حين يصبح البيت ذاكرة للحياة (3 )
الطفل “المجعور” الذي كنته…
المحكية الثانية
تقديم تأملي:

كلما تقدمت بنا السنون، الا ونكتشف أن الذاكرة لا تحتفظ فقط بالأحداث الكبرى التي غيرت مسارات حياتنا، بل تحتفظ – أيضا – بتلك التفاصيل الصغيرة التي بدت عابرة في حينها، لكنها تحولت مع الزمن إلى مرايا نطل منها على طفولتنا الأولى.
فبعض الذكريات لا تكمن أهميتها فيما وقع فيها من أحداث بل فيما تكشفه لنا اليوم عن طبيعة العلاقات الإنسانية التي أحاطت بنا ذات زمن قد ولى بغير رجعة، وعن مقدار الحب والصبر الذي كان يحيط به الكبار طفولتنا بكل ما فيها من نزق وعناد وبراءة. ومن تلك الصور البعيدة التي ما تزال قائمة في ركن دافئ من الذاكرة ، صورة جدتي لأبي، وصورة ذلك الطفل المشاغب الذي كنته يومها، والذي لم يكن يدرك أن المحبة الحقيقية هي تلك التي تحمل نزوات الطفولة وغضبها دون شكوى. وهي أيضا حكاية أب كان يبحث عن علاج لابنه بكل الوسائل المتاحة في ذاك الزمن، مدفوعا بحب لامتناهي وأمل لا يعرف اليأس ، وإيمان بسيط بأن البركة قد تفتح بابا تعجز عنه كل الأسباب العادية.
الجدة والطفل البكَّاء.
استمرارا في رحلة الاستعانة بالذاكرة لاسترجاع كل المحكيات المتعلقة بطفولتي، أجدني أعود إلى واحدة من أقدم الصور الراسخة في مخيلتي. صور تعود إلى سنوات ما قبل ستينيات القرن الماضي، حيث كانت جدتي لأبي تحتل مكانة استثنائية في عالمي الطفولي الصغير. بحيث كنت شديد التعلق بها إلى درجة يصعب علي إيجاد تفسير منطقي لها اليوم. كانت بالنسبة إلي عالما كاملا من الحنان والأمان. لكنني كغيري من الأطفال، كنت أعبِّر عن هذا التعلق بطريقة أقرب إلى النزوات الطفولية وعنادها، حتى أني كنت أرفض أن تتناول المسكينة طعامها قبل أن اكل أنا – وكم وقح سلوكي ذاك – وكنت أراقب الأمر بعين طفل لا يفهم شيئا من منطق الحياة سوى أنه يريد أن يكون محور اهتمام الجميع وكانت تستجيب لي في صبر عجيب، فتؤجل طعامها وتطاوع رغباتي الصغيرة وعنادي المتزايد، بينما كان والدي ينظر الى ذلك السلوك الأرعن بكثير من الغضب والاستغراب، ويحاول عقابي غير أني كنت أحتمي بجدتي التي كانت تمنعه. ولم يكن لدي من سلاح سوى البكاء المتواصل، ذاك البكاء الذي جعل أفراد الأسرة يطلقون علي وصف“الطفل المجعور“، وهو وصف ظل عالقا بالذاكرة أكثر من معناه نفسه، الذي لم أعرفه إلى اليوم على وجه الدقة .
1- الطفل المجعور الذي كنته
لقد ظل هذا المصطلح أو “المفهوم “عالقا بذاكرتي إلى الآن . وبينما أدون هذه المحكية ، ارتأيت أن أستند إلى مايوحي به في الثقافة الشعبية ،فاكتشفت أنه يشير إلى الشخص العنيف المتهور الذي لا يتوانى عن إثارة الفوضى. أما في السياقات العائلية المغربية، فيطلق على الطفل الكثير الحركة … المشاكس … الحرون، الذي يصعب التحكم في تصرفاته، وهو عادة ما يكتسي عدة مظاهر منها :
* فرط الحركة والاندفاع ولا يهدأ .. ويتحرك بتهور مما يجعله معرضا للأذى.
* يدخل في حالة ( جعار) ، وهي نوبة بكاء وصراخ شديد للضغط على والديه من أجل تلبية رغباته . وبالبحث في المادة المعجمية أو الاستناد الى معاجم اللغة العربية نجد أن الجذر اللغوي لمصطلح ” المجعور” هو ( ج.ع.ر ) الذي يحمل دلالات ارتبطت تاريخيا بالشراسة والطباع الغليضة ثم تطور مجازيا في الدارجة المغربية ليرتبط بالأطفال ذوي تلك الصفات المشار إليها، وهي جميعها أوصاف وسلوكات كانت تتوفر في وأمارسها – تبعا لشهادة أخي الأكبر – وقد كانت الأسرة في العقود الماضية وأمام غياب الوعي الطبي بالاضطرابات النفسية أو السلوكية ،تفسر تلك الحالة غير الطبيعية ” الصراخ الهستيري،
العناد الشديد …” بأنها ناتجة عن (العين الحارة – الحسد – المس من الجن… )
واعتمادا عليه فإن العلاج يبدأ من البحث عن قوة روحانية مضادة، الأمر الذي يعتقدون بوجوده في حركة الأولياء الصالحين .
2 – الاستنجاد ببركة الأولياء
ويبقى ذاك السلوك المتوتر وماكان يصاحبه من عصبية هو ما دفع بوالدي رحمة الله عليه، إلى البحث عن أي سبيل يمكن أن يخفف ماكان يراه حالة غير طبيعية لدى ابنه الصغير الذي لم يتجاوز بعد السادسة من عمره. وفي زمن كانت فيه القناعات الشعبية تمتزج بالإيمان والرجاء ، قيل له إن زيارة ضريح مولاي بوعزة ، قد تكون سببا في حصول الشفاء والبركة . وهكذا وجدته يشد الرحال بي في رحلة ثنائية إلى ذاك الضريح، وهي رحلة لاتزال بعض مشاهدها مطبوعة في مخيالي،وصورهاحاضرة أمام عيني رغم مرور كل تلك العقود . وأتذكر جيدا – وكأنه الأمس القريب – وصولنا إلى ذاك المكان، وأستحضر على وجه الخصوص صورة شيخ كانت هيبته تملأ الفضاء من حوله، كان ذا لحية بيضاء طويلة منسدلة على صدره ، يجلس في وقار وصمت يفترش سجادة للصلاة مصنوعة من صوف خروف، فوق مرتفع ملحوظ. اقتربنا منه فأخذ يمسح على رأسي بحنان ويحرك شفتيه – دون أن أتذكر ما كان يردده – ، ثم أخرج من تحت الفراش الذي كان يجلس عليه ورقة نقدية من فئة مائة فرنك ومدها لي، لكن عين الطفل كانت ترى الأشياء بطريقة مختلفة عن عيون الكبار. فبينما كان الجميع يرى في المشهد بركة وطمأنينة، وقعت عيناي على خنجر موضوع تحت فراشه. لم أفهم شيئا من دلالته أو وظيفته، لكن صورته زرعت في نفسي رعبا فوريا لا يقبل أي نقاش. وفجأة تحول المكان كله في مخيلتي إلى فضاء مقلق ومتعب، وأصبحت فكرةالبقاء أو المبيت هناك – كما كان يرجو والدي – مستحيلة . بكيت … رفضت …تشبث بموقفي بكل ما أوتيت من عناد ورعونة طفولية، فلم يجد الوالد المسكين بدّا من العدول عن فكرته والعودة السريعة بي إلى بيتنا بحي عين الشق. واليوم حين أستعيد هذه الواقعة، لا أبتسم فقط أمام براءة الطفل العنيد الذي كنته.. بل أتوقف أيضا عند المعاني الأعمق التي كانت تختبئ خلف المشهد. فأتأمل صبر جدتي الذي لم أكن أقدره آنذاك، وحب والدي الذي دفعه إلى التنقل بي مسافات طويلة املاً في أن يجد لابنه راحة أو شفاء مما هو فيه. وأدرك أن ما بقي في الذاكرة ليس الضريح ولا الخنجر ولا المائة فرنك، بل ذلك الخيط الخفي من المحبة الذي كان يربط أفراد أسرتنا بعضهم ببعض. لقد كانت الجدة تحتمل عنادي … ارتباطي بها لأنها تحبني، وكان الأب دائم البحث عن علاجي مما أنا فيه لأنه يحبني. خاصة وأني كنت سأودع الحياة بعد اليوم الثالث من ولادتي،جراء مرض فجائي ألم بي. وهو المكلوم من فقدان طفلين سابقا، أولها طفله البكر وثانيهما ولد آخر أكبر مني سنا. أما الطفل – الذي كنته – فلم يكن يملك سوى البكاء والصراخ ليعبر عن خوفه وحاجته إلى الأمان.
وهكذا تعلمنا الذاكرة، بعد سنوات طويلة أن الحب لا يظهر دائما في الكلمات، بل كثيرا ما يتجسد في صبر الجدة … تحمل الوالدة … قلق الأب …حرص الأسرة على طفل صغير لم يكن يعرف يومها أن كل ذلك التعب كان اسمه الحقيقي : المحبة الصادقة.
