كرة القدم … حلم جميل 6

كرة القدم … حلم جميل 6

حين يتحول الهتاف الى مشروع وطن 

ان الهزيمة أمام فرنسا في الربع النهائي لا تمحو جمال الحلم، بل تمنحه معناه الأعمق. فرغم أن المباراة قد انتهت، الا أنها أيقظت في الوجدان المغربي مجموعة أسئلة لم تنتهي بانتهاء صافرة الحكم.

حين انتهت المباراة … وبدأ الأمل

لقد انتهى الحلم الكروي المغربي أمام فرنسا، لكن ما انتهى في الملعب لا ينبغي أن ينتهي في الوعي. فهناك أحلام تهزمها النتيجة، وأخرى تنتصر لأنها توقظ أمة بأكملها على إمكانياتها الكامنة. وما عشناه خلال هذه المسيرة لم يكن مجرد متابعة لمباريات كرة القدم، بل كان لحظة جماعية نادرة شعر فيها المواطن بأن الانتماء يمكن أن يتحول الى طاقة، وأن الأعلام المرفوعة في المدرجات قادرة على أن تجمع بين كل القلوب حول معنى واحد يتلخص في محبة الوطن والفخر به، والدفاع عنه في كل المحافل. لقد كان المنتخب الوطني مراة لوطن يحلم بأن يكون دوما أفضل – وإذا استثنينا المقابلة ضد فرنسا – نكون قد رأينا شبابا يقاتلون في الملاعب التي مروا منها، بإصرار وعزيمة ويؤمنون بأن المستحيل ليس قدرا أبديا. وحينما انتهت المنافسة خرجوا ورؤوسهم مرفوعة لأنهم أعادوا الى المغاربة
ثقتهم في القدرة على الإنجاز حين تتوفر الرؤية والعمل والانضباط .

1- الدرس الذي يتجاوز كثرة القدم … دعوة إلى الشباب

غير أن أجمل ما في هذا الحلم ليس ما حققه المنتخب من نتائج، بل ما كشفه من حقيقة عميقة: فالطفرة التي عرفتها كرة القدم الوطنية لم تولد صدفة، ولم تكن ضربة حظ، بل كانت ثمرة سنوات من الاستثمار في البنيات التحتية … التكوين … التخطيط …المتابعة … ربط المسؤولية بالمحاسبة. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق نهاية هذا الحلم هو: أليس المواطن (ة) أحق بمدرسة جيدة ،كما هو أحق بمستشفى يحفظ كرامته ؟ ثم أليس هو أحق بتعليم رسمي يصنع مستقبله، كما صنع المنتخب مستقبلا كرويا مشرقا ؟ أليس هو أحق بفرص شغل تحفظ له الأمل بدل أن تدفع به إلى الإحباط أو الهجرة القسرية ؟

وتبقى الرسالة الأجمل التي يمكن أن نتوج بها هذا الحلم هي توجيه النظر الى الشباب المغربي، لا باعتباره مجرد جمهور يصفق فقط، بل باعتباره قوة حقيقية قادرة على صناعة نهضة شاملة. لأن الوطن لا يبنى بالأهداف وحدها، بل يبنى ب :
* باحث يخلص لعلمه في المختبر.
* طبيب يرى في المريض انسانا قبل أن يراه ملفا.
* رجل / امرأة تعليم يزرع الأمل في تلاميذه.
* مهندس يبتكر حلولا لمشكلات المجتمع.
* صحفي يضع الحقيقة فوق الاثارة أي كانت.
* مقاول يخلق فرص العمل بدل البحث عن أي ربح سريع.
* سياسي يستحضر المصلحة العامة فوق كل ما هو ذاتي أو مصلحة ذاتية ضيقة.
* مواطن يحترم القانون لأنه يؤمن بأن الوطن ملك للجميع.

2- من الطفرة الرياضية الى النهضة الوطنية

لقد أثبتت كرة القدم أن المغرب قادر على المنافسة العالمية حين تتوفر الارادة والرؤية. ويبقى التحدي الحقيقي اليوم هو أن تنتقل هذه الروح إلى مجالات الصحة … التعليم … التشغيل … الاعلام … الإدارة…البحث العلمي.
فنحن لا نحتاج فقط الى ملاعب حديثة، بل الى مدارس عصرية كاملة التجهيز والى أطر تربوية تستفيد من التكوين المستمر المواكب لمختلف مستجدات البيداغوجية ولا نحتاج فقط الى مراكز تكوين رياضي، بل الى مراكز تكوين علمي وتقني تفتح آفاق المستقبل أمام الشباب. ولا نحتاج فقط الى احتراف اللاعبين، بل نحن في أمس الحاجة الى احتراف تدبير الشأن العام. وعندما تصبح المواطنة ممارسة يومية لا شعارا مناسباتيا ، وعندما يصبح الاتقان قيمة عامة لا استثناء نادرا، عندئذ يمكن للوطن أن يحقق في مختلف المجالات ماحققته كرة القدم من تحول نوعي.

3- الحلم الذي لا ينبغي أن ينتهي

لقد علمتنا هذه المسيرة الكروية أن المغرب قادر على أن يدهش العالم حين يؤمن بنفسه وقدراته. وما دام شباب هذا الوطن يحمل في دواخله الروح نفسها التي حملها اللاعبون فوق العشب الأخضر، فإن المستقبل يظل مفتوحا على إمكانات أوسع من حدود الرياضة، وعليه فلنجعل من هذا الوداع الكروي بداية عهد جديد، يكون فيه تشجيع المنتخب خطوة أولى نحو تشجيع الوطن كله، وطن ينتصر في الملاعب …المدارس… الجامعات … المستشفيات … فضاءات العمل … ضمير
المواطن ، وحين يتحقق ذلك سنكتشف أن أجمل أهداف المغرب لم تسجل في الشباك، بل سجلت في بناء المواطن ،فتكون تلك هي الرسالة الأعمق التي يتركها لنا الحلم المغربي، لأن الرياضة يمكن أن تفتح باب الأمل على مصرعيه، خاصة وأن النهضة الحقيقية عادة ما تبدأ عندما يتحول الأمل الى عمل يومي من أجل الإنسان والمواطنة والوطن.

عنقا الادريسي المختار

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *