“تذكر النحل”… رواية للكاتبة زينب مكوار
رواية الذاكرة والطبيعة الجريحة

تدخل رواية «تذكّر النحل» للكاتبة المغربية الفرنسية زينب مكوار إلى القارئ من باب الحكاية العائلية، لكنها لا تلبث أن تفتح أمامه أسئلة أوسع عن الذاكرة، والطبيعة، والفقد، وما يتركه الجفاف في الأرض والإنسان معا. لذلك جاء تتويجها بـ جائزة أوريزون 2026 في بلجيكا، المخصصة لأفضل رواية ثانية مكتوبة باللغة الفرنسية، إعترافا بعمل روائي إستطاع أن يحول موضوعا بيئيا إلى تجربة إنسانية مؤثرة. صدرت الرواية عن دار غاليمار سنة 2024،
إختارت لها الكاتبة قرية إنزركي بالأطلس الكبير، حيث يوجد منحل جماعي تقليدي يعد من أقدم المناحل في العالم. ومن هذا المكان، لا باعتباره خلفية للأحداث فقط، بل باعتباره ذاكرة حية، تنسج مكوار رواية عن الإنسان حين يفقد صلته بالأرض، وبالعائلة، وبالكائنات الصغيرة التي تحفظ توازن الحياة.
بطل الرواية طفل في العاشرة من عمره إسمه أنير. يعيش أنير مع أمه عائشة وجده، بينما يغادر والده عمر إلى أكادير بحثا عن المال والعمل، رغبة منه في علاج زوجته ونقل أسرته إلى المدينة. يبدو أنير طفلا بريئا يحب النسور، ويستمتع بحكايات جده عن النحل والمنحل، غير أن هذه البراءة تخفي وراءها عالما قاسيا، مليئا بالصمت والأسرار العائلية. فالرواية لا تكشف كل شيء منذ البداية، بل تجعل القارئ يكتشف الحقيقة تدريجيا، كما يكتشفها الطفل نفسه.
تقوم الرواية على موضوعين أساسيين:
الأول عائلي ونفسي،
والثاني بيئي واجتماعي.
فعلى المستوى العائلي، نرى أما صامتة ومنكسرة، وأبا غائبا بسبب الفقر والحاجة، وجدا يحاول حماية حفيده ونقل معرفة الأجداد إليه. أما على المستوى البيئي، فنرى قرية تعاني من الجفاف، ومنحلا يتراجع، وشبابا يهاجرون بحثا عن حياة أفضل. وهكذا يصبح خراب العائلة مرتبطا بخراب المكان، وكأن جرح الإنسان لا ينفصل عن جرح الأرض.
تؤدي الشخصيات في الرواية وظائف رمزية مهمة. فشخصية أنير تمثل الطفولة التي ترى العالم ببراءة، لكنها تكشف في الوقت نفسه قسوته. إنه لا يفهم كل ما يجري حوله، غير أن نظرته الصافية تجعل القارئ يشعر بثقل الصمت والخوف والفقد. أما الجد، فهو رمز الذاكرة والتقاليد. إنه يعرف أسرار النحل والمنحل، ويريد أن ينقل هذه المعرفة إلى حفيده قبل أن تضيع. من خلاله تبرز أهمية التراث الشفهي، والحكايات، والعلاقة القديمة بين الإنسان والطبيعة.
أما عائشة، أم أنير، فهي من أكثر الشخصيات عمقا في الرواية. تبدو في البداية إمرأة مريضة وغامضة، لكنها في الحقيقة تحمل جرحا كبيرا وسرا عائليا مؤلما. ويمكن اعتبارها رمزا للأرض الجريحة؛ فهي مثل القرية، تعاني في صمت. صمتها ليس ضعفا فقط، بل هو نتيجة الفقد والقهر والعجز عن التعبير. أما عمر، الأب، فيمثل الإنسان الذي تدفعه الظروف الإقتصادية إلى الرحيل، فهو ليس شريرا، بل ضحية للفقر والهشاشة، يحاول أن ينقذ أسرته بطريقته.
يلعب النحل دورا مركزيا في الرواية. فهو ليس مجرد عنصر طبيعي، بل رمز للجماعة والعمل والنظام والخصوبة. حين يتراجع النحل، فإن ذلك يدل على خلل كبير في الحياة كلها. كما أن عنوان الرواية، «تذكّر النحل»، يدعو إلى تذكر عالم كامل: الأرض، العائلة، الحكايات، والتقاليد التي بدأت تختفي. كذلك يتحول المنحل إلى شخصية جماعية، لأنه يمثل ذاكرة القرية واقتصادها وروحها.
تتميز الرواية بأسلوب شعري بسيط، لا يعتمد على الخطابة المباشرة، بل على الصور الهادئة: الأرض الحمراء، طنين النحل، الجبل، النسور، والجفاف. هذه الصور تجعل القارئ يشعر بأن الطبيعة ليست خلفية للأحداث، بل طرف أساسي فيها. ومن هنا نفهم سبب فوز الرواية بـ جائزة أوريزون 2026؛ فهي لا تعالج البيئة كموضوع خارجي، بل تجعلها جزءا من مصير الشخصيات، كما تجعل الحكاية المحلية في قرية أطلسية سؤالا إنسانيا أوسع عن الذاكرة والهشاشة والبقاء.
في النهاية، يمكن القول إن «تذكّر النحل» رواية عن الذاكرة قبل أن تكون رواية عن النحل. إنها تذكرنا بأن الإنسان لا يعيش وحده، بل يرتبط بالأرض والكائنات الصغيرة والحكايات القديمة. ومن خلال قصة أنير وعائلته، تؤكد زينب مكوار أن نسيان الطبيعة والذاكرة يؤدي إلى الفقد، وأن بداية النجاة تكون في الإصغاء من جديد: إلى الطفل، والأم، والجد، والأرض، وطنين النحل.
18/05/26 ألمانيا
