مذكرات أستاذة مغربية في سلطنة عمان

مذكرات أستاذة مغربية في سلطنة عمان

حين تختبر الكرامة

الحلم والانكسار

ثريا الطاهري الورطاسي

كلام للبدء: ليست كل غربة سفرا ، ولا كل عودة نهاية . فثمة تجارب تعبرنا في زمن قصير ، لكنها تترك فينا أثرا يُعَمِّرُ طويلا ويمتد لسنوات ، تعيد ترتيب علاقتنا بأنفسنا وبالعالم من حولنا . فحين غادرت المغرب في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، لم أكن أحمل معي سوى حقيبة صغيرة وحلم كبير : أن أكون حيثما حللت أستاذة تنير عقولا وتشبه ما امنت به من معاني للتعليم . فكانت سلطنة عمان ، يومها تبدو لي أفقا جديدا للتجربة والانفتاح على العالم الأسيوي ، لكن الطريق الى ذلك الأفق لم يكن مفروشا بالورود والامال العريضة كما تخيلت .
فهذه الصفحات ليست مجرد حكاية عن مهمة تعليمية خارج الوطن ، بقدر ماهي شهادة عن لحظة انسانية دقيقة ، حين يجد المرء نفسه أمام سؤال صامت : [ هل يواصل الطريق مهما كان الثمن ، أم ينصت لذاك الصوت الخفي والخافت في داخله ، الذي يقول كفى ؟ ]
فبين قرية شاطئية هادئة في أقاصي سلطنة عمان، ومكاتب ادارية باردة في أرض الوطن، تتشكل هذه المذكرات كمسار مزدوج : مسار تجربة مهنية، تستعصي على الفهم، ومسار تشكل داخلي لما يحدث حين يصطدم الحلم بواقع لا يشبهه. وحين يجد الإنسان نفسه مضطرا للاختيار بين أن يستمر بأي ثمن … أو ينسحب حفاظا على ما لا يعوض .

منطقة ” السويح ” حين بدأت الأسئلة

لم تكن سنة 1989 سنة عادية في حياتي. كنت يومها في مقتبل العمر، أشتغل استاذة لمادة الاجتماعيات بمدينة الناظور، أدرس بثقة من يعتقد أن العالم يمكن أن يفهم وربما أن يصلح، وأنا المسلحة بالأفكار التقدمية التي تربية عليها في صفوف الحركة الطلابية بكلية الآداب ” ظهر المهراز ” بمدينة فاس. وقد اقتنعت وقتئذ بأن التعليم رسالة شريفة قبل أن يكون وظيفة. وعند عودتي من عطلتي السنوية التي قضيت جزءا منها بمدينة الضباب ” لندن ” – لأني كنت مولوعة بالسفر – . أُخْبِرت أنني ضمن البعثة التعليمية المتوجهة إلى سلطنة عمان، شعرت عندئذ بشيء يشبه الغبطة والفرح المشوب بالحذر، وهمست لنفسي قائلة: انها فرصتك لتُطِلي على العالم الأسيوي الذي ستكونين قريبة منه، فلا تتأخري في الالتحاق بهذه البعثة حتى ولو كان ذلك ضد رغبة والدتك. أذكر جيدا أن صديقة لي وأنا أودعها، تقول : [ الغربة يا ثريا كتعلّم بزاف … غير أنها قد تجرح … ترهق … تؤلم … ] . ابتسمت لقولها ولم أعلّق، معتقدة أن الغربة رغم قساوتها في الكثير من الأحيان، قد تكون فضاء أرحب لاكتشاف الذات والمحيط واغناء التجربة. كنت أظن أنني مستعدة لكل شيء، في سبيل تلبية رغبتي في زيارة آسيا – على اعتبار أن سلطنة عمان بوابة لها – فشاء الحظ والقدر أن تكون منطقة “ السويح ” من نصيب اقامتي التعليمية، وهي قرية شاطئية تفتقر الى أبسط مقومات الحياة،  فترة الانارة فيها محدودة ما بين 3 الى 4 ساعات يوميا، أما الماء فنتزود به عن طريق خزانات جماعية .. وهي قرية يلامس فيها البحر اليابسة بحنان كبير ، ويجود على الساكنة بخيراته الوفيرة، ورغم شظف العيش وقسوته فان الساكنة من أطيب خلق الله، كما سأكتشف لاحقا. لقد كان قرار “حجز جواز سفري ” أول صفعة أتلقاها يوم أن وطأت أقدامي أرض السلطنة، بدعوى أنه إجراء معمول به في كل دول الخليج، تقبلته مرغمة رغم عدم اقتناعي.

في صباح  اليوم  الأول من شهر أكتوبر دخلت قسم التعليم الاعدادي – لأن المنطقة تفتقر إلى مدارس ثانوية – وجدت أربع تلميذات … وربما خامسة تلتحق أحيانا. تبادلنا النظرات، كأننا جميعا نحاول فهم هذا اللقاء غير المتوقع. كان المشهد التعليمي هشا، محدود الامكانيات – بكل ما في الكلمة من معنى –

قلت بابتسامة خفيفة: [ سنصنع من هذا العدد القليل فرصة كبيرة للتطور والتحصيل المعرفي والرقي . ما رأيكن؟ ]

نظرن الي باستغراب وكأن على رؤوسهن الطير. كأن الصمت يومها اللغة الوحيدة التي يفهمنها. لم تكن العملية التعليمية من الصعوبة بمكان، لأن الصعوبة كانت تتراوح بين تولي مسؤولية الإشراف على ما سمي بالمدرسة، إلى معلمة مِصْرِيَةٍ قديمة تفتقر الى أبسط مقومات التسيير الإداري والبيداغوجي، يغلب عليها طابع التحكم والصرامة الزائدة – إن لم أقل التسلط – غير المبرر . كانت سلطتها التربوية ” التحكمية ” توزع بطرق غريبة عن ما له علاقة بالشأن التربوي، تميل الى الشدة أكثر مما تميل الى التوجيه أو النصح – الذي لم أكن في حاجة إليه بعد أن قضيت ما يقارب 7 سنوات من الخدمة في المجال – وكانت تعليماتها تعطى بصيغة لا تحتمل أي نقاش بعيدة عن ما تفرضه المواكبة والإشراف والتأطير، بل بما يشبه الوصاية الثقيلة التي تضيق على الأنفاس. وبالتالي لم تكن عملية التدريس هي الصعوبة ، لأن الصعوبة كانت في ما لا يقال داخل الفضاء المُشْرَع للمؤسسة، وفيما يفرض من قرارات.
في أحد الأيام استدعيت إلى الإدارة، فخاطبتني المسؤولة بنبرة حازمة :

– [ ستتولين تدريس مادة التربية الإسلامية إلى جانب مادة الاجتماعيات ]
فكان جوابي الرفض التام، فأنا أستاذة السلك الثاني للاجتماعيات ومع ذلك تطوعت لأدَرس السلك الأول . ومن سخرية القدر أني أضحيت مسيحية – في نظرها – بعد أن رفضت تدريس مادة اسلامية ، ومن هنا نشب الخلاف الجوهري بيننا. ثم زعمت أن مستواي أكبر بكثير من مستوى المتعلمات . وبعد ذلك انتقَلت الى مرحلة أكبر من التضييق معتقدة أن سلطتها وقراراتها ينبغي أن تنفذ بالحرف . فما كان مني الا أن أرفض ذاك الوضع ، ليس بدافع التحدي وإنما بدافع الكرامة والإصرار على صفاء ونقاء رسالتي التربوية مع التلميذات القليلات . واصلت عملي كما كنت قد بدأته بهدوء وايمان، مركزة على أن ما أقوم به لا يخلو من معنى وبعد تربوي متزن وسليم الى أن فوجئت ذات صباح بلجنة تفتيش، كان عددها يفوق عدد تلميذات القسم. دخلوا تباعا ، دفاتر … ملاحظات … نظرات دقيقة، شعرت معها تلميذاتي أن القسم ضاق بهن فجأ . وإن كنت أنسى فلن أنسى أن هذه اللجنة حضرت معي درسا في التاريخ كان عنوانه “ الحركات
الوطنية في المغرب العربي” وقد اشتغلت فيه مع التلميذات وفق ما درجت عليه من اعداد ومنهجية – عندما كنت بمدينة الناظور – رغم افتقاري لأي وسيلة تعليمية ، لأن المؤسسة تفتقر إليها فاستعنت برسم خريطة توضيحية لتقريب المجال الجغرافي للتلميذات ، وقد لاقى هذا الاجتهاد استحسانا كبيرا من طرف تلك اللجنة. وفي نقاش مع أحد مسؤوليها عن غياب المعينات الديداكتيكية ، قال لي بلهجته المصرية : [ اربط الحمار مطرح ما صاحبو عايزو ] . وقد ساهمت الانطباعات التي خرجت بها اللجنة والثناء الذي أصدرته ، في تزكية مواقفي . لتكتمل صورة البهاء والاعتراف بجودة القدرات والمؤهلات الشخصية .

عندما توصلت الإدارة بتقرير التفتيش المتوج بنقطة 96 من 100، قامت القيامة لأن معظم المدرسات تراوحت علاماتهن المحصلة ما بين 50 و65 من 100 ، ولم تكن تلك النقطة تكريما لي بقدر ما كانت بداية توثر خفي . إذ أثارت نوعا من الحساسيات داخل الوسط المدرسي الذي أتواجد به .
ثم جاءت عطلة شهر مارس 1990 ، وبدأت أفكر في السفر ، فطلبت من مسؤول التعليم منحي جوازي لأني أرغب في السفر الى” الهند ” كما كنت أحلم ، وبعد أن سألني عن إمكانياتي المادية ، أخبرته بأن في حوزتي من العملة الصعبة ما يمكنني من السفر ، غير أنه رفض تسليمي إياه بحجة الوصاية عني .

فقررت أن أسافر خارج منطقة السويح ” بعد أن اتفقت مع الصديقة ” حبيبة ” وهي مغربية تشتغل مدرسة للاجتماعيات بمنطقة قريبة تسمى “ الرويس ” لم ألتق بها منذ أن غادرنا أسوار كلية الآداب بفاس. اتفقنا معا على السفر إلى مدينة مسقط على الأقل هروبا من جحيم الوسط القروي الذي رمتنا إليه أقدارنا. لم يكن طلبنا كبيرا، فهو مجرد انتقال داخل تراب نفس البلد . غير أن الجواب كان جاهزا: [ السفر يكون جماعيا، وتحت إشراف المسؤولة التربوية ] ، تبادلت النظر مع صديقتي وابنة بلدي “حبيبة “، فقالت لي : [ واش هاذ الشي معقول ؟]

فأجبتها بنبرة خافتة : [ اذا سكتنا، غادي يبقى هاذ الشي ساري المفعول وعادي ].

اتفقنا على أن نطلب السفر بمفردنا. طلبنا كان بسيطا إلا أن وقعه كان ثقيلا. بعد أيام من الانتظار والشد، جاء الرد:

[ يمكنكما السفر، لكن بشروط ] وأمام فرحة الخروج للإطلالة على الحضارة والمدنية – المفتقدة في السويح و الرويس- لم نسأل عن تلك الشروط، فيكفينا انتزاع حق صغير لنا ما كان ينبغي لنا التخلي عنه.
وصلنا الى مسقط. فنزلت وحدي  بفندق “ الموفانبيك“.  كنت أشعر بشيء من الخفة والاطمئنان لأستمتع بعطلتي، بينما تجمعت العناصر الأخرى باحدى الصالات المخصصة للاقامة الجماعية بمسجد السلطان قابوس. وعن طريق الصدفة أخبرني رجل الاستقبال بالفندق ذات مساء بأن شخصا ما جاء للسؤال عني واستطلاع تحركاتي اليومية، فتيقنت أن أحد مسؤولي التعليم أوفد من يراقبني في محاولة منه للتجسس على سلوكي.. أنا التي رفضت السفر والإقامة – المجانية – مع الجماعة . لقد كان الموقف مهينا، لكنه يبقى كاشفا لما كنته أو أنا عليه. ورغم القساوة/ المرارة … انتابتني موجة هستيرية من الضحك، فقلت مع نفسي بصوت مرتفع:

– [ يراقب ماذا ؟ صمتي .. احترامي .. انضباطي .. التزامي .. تفردي .. وحدانيتي .. خيبتي .. تعبي … أم ماذا ؟]

هذا وحده كان كافيا ليكشف حجم الشك الذي كنا نعامل به لا لشيء إلا لصيانة كرامتنا والدفاع عنها.
ومما أذكره خلال تلك الفترة أن صلتي بالأعلام كانت منقطعة لدرجة أني فوجئت بعد أن أخبرت بإطلاق سراح “ نيلسون مانديلا ” يوم 11 فبراير 1990، بعدما قضى 27 سنة من السجن، الأمر الذي شكل بداية نهاية نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا.
بعد عودتي الى قرية” السويح ” وتوالي الأيام تغير الجو، نظرات … همسات … برودة غير مبررة ، رغم الطيبوبة اللامتناهية لسكان المنطقة . وفي احدى الأمسيات، جلست وحدي قرب البحر أسترجع ذكرياتي : مرحلة الدراسة بالكلية والنضال الطلابي … ملامسة أول خطواتي المهنية بالناظور … عائلتي بكل حميميتها … فترات العطلة التي أقضي معظمها في السفر.. التنقل بين العديد من دول العالم الأوربي … غيرها كثير من الأشرطة التي كان خيالي يصفعني بها . فأردد:

[ هل يستحق الوضع الذي أعيشه هنا كل هذا العناء وتلك التضحية ؟ . هل أستمر على نفس الخطى ، أم أتدارك ما ينبغي تداركه فأعود الى أحضان أسرتي وبلدي ؟ ]

لم يطل ترددي ولا تفكيري، فبعد ستة أشهر فقط اتخذت قراري بالعودة النهائية الى أرض الوطن . وفي نهاية الموسم الدراسي اتخذت قراري بهدوء تام [ أرغب في إنهاء مهمتي ] ،

نظر الي المسؤول بدهشة : [ بهذه السرعة ؟] فكان جوابي القطعي:

– نعم ، لقد اخترت العودة حفاظا على كرامتي عوض الاستمرار في بيئة وأجواء تثقل الروح ، ان لم أقل أنها تقتلها.

طالب بجواز سفري حتى أتمكن من العودة الى المغرب، بعد أن أحسست – متأخرة – بأن شيئا ما قد سحب مني، عند صولي للسلطنة … ليس جواز السفر، بل جزء من حريتي.

بعد شد وجذب .. وتسويفات ووعود بنقلي للتدريس بالتعليم الثانوي والتعيين بمدينة مسقط خلال الموسم الدراسي الموالي … غير أن كل ذلك لم يجعلني أقتنع. فقررت المغادرة ، دون أن أطالب بأي شيء، لا أجرة ولا تعويض، كنت فقط أريد أن أستعيد نفسي … كرامتي … حريتي … عائلتي … ذكرياتي. عدت الى وطني وأسرتي . ولكن العودة لم تكن سهلة. كان علي أن أشرح، أن أبرر، أن أواجه أسئلة لا ترى إلا الظاهر.
في أحد المكاتب الوزارية ، سألني مسؤول : [ لماذا لم تكملي التجربة ؟ ]
نظرت اليه وقلت: [ لأن التجربة لم تكملني ] . فبقيت ما يزيد على ستة أشهر بدون عمل وبدون أجرة . ولولا تدخل أحد أفراد عائلتي مشكورا لحل مشكلتي،..

اليوم.. بعد كل تلك السنوات، لا أرى تلك الأشهر كفشل. لقد كانت درسا قاسيا لي في الحياة، نعم … لكنها كانت أيضا لحظة وضوح وتلخيص مبدأ أساسي في الحياة، هو أن الكرامة لا تؤجل أبدا.
وعندما أكتب الان فأنا لا أدين أي أحد، بل أقول : [ ان خلف كل تجربة صامتة … حكاية تستحق أن تروى ].

يتبع


Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com