خواطر امرأة

خواطر امرأة

بين الحزن الراقي وذاكرة الأم

كلام للبدء

يحل عيد الأم بالمغرب – وهو مناسبة لتكريم الأمهات، الأحياء منهن والأموات – ليصادف يوم الأحد الأخير من شهر مايو كل عام. وعادة ما يتم الاحتفال به الى جانب الدول المغاربية، كل من فرنسا والسويد وهايتي وساحل العاج ومدغشقر … وغيرها. بينما يُحْتفل به في الأحد الثاني من ماي، في كل من الولايات المتحدة وكندا وبلجيكا وسويسرا والصين. أما الدول التي تحتفل بهذا العيد في الثامن من مارس فهي روسيا ورومانيا وأفغانستان. في حين نجد أن معظم الدول العربية تحتفل به في 21 مارس من كل عام. والمناسبة هذه، أجدني مدفوعة – من حيث لا أشعر – بحنين داخلي لنسج هذه التأملات، وإلى استحضار ذكرى وفاة والدتي المشمولة برحمة الله وعفوه الكبير .

1 بين الحزن النبيل وذاكرة الأمومة

ها أنت يا عيد الأم تأتي كل عام محملا بالورود والكلمات الدافئة وعبارات الامتنان، تأتي محمولا على أكتاف الحنين، تسبقك في القلوب مواسم خفية من التأمل والوجع الصامت. فينشغل العالم بالورود والتهاني وتقاسم الكلمات الدافئة، وهناك في ثنايا زاوية بعيدة من الذاكرة، تجلس بعض الأرواح لتقلب صور الغائبين بصمت موجع…  تحاول أن تُخفي ارتجافة القلب … تستحضر يوما كانت فيه الأم روحا نابضة بالرأفة والحنان. غير أنه بالنسبة لبعض القلوب لا يمرّ هذا اليوم كعيد عابر، بل كنافذة منفتحة على ذاكرة لا تزال تنبض بالاشتياق لأم رحلت الى رحمة الله، فتتحول المناسبة إلى إمتحان داخلي عسير … مواجهة هادئة بين الإنسان وذاكرته … موعد صامت بين القلب وغيابه الكبير، ذكرى تختلط فيها المحبة بالفقد، والدعاء بالدمعة المؤجلة، والامتنان بالحزن الراقي الذي لا يصرخ ، بل يكتفي بأن يملأ الروح بشعور خافت لا يفهمه إلا من جرَّب يتم القلب. وحين تكون الأم قد رحلت إلى رحمة الله، لا يعود عيد الأم مجرد تاريخ عابر في الروزنامة الشخصية بل يتحول إلى إمتحان عسير، إلى مواجهة حارقة بين الواحد منا وذاكرته، بين ما يعيشه اليوم وما فقده إلى الأبد. سنتان وأكثر مرّت على انتقال تلك الفاضلة الصافية الحسني الورطاسي إلى عفو الله ورحمته. غير أن الزمن – مهما طال – يبقى عاجزا عن إطفاء الفراغ الخفي الذي تركته لي. فالأم ليست شخصا يعبر الحياة ثم يغيب، بل هي المعنى العميق للأمان، والدفء الذي لا نشعر بقيمته كاملة إلا حين نفتقده. ثمة غياب يمكن احتماله، وغياب آخر يشبه اقتلاع جزء من الروح. وعموما يبقى غياب الأم من هذا النوع الأخير، إذ يظل القلب بعده كمن يبحث في الزحام عن وجه يعرفه، أو يصغي وسط الضجيج إلى صوت لن يعود. وهي لا ترحل أو تغيب تماما … بل تبقى موزعة في تفاصيل الحياة الصغيرة … في الدعاء المستدام … رائحة البيت القديم… ساعة الصباح … اجتماعات أسرية موسعة … طبق كانت تعدّه بمحبة وصفاء … كل ذلك وغيره حُرِمْتُ منه. نبرة حنانها التي لا يستطيع أحد أن يأتي في مكانها أو حتى أن يقلدها … الشعور الخفي بالأمان الذي لن يُعوض. لذلك يأتي عيد الأم، فيغمرني إحساس عميق بأن هناك قلبا غائبا كان يحب دون رياء أو شروط، فأحسه اختيارا داخليا صامتا :
فكيف يمكن الإحتفال به، أو إحياء ذكراه وأنا أفتقد مصدره الأول؟ وكيف أستطيع أن أشرح للآخرين أن بعض الأحزان لا تُرى، لأنها مستقرة في أعماق الروح.
إنه حزن لا يصرخ، ولا يستجدي انتباه أحد، بل يكتفي بأن يمرَّ كغيمة هادئة فوق الروح، فيجعل العين أكثر شرودا، والصوت أكثر خفوتا، والقلب أكثر ميلا إلى العزلة والتأمل. لهذا حين يقترب عيد الأم يختلج قلبي بصمت، وتحضرني الذكرى كنسمة ممزوجة بالدعاء والدموع المؤجلة، فينتابني الحزن الراقي، النبيل ذاته … الحزن الذي يجعل العين أكثر شرودا في مثل هذه المحطات ، فأكتشف أن بعض الأحزان تصبح مع الزمن أكثر رقيا وهدوءا، فهي لا تعود رغبة في البكاء بقدر ما تصير حالة من الحنين النبيل الذي يجعلني أبتسم وأنا أتألم. أتذكر وأنا أحاول أن أبدو بخير ولعل أقسى ما في ذاك الفقد أن الواحد منا يظل – مهما تقدم به العمر – يشعر في داخله بِيُتْم خفي، كأن جزءا منه قد انطفأ إلى الأبد.

فالأم ليست فقط من تمنح الحياة ، بل هي أيضا من تمنح القلب شعوره العميق بالمحبة…الأمان … الانتماء . لهذا حين يقترب عيد الأم، قد لا يحتاج البعض إلى كثير من الكلام، فيكفي الواحد أن يختلج قلبه بصمت، وأن تمر الذكرى كنسمة ممزوجة بالدموع المؤجلة والدعاء لكل الأسماء التي لم تعد حاضرة بالجسد، ولكنها ما تزال تسكن الوجدان، تمثل حضورا لا يغيب. وفي مثل هذه اللحظات لا يجد الإنسان ما يليق بالأم سوى الدعاء، وما يليق بحبها الصادق سوى الوفاء، وبغيابها الكبير – ووالدي سي أحمد الطاهري وأخي سي محمد الطاهري – سوى ذاك الصمت النبيل الذي تتكلم فيه الروح أكثر مما تنطق به الأحرف والكلمات.

2 حين تبكي الروح بصمت مطبق

ليست كل الدموع مرئية، فثمة بكاء اخر لا تعرفه العيون، بكاء صامت يحدث في الأعماق، حين تتعب الروح من حمل ما لا تستطيع البوح به. فالإنسان لا يبكي دائما حين يتألم ، لأن بعض الآلام هي أعمق من أن تتحول إلى دموع . فهناك أوجاع تستقر في الداخل بهدوء ثقيل، تسكن القلب والروح فتجعلنا أكثر صمتا. ولعمري ذاك هو الحزن الراقي المتجلي في الكف عن البوح من جراء خذلان لامتناهي . نصير معه أكثر شرودا وأشد إحساسا بالأشياء التي قد لا ينتبه إليها الآخرون . وحين نُلبِسها رداءات الحزن الراقي وتبكي أرواحنا بصمت، فإننا لا نبحث عن الشفقة، ولا ننتظر مواساة أي كان ، لأننا ندرك أن بعض الأحزان شخصية لدرجة لا يمكن مشاركتها إلا مع الأقلية القليلة جدا . فهي حالة من الامتلاء الداخلي بالألم، فيبدو معها الإنسان متماسكا من الخارج ، بينما تعيش أعماقه حالة من الإنكسار الهادئ . يلبس قناع الرضى … يبتسم احتراما للآخرين … يواصل تفاصيل يومه المعتادة… يجيب عن الأسئلة العابرة بكلمات مقتضبة ، لكن قلبه في مكان آخر،
بعيد ومتعب ، مثقل بما لا يقال . ولعل ما يرهق الروح ليس الحزن في حد ذاته، بل الاضطرار الدائم إلى اخفائه . فيحمل وجعه بأناقة صامتة ، ويُخبئ ارتجافات قلبه خلف ملامح هادئة ، ويُصارع أحيانا ذاته للخروج من انكساراته، وهو الموزع بين حنايا القلب ومنطق العقل، عندما تَهُبُّ عليه أعاصير الإحتجاج الداخلي، فيجد نفسه في لحظات بكاء صامت، لا تكون الروح فيه راغبة في الكلام. بل في شيء لا يَعْلَم إلا أنه أعمق من كل كلام، في حضن معنوي يطمئنها، في غياب لن يعود. في زمن يستعيد فيه دفء الطمأنينة الأولى. ولهذا فإن أكثر الناس هدوءا قد يكونون أكثرهم تعبا من الداخل . أولئك الذين تعلموا ( ن ) كيف يتربون على جراحهم وحدهم، وكيف ينامون كل ليلة وهم يحملون في صدورهم حنينا لا ينطفئ ، وأسئلة لا تجد جوابا ، وذكريات تمرُّ على القلب كأنها تعيد فتح بوابة الغياب عنده من جديد. فحين يتعلق الأمر بفقدان الأم والغياب القسري عن منزل العائلة ، وهو القريب البعيد ، فإن بكاء الروح وحزنها الراقي يصبح أكثر عمقا وخفاء ، وأشد إيلاما، لأن الانسان – والحالة هذه – يفقد جزءا من دفئه الداخلي … صوته الآمن … إحساسه الصادق . بعد أن حاصرته مشاعره في زحام الصمت والتصنع والمحاباة، فيتحول إلى صندوق أسرار يأبى أن ينفتح . وشيئا فشيئا يصبح القلب أكثر حساسية لذاك الفقد المزدوج ، وأكثر ميلا إلى التأمل الصامت، ويصير الحنين رفيقا يوميا لا يغادر الروح . ومع ذلك فان هذا الحزن الراقي المصحوب بالبكاء الصامت ليس علامة ضعف، بل هو – في نظري – أرقى أشكال الوفاء فالذين يحبون بعمق ، يتألمون بعمق أيضا ، لكنهم يحملون أحزانهم بكرامة هادئة ويواصلون السير في دروب الحياة بمختلف منعرجاتها، وفي قلوبهم دعاء لا ينقطع لمن رحلوا ومحبة لا يستطيع الغياب أن يمحوها . وفي نفوسهم عتابا كبيرا لمن لم يِحْفَظْ الوِّد ولم يُحَافِظْ على العَهْد .

ثريا الطاهري الورطاسي

طنجة في 14 ماي 2026

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *