاته في تغيير الأمكنة.

شبابيك للاستشارات النفسية عنوان داخلي حرك الحدث واللقاء بشخصيات افتراضية جديدة المتمثلة في حواء، ريمائيل، آدم،سرمد.

كانت الشبابيك تصور حالة المكان الواقعي وما يدور حوله من هموم وحكايات بين الحقيقة والخيال.

هذا الانبهار الافتراضي تقاطع مع حالة البطل اليومية وسرق وقته وأحلامه واكتشف شخصيات ترتدي أقنعة مزيفة وغير حقيقية، منها:

السرقة الالكترونية، الصداقة الوهمية، وغيرها.

( إلى الدكتور عبد الله : تم التدقيق) في هذا العرض الرقمي المفتوح)

(الافتراضية يتجول الأصدقاء بحثا عن التواصل لكنهم في الحقيقة ليسوا أصدقاء تتنوع غاياتهم وتصب ميعها في بحر الهروب من الواقع)

الشاشة مكان جمع بين حضورها في الواقع ألا وهو الغرفة والمكان الافتراضي شكلت ملامح الفوضى في (نظر آدم أمام الشاشة)

( لم يخمن في بداية الأمر ما يحمله هذا الفضاء الافتراضي لكنه كان يعشق المغامرة) (منصة بلوك فيرس) شاشة ضخمة أشبه بمرآة مائية انعكست عليها الوجوه)

لغة الجسد والمكان الشخصية والذوق تظهر في الجسم واللباس والمشاعر الحقيقية في الحركات أما الآن فلا حضور لها)

(كيف أواجه هذه الوحدة الرقمية ؟ هل أطفئ ضوء الشاشة وأعود إلى ذاتي حيث لا رسائل لا إشعارات؟

(لكن الحكاية لم تنته بعد لقد كتب آدم الرواية وسرقها د.عبدالله ونشرها باسمه)..

هكذا فالرواية تدعو إلى التأمل والنظر أمام عالمنا الافتراضي والذكاء الاصطناعي الذي بات يغزو الإنسانية ويبعدنا عن الواقع بكل صوره فمتى تنتهي هذه الشبابيك التي سرقت العمر والوقت والأجيال. 

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *