بنت أبيها…
وحكاية رجل عصامي

في منتصف أربعينيات القرن العشرين، ومن قلب أرياف أولاد حريز بنواحي الدار البيضاء، وُلد والدي وسط أسرة فلاحية كبيرة مستقرة، حيث كان والده من كبار فلاحي المنطقة، يعيش من خيرات الأرض ويؤمن بقيمة العمل والاعتماد على النفس. هناك تشكّلت ملامح طفولته الأولى في بيئة قروية أصيلة غرست فيه، منذ وقت مبكر، معنى المسؤولية والصبر. وفي سن مبكرة، انتقل صغيرًا إلى بيت شقيقه الأكبر بمنطقة بلفدير في الدار البيضاء ليلتحق بالمدرسة الابتدائية، غير أن مساره الدراسي انقطع في السنة الثالثة أو الرابعة، فعاد إلى قريته ليعمل في الفلاحة إلى جانب والده، وهناك تزوّج شابًا، في سن لم تتجاوز العشرين عامًا، وفق عادات البوادي المغربية. ومع بداية ستينيات القرن نفسه، اختار أن يهاجر من جديد إلى الدار البيضاء ليخوض تجربة حياة جديدة، مدفوعًا بطموح أكبر من حدود القرية، تاركًا زوجته الشابة أمينة في بيت والديه، ليواجه وحده مدينة لا تمنح النجاح إلا لأصحاب الإرادة. عمل في مهن كثيرة، وتنقل بين أعمال متعددة، إلى أن استقر به الحال في التجارة كبائع متجول للملابس الجاهزة. وكان يومه يبدأ مع طلوع الفجر، ولا ينتهي إلا مع صلاة العشاء. وبين الأسواق والأحياء الشعبية، وبعرق الجبين، استطاع شيئًا فشيئًا أن يبني نفسه بنفسه، فانتقل من البدايات المتواضعة إلى الاستقرار، وراكم رزقًا مباركًا، وبنى بيتًا كبيرًا في الدار البيضاء، وامتلك محلات تجارية وأراضي، دون أن ينسى جذوره الأولى، فعاد لاحقًا إلى أولاد حريز ليواصل ارتباطه بالأرض والفلاحة، جامعًا بين نجاح المدينة ووفاء الأصل.
في قلب هذه الرحلة، كانت والدتي أمينة شريكته الحقيقية، المرأة التي تحملت مسؤولية البيت، وساندته في سنوات التأسيس الأولى، وشاركت معه، بصبر وصمت، بناء الأسرة. استقبل الزوجان أول أبنائهما أحمد، ثم محمد، ثم الحسن، قبل أن أولد أنا، رشيدة، الابنة الوحيدة التي جاءت بعد انتظار طويل ودعوات كثيرة من أم كانت تحلم بأنثى تؤنسها؛ إذ كانت والدتي قد نشأت هي أيضًا وسط إخوة ذكور فقط، وكانت تتمنى أن تُرزق بفتاة تعوض لها ذلك الشعور، وتمنحني أنا أيضًا أختًا أشاركها الحياة، غير أن القدر شاء أن يكون أخي الأصغر يوسف هو آخر العنقود، فبقيت أنا الوحيدة بنتًا بين أربعة إخوة ذكور. وقد ارتبط يوم ميلادي بقصة ظل والدي يرددها طيلة حياته؛ ففي ذلك اليوم، وبينما كان يبيع في أحد أسواق الدار البيضاء، تعرض لمضايقة شديدة من أحد رجال الأمن، وأُجبر على تغيير مكانه المعتاد، فشعر، للحظة، بثقل اليوم، وقال في نفسه إنه يوم مشؤوم. لكن ما إن انتقل إلى المكان الجديد حتى تبدل كل شيء؛ إذ توافد عليه الزبائن بشكل غير مسبوق، وباع في ذلك اليوم البارد من أيام دجنبر أكثر مما باعه في أيام طويلة، فعاد إلى البيت محملًا بالرزق، واشترى لأول مولودة له خاتمًا وسوارًا من ذهب، ومنذ تلك اللحظة أصبحت “بركة العمر” في قلبه. أحبني حبًا استثنائيًا، حتى إنه كان يخشى عليّ من نسمة هواء باردة أو حارة، ورباني كأميرة صغيرة، يختار لي أجمل الملابس، وأفضل الصحبة، ويناديني منذ طفولتي بـ“الأستاذة”، مؤمنًا أنني خُلقت لمسار علمي كبير، وكان يصر دائمًا على أن أحصل على أكثر من شهادة دكتوراه واحدة، وأن الزواج لا يكون إلا من رجل يقدّرني ويحترمني.
كبرت وأنا أحمل داخلي صورة الأب الذي لم يكن مجرد والد، بل مدرسة في الكرامة والعطاء. كنت أعيش تفاصيل تعبه كأنها جزء مني؛ أنتظر عودته من العمل بشوق، وأغسل قدميه بالماء الساخن والملح حين يعود منهكًا، وقد تورمت قدماه من طول الوقوف والسعي، فأشعر بتعبه قبل أن يتكلم، وأحزن لحزنه، وأفرح لفرحه. وحين اخترت الزواج عن حب، بعد أن أصبحت أستاذة، من رجل كان في بداية حياته، لكنه يملك الاحترام، قاوم والدي الفكرة أولًا بدافع خوفه عليّ، حتى إنه قال، خلال تعارف العائلتين، إن ابنته لا تصلح للأشغال المتعبة، لا تكبرًا، بل حبًا وخشيةً من أن يمسها ما لا تستحق. وحين تم الزواج، بكى خلسة، وتروي والدتي أمينة أنها رأته أكثر من مرة، بعد رحيلي، يردد بحزن: “الدار خاوية”. ورغم زواجي، لم تتغير مكانتي في قلبه يومًا؛ بقيت ابنته المدللة، يحرص على وجودي إلى جانبه في المناسبات، ويفضل جلوسي قربه، ويتصل بي يوميًا ليطمئن عليّ وعلى أبنائي، ويغمرني بعطائه كما لو أنني ما زلت طفلته الصغيرة. لقد علمني أبي أن العلم تاج المرأة، وأن الكرامة أساس الحياة، وأن الاحترام أثمن من المال. لذلك، حين أكتب عنه اليوم، لا أكتب فقط عن رجل عصامي بدأ من الأرض وصنع مجده بيديه، بل أكتب عن أب عظيم جعل من ابنته أميرة عمره، وسيظل تراب قدميه تاجًا فوق رأسي ما حييت، وسيبقى أبي حبي الأول، وفخري الأبدي، وقدوتي في كل تفاصيل الحياة، وسبب اعتزازي بأنني ابنة رجل مثله.
ومهما حاولت الكلمات أن تصف أبي، فإنها تبقى عاجزة أمام صدقه وبساطته وإنسانيته. فقد كان ولا يزال رجلًا يحترمه الكبير والصغير وكل من عرفه، لا لمالٍ أو جاه، بل لطيبته وصدقه ووقوفه مع الناس دون انتظار مقابل. كان حضوره يبعث الطمأنينة، وكلمته تحمل وزن الموقف، وابتسامته تختصر إنسانيته. أحبّه الناس كما أحببته أنا، لأنه كان صادقًا في كل شيء: في عمله، وفي عطائه، وفي قلبه الذي لم يعرف إلا الخير. لقد ترك في كل من عرفه أثرًا جميلًا، وسيبقى اسمه مرتبطًا بالاحترام والوقار والإنسانية قبل أي شيء آخر.
ولعل أجمل ما يمكن أن يُختصر به معنى الأب، ما قاله أنطوان فرانس:
“قلب الأب هو هبة الله الرائعة.” — أنطوان فرانس
