“روحال” صوت يصدح من أزمور إلى ذاكرة الجمهور

“روحال” صوت يصدح من أزمور إلى ذاكرة الجمهور

 الفنان الذي حول وجعه إلى طاقة أهدأ..

   منير لكماني

في التجارب الفنية التي تترك أثرا، لا يكفي الصوت وحده لصناعة الإسم. هناك شيء آخر، أكثر خفاء وأشد تأثيرا، يصنع العلاقة بين الفنان وجمهوره: الصدق. ومن هذه الزاوية تحديدا يمكن قراءة حضور أيوب روحال، الفنان الشاب القادم من مدينة أزمور، الذي لم يعبر إلى المتلقي من باب الأداء فقط، بل من باب السيرة الإنسانية التي رافقت صوته منذ ظهوره الأول.

لم يكن مرور أيوب روحال في برنامج «النجم الشعبي» مجرد مشاركة عابرة في مسابقة تلفزيونية، بل كان لحظة كشف عن موهبة وجدت في الشاشة فضاء لتقديم نفسها لجمهور أوسع. ظهر إبن أزمور هادئا، قريبا من الناس، غير متكلف في حديثه ولا في حضوره. وبقدر ما كان صوته يفتح له الطريق، كانت شخصيته تمنح ذلك الصوت معناه وإمتداده.

قبل الغناء، عرف أيوب تجربة أخرى بعيدة عن الخشبة، حين كان حارس مرمى. وقد تبدو المسافة كبيرة بين المرمى والميكروفون، غير أن التجربتين تلتقيان في جوهر واحد: الإنضباط، التركيز، ومواجهة الضغط. فالفنان، مثل الرياضي، لا يصنع حضوره في لحظة التصفيق فقط، بل في ساعات التدريب، وفي قدرته على التحكم في القلق، وفي إستعداده الدائم لأن يكون في مستوى اللحظة.

ضمن مساره في «النجم الشعبي»، شكل أداؤه لأغنية «عايشة» محطة لافتة، بعدما نال إعجاب لجنة التحكيم وحصل على الأصوات الأربعة التي أهلته إلى نصف النهائي. ولم يتوقف مساره عند هذه المحطة، بل واصل التقدم إلى النهائي ضمن أربعة متنافسين، في مؤشر واضح على أن الجمهور واللجنة وجدا أمامهما صوتا قادرا على حمل اللون الشعبي بروح جديدة، من دون أن يقطع صلته بأصالته.

وتزداد قيمة هذه التجربة حين نتوقف عند مشاركته في النهائي إلى جانب الفنانة نجاة عتابو. فالوقوف بجانب إسم من هذا الحجم ليس تفصيلا فنيا عابرا، بل إمتحان حقيقي للحضور والثقة والقدرة على التفاعل مع ذاكرة فنية راسخة في وجدان المغاربة. هناك بدا أيوب أكثر وضوحا: فنانا شابا يعرف أنه في بداية الطريق، لكنه لا يدخل الخشبة مرتبكا، بل محترما لها ولمن يقاسمه الغناء فوقها.

غير أن ما يمنح تجربة أيوب روحال خصوصيتها لا يختصر في مراحل برنامج أو في أغان أداها بنجاح. فصورته لدى الجمهور تشكلت أيضا من مادة إنسانية صافية: شاب لا يخجل من عاطفته، ولا يتنكر لجذوره، ولا يخفي دموعه حين يتحدث عن أمه. في تلك اللحظات، لا يظهر الفنان بوصفه صاحب صوت فقط، بل بوصفه ابنا يحمل في داخله معنى الوفاء، ويجعل من رضا الوالدين سندا أخلاقيا ونفسيا في طريق الشهرة.

وهنا تكمن المفارقة الجميلة في شخصية أيوب: فهو يدخل عالما يعرف بالمنافسة والضوء والضجيج، لكنه يحتفظ بنبرة هادئة وقيم واضحة. يتحدث عن الأخلاق لا كزينة لغوية، بل كجزء من تعريفه للفن. فالغناء عنده ليس أداء صوتيا معزولا، بل إلتزام تجاه الجمهور، وإحترام للمهنة، وإيمان بأن إتقان العمل هو الطريق الأجدر إلى الإستمرار.

ولعل المعاناة التي مر منها لم تطفئ هذا الجانب، بل زادته صفاء. فكثير من التجارب الصعبة تترك في أصحابها مرارة واضحة، أما أيوب فيبدو كمن حول وجعه إلى طاقة أهدأ، وإلى تسامح يمنحه قربا أكبر من الناس. لذلك لا يحضر في المخيلة كصوت شعبي فقط، بل كحكاية شاب صعد من الهامش المحلي إلى الضوء الوطني، حاملا معه صورة الإنسان قبل صورة النجم.

بعد «النجم الشعبي»، واصل أيوب روحال تثبيت إسمه من خلال حضوره في سهرات وبرامج فنية، من بينها «نجوم الشعبي» و«باحة الإستراحة». وهذا الإستمرار مهم، لأنه يميز بين من يلمع لحظة ثم ينطفئ، ومن يحاول أن يبني مسارا متدرجا، يتغذى من العمل لا من الصدفة، ومن محبة الجمهور لا من الضجيج العابر.

إن أيوب روحال يمثل اليوم وجها من وجوه التحول في الأغنية الشعبية المغربية: فنان شاب يستند إلى التراث، لكنه يقدمه بحس قريب من جيله؛ إبن مدينة صغيرة نسبيا، لكنه إستطاع أن يجعل صوته يتجاوز حدود المكان؛ وصاحب حضور لا يقوم على الصخب، بل على خليط نادر من الحساسية، والجدية، والوفاء.

ليست شهرة أيوب روحال نهاية الحكاية، بل بدايتها الحقيقية. فالفنان الذي يصعد بالصوت وحده قد يصل سريعا، لكنه لا يستقر طويلا. أما من يصعد بالصوت والأخلاق، وبالذاكرة العائلية، وبإحترام الخشبة والجمهور، فإنه يملك فرصة أوسع ليصنع إسما لا يمر مرور الأغنية العابرة، بل يبقى في وجدان من أحبوه.

30/05/26 ألمانيا

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *