اليوم العالمي للأسرة

اليوم العالمي للأسرة
United Nations

حين يصبح البيت ذاكرة للحياة

إطلالة أولية

     المختار عنقا الادريسي

لقد أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 1993 عن اعتبار يوم 15 ماي من كل عام يوما عالميا للأسر وذلك بمقتضى القرار A / RES/ 47 / 237 . ويعكس هذا اليوم الأهمية التي يوليها المجتمع الدولي للأسر. وفي هذه السنة خصصت موضوع هذا الإحتفال للأسرة وأوجه عدم المساواة ورفاه الطفل . وذلك من أجل تسليط الضوء على كيفية تأثير اتساع نطاق عدم المساواة على الحياة الأسرية ومستقبل الأطفال . ودعت إلى زيادة الاستثمار في سياسات متكاملة تركز على الأسرة لدعم النمو الصحي للطفل والحد من التفاوتات .وعموما يعد هذا اليوم فرصة لتعزيز الوعي بالقضايا الإجتماعية والاقتصادية كالتعليم ، الصحة ، المساواة ، الحماية الإجتماعية .

أولا: حين يصبح حب الأسرة وطنا صغيرا

الخامس عشر  من ماي  يحتفل العالم باليوم الدولي للأسر، وهي مناسبة لا تقف عند حدود الإحتفال الرمزي العابر، بل تمتد لتكون لحظة إنسانية تفتح باب التأمل في معنى الأسرة باعتبارها النواة الأولى التي يتشكل فيها الإنسان وجدانيا وأخلاقيا وروحيا . يتعلم من خلالها أولى لغات الحب … الانتماء …
الرحمة … الصبر … وكل ما يدور في ذاك الفلك . فالأسرة ليست مجرد رابطة دم ، ولا هي إطار إجتماعي عابر ، ينظم العلاقات بين الأفراد، بل هي الذاكرة الأولى التي يستوطنها القلب قبل أن نسكن الأمكنة الجغرافية المتنوعة . فيها نتعلم الكلمات، نكتشف أولى معاني الرأفة والحنان والخوف والطمأنينة، ونتلمس قيمة المشاركة، ونختبر لأول مرة طعم الفرح، الحزن، الإختلاف، الفقد، التسامح. ويبقى أجمل مافي الأسرة أنها لا تُقاس فقط بما تملكه من امكانات مادية، بل ماتختزنه من دفء إنساني. فكثيرا من البيوت الصغيرة كانت واسعة بالمحبة، بالصبر بالأمل، فصنعت رجالا ونساء كبارا بما غرسته فيهم من قيم الكرامة والتضامن والوفاء. لقد تغير العالم كثيرا، وتبدلت أنماط العيش،و تسارعت إيقاعات الحياة حتى أصبح الإنسان يعيش قريبا جسديا وبعيدا روحيا، ومع ذلك ما تزال الأسرة هي الملاذ الأخير حين تتعبنا الحياة. فهي الحضن الذي يأوينا كلما أثقلتنا الأيام. ومهما اتسعت المدن، وتقدمت التكنولوجيا، وتنوعت العلاقات، يبقى دفء الأسرة أمرا لا يعوضه أي شيء آخر.
وفي المجتمعات العربية عامة والمغربية خاصة. ظلت الأسرة – عبر عقود طويلة – مدرسة للصبر والتكافل والتراحم. لقد كانت البيوت بسيطة في ظاهرها، غنية بعلاقاتها الإنسانية، وكان الكبار يحملون سلطة الحكمة لا سلطة أو تسلط الخوف، وكانت الجلسات العائلية مناسبة لتناقل الحكايات والقيم والتجارب، قبل أن تصبح الشاشات في زمننا هذا أكثر حضورا من الوجوه نفسها.
إن الحديث عن الأسرة ليس حديثا عن مؤسسة اجتماعية فقط، بل هو حديث عن الذاكرة . إذ لكل منا داخل قلبه بيت قديم لا يغادره أبدا ، حتى وإن غادره المكان أو غيَّبه الزمن . فهناك دائما صورة أمٍّ تدعو ، وذكرى أب يتعب بصمت وإخوة وأقارب تقاسمنا معهم تفاصيل حياة الطفولة والشباب ، ووجوه رحلت لكنها ماتزال حاضرة في مخيالنا ، تقيم فينا بطريقة لا يفسرها العقل . ويبقى أجمل ماتمنحه هذه المناسبة هو أنها تفتح لي أبواب الاسترجاع والتأمل، فأعود إلى بعض القصص الواقعية من ذاكرة الأسرة، قصص وحكايا صنعتنا دون أن ننتبه : صغيرة في ظاهرها كبيرة في معناها ودلالاتها، لا تؤرخ لها المذكرات اليومية بقدر ما تحفظها القلوب . فخلف كل أسرة حكايات من التضحية، الصمت، التحمل، الحزن النبيل، ومن الوجوه التي عبرت حياتنا وتركت فينا أثرا لا يمحوه الزمن . وان استرجاع تلك اللحظات ليس مجرد حنين للماضي، بل هو وفاء لذاكرة صنعتنا، واعتراف ضمني بأنني مهما توغلت في دروب الحياة، سأظل حاملا في دواخلي شيئا من رائحة بيتينا الأولين بكل من (عين الشق) و (حي الرميلة) ومن أصوات الذين تبادلت معهم المحبة دون شروط . ولأنني في آخر المطاف لست سوى حكاية برزت في البدايات الأولى لخمسينيات القرن الماضي داخل البيت رقم 8 بالزنقة 114، ثم كبرت مع الأيام لتستقر أولا في السبعينيات بحي الرميلة
وبعده بحي النخيل بالدار البيضاء . فيبقى أجمل وفاء لكل ذلك هو أن أفتح أبواب الذاكرة لأستعيد بعض اللحظات التي عبرت حياتنا الأسرية بهدوء وتركت
في أرواحنا أثرا لن يزول وعلمتنا معنى التحمل والانتماء وجعلت من البيت أكثر من جدران … بل وطنا صغيرا يسكن القلب إلى الأبد .

طنجة في 15. 5. 2026

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *