خواطر امرأة

خواطر امرأة

أشباح تحرس ما تبقى من الحلم

تمهيد مدخلي

هناك مراحل في العمر لا ننشغل فيها بما عشناه أو كناه ذات زمن ، بل بما تبقّى داخله مما لم يُعش كاملا . ومع اقترابنا من خريف العمر، تصبح الروح أكثر حساسية تجاه التفاصيل الصغيرة، وأكثر ميلا إلى مراجعة الطريق الطويل الذي كنا له عابرين،بين الواجب والرغبة . بين ما أحببناه وما اضطررنا إلى التخلي عنه ليس رغبة منا ، وإنما حفاظا على توازن الحياة واستمرارها ، واستحضارا لكل المنتظرات .
في هذه المرحلة الهادئة ظاهريا، المزدحمة باطنيا، نكتشف أن الأحلام لا تختفي تماما،بل تبقى معلقة في زوايا الذاكرة.تحرسها وجوه راحلة، مواقف عابرة ، كلمات لم تُقل محبات ظلت مقاومة للصمت والانكسار . وهكذا بعد عُمْرٍ طويل نترك خلفنا ظلالا إنسانية رافقتنا بصمت ، اختيارات وتنازلات عدة تحولت مع الزمن إلى أسئلة مؤجلة داخل القلب.ومن هنا تأتي هذه التأملات ، لا باعتبارها رثاء لعمر لم ينته بعد ،بل محاولة انصات عميق لذلك “الأنا” الذي سكنني وظل لسنوات طوال مشتغلا بإسعاد الآخرين ، وتحمل المسؤوليات ،وتأجيل الرغبات الذاتية ،قبل أن أجدني أخيرا وجها لوجه أمام أسئلة كبرى من قبيل :
ماذا بقي من أحلامي الأولى؟ ما الذي يتبقى حين يهدأ ضجيج وصخب الحياة ؟ وهل يمكن للمحبة رغم كل التضحيات والتجاذبات، أن تظل الملاذ الأخير للروح؟
إنها تأملات في الإنسان حين يصبح أكثر قربامن ذاته، وأكثر فهما لهشاشته، وأكثر إدراكا أن بعض الأشباح التي تسكننا ليست إلا آثار حب عائلي قديم، ووفاء طويل، وأحلام لم تمت رغم تعب وأهوال الطريق.

تأملات في خريف العمر بين المحبة والمسؤولية

كلما صرنا على مقربة من المحطة الأخيرة لقطار الحياة، إلا ونشعر بأن ” الزمن يضيع في الزمن “- على حد ما غنت فيروز – فنشعر بأن دواخلنا صارت مزدحمة بوجوه غير مرئية … أصوات بعيدة … أشباح رمزية لا تتوانى في حراستنا حتى من أنفاسنا. أشباح ليست مخفية بالمعنى المتداول والمعتاد ، بل هي كائنات من الذاكرة ، من الواجب ،من الأحلام المؤجلة … نصير معها أقل صخبا وأكثر انصاتا لما يسكننا . فنكتشف أن الحياة لم تكن مجرد قرارات تتراوح بين الوهم والعقلانية ، بل كانت أيضا سلسلة من التنازلات النبيلة أحيانا ، والمؤلمة أحايين أخرى . فكم من حلم شخصي أُجِّل لأن العائلة الكبرى كانت أولى ؟ وكم من رغبة صامتة تم دفنها احتراما لمسؤوليات ثقيلة ؟ وكم من تعب تم ابتلاعه بابتسامة حتى لا ينكسر من أحببناهم ؟
إن خريف العمر ليس شيخوخة بالضرورة ، بل هو لحظة وعي عميق بهشاشة الإنسان وجسامة ما يحمله من ضجيج .فاذا كنا في فترة الشباب نعتقد أن القوة تعني الانتصار، فإننا مع تقدم العمر نكتشف أن القوة الحقيقية تكون دوما في القدرة على الإستمرار رغم الخيبات التي قد تتراكم ضدا على رغباتنا ، وفي الحفاظ على دفء القلب رغم برودة المشاعر المتزايدة . وقد نصل إلى هذه المرحلة وأرواحنا ممتلئة بغبار الأزمات اليومية: العمل، الأسرة،الصداقة،الوفاء، الصبر..
الصمت الطويل. فتصير الأحلام نفسها متعبة ، كأنها طيور دائمة الهجرة ولم تعد تعرف أين تستقر. غير أن الأجمل – رغم كل ذلك – يتحدد في أن الإنسان يظل حارسا لما تبقى منها بعناية خفية، كمن يحرس نسمة عليلة في ليل صيفي قائظ. وتبقى الأشباح التي تحرس أحلامنا ليست دائما ذكريات أشخاص رحلوا فقط بل قد تكون صورا قديمة لأنفسنا. نسختنا التي كانت تؤمن أن الحياة أبسط وأن المحبة تكفي ، وأن الإخلاص يُكافأ دائما ، وأن التعب لا يضيع . ومع توالي الزمن ، نصطدم بحقيقة أكثر تعقيدا : فالحياة ليست عادلة دوما، وأن أكثر الناس عطاء قد ينتهون إلى أكثرهم صمتا.
وهكذا يصبح الحنين في خريف العمر أكثر حكمة، لأنه لم يعد صَاخِبا يبتغي استرجاع الماضي، بل حنينا يتأمل ما مضى بعين أكثر هدوءا. فبعض العلاقات لم تنجُ، وبعض الأمنيات تأخرت عن مواعدها، وبعض الطرق لم نعد قادرين للعودة إليها. لكن الروح تتعلم بالتدريج أن تنظر إلى كل ذلك بوصفه جزءا من رحلة الحياة لا فشلا فيها. ولعل ما يؤلم الإنسان في هذه المرحلة ليس تعب الجسد، بل تعب الروح من كثرة ما أخفته حفاظا على الآخرين. لأن القلوب الطيبة والنبيلة غالبا ما تتقن الصمت أكثر من اتقانها للشكوى. ولهذا يبدو كثير من الناس في خريف العمر هادئين من الخارج، بينما تعيش دواخلهم حروب كاملة لا يراها أحد. ويبقى في أعماقهم شيء يشبه الضوء. تقوده المحبة القديمة … الذكريات الصادقة … بعض الوجوه التي منحت الحياة معناها الحقيقي. الأمر الذي يجعل الإنسان قادرا على مواصلة السير، ويمنحه القدرة على الابتسام وسط التعب ونوازل المرض ويعلمه كيف يغض الطرف رغم الجراح. وحينها نفهم أن الأشباح التي كانت تحرس أحلامنا، لم تكن أشباح فزع أو خوف، بل أشباح حماية ووفاء، وفاء للطفل (ة) الذي كان كثير الحلم، ولذلك الإنسان الذي تعب كثيرا من أجل إسعاد الآخرين، وظل يحاول أن يحب الحياة بما استطاع (ت) من أعماق القلب.

ثريا الطاهري الورطاسي
طنجة في 29 ماي 2026

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *