السينمائية المغربية فريدة بليزيد..

السينمائية المغربية فريدة بليزيد..
MAROC DIPLOMATIQUE

“نقارب المحرمات لتعرية سلطة الدين والجنس والسياسة”

حاورها: إدريس الواغيش
فاس- المغرب

أجريت هذا الحوار مع المخرجة السينمائية فريدة بليزيد في شهر دجنبر 2007 بفاس، نشرته مجلة” عشتروت” اللبنانية. ولأهميته الفنية، أعيد نشره على موقع ألوان، بمناسبة صدور كتاب باللغة الإنجليزية عن مسيرتها السينمائية، وهو كتاب يحمل عنوان:“فريدة بليزيد والسينما المغربية”. الكتاب صادر عن دار “بالكرايف ماكميلن- Palgrave Macmillan”، وهو من تأليف فلورونس مارتان-Florence Martin.

الحوار كما يلي:

فريدة بليزيد واحدة من المخرجات العربيات الرائدات في مجال الإخراج السينمائي، والأكثر انشغالا بهموم المرأة وقضاياها. تسعى دائما إلى تعميق رؤيتها للفن والإبداع، وذلك من خلال إطلالتها الفنية على حركات المجتمع وسكناته، وتحريك الكاميرا في الاتجاه الصحيح، انطلاقا من أسلوبها السينمائي المتميز بالجرأة والتجديد. فريدة فنانة مسكونة، أكثر من غيرها، بحب طنجة وفضاءاتها الساحرة في المدينة القديمة، وضواحي جبالها وغاباتها وشطآنها الجميلة.
إلى جانب اشتغال بليزيد في الإخراج السينمائي، عملت كذلك كاتبة سيناريو لعدد من الأفلام. كان اللقاء الصحافي معها سهلا وممتعا، ودون بروتوكولات معقدة ولا مقدمات، جاء اللباء معها عفويا بشكل لم أكن أتوقعه. ويمكن اعتبار هذا الحوار، واحد مز أجمل الحوارات الصحفية التي أجريتها في المجال الفني على الخصوص. تستقبلك فريدة بابتسامة طفولية بريئة، وبساطة نادرة في شخصيات فنية مشهورة من هذا الحجم.
في قاعة العرض بمركب “الحرية”، كانت الأجواء دافئة، رغم صقيع فاس الشتوي في مساء دجنبر البارد جدا، حيث كانت تدور أحداث فيلم: “ماروك” بكل صخبه ولقطاته “الحارة جدا”.

الكاتب مع السينمائية 2007

في زاوية من زوايا المركب الثقافي”الحرية”، كانت معها جلسة فنية هادئة، وكان هذا الحوار:
– أستاذة بليزيد، نعرفك من خلال إنتاجاتك، وما كتب عنك في الخارج، أقصد المشرق وأوربا تحديدا، ماذا عن فريدة الإنسانة؟
– فريدة.. فنانة، أعمل كمخرجة، أعيش حياة عادية، أعلم وأتعلم من الناس ومن الحياة…عادية جدا…( تضحك).
نعرف أن الفيلم الذي عرض بالمناسبة، كان اسمه في البداية “الحياة البائسة لخوانيطا ناربوني”، لماذا تغير العنوان فجأة إلى “خوانيطا بنت طنجة”؟
السبب بسيط جدا، كي يسهل تداوله بين الناس، وهو ما حصل بالفعل.
– كيف تنظرين إلى السينما النسائية في المغرب؟
– السينما النسائية كنظيرتها الذكورية قائمة الذات، وهناك الآن ما يناهز (12) مخرجة مغربية تعملن في صمت من أجل السينما، وإبراز قدرات المرأة المغربية في المجال السينمائي، وأيضا للدفاع عن قضاياها وحقوقها، وتحقيق المساواة بين الجنسين، وذلك عبر تنمية قدراتهن الإنتاجية في جميع المجالات.
معنى هذا، أنك تؤمنين بأن الإبداع الفني منقسم إلى دورين، كما الإبداع الأدبي، إلى إبداع نسائي وآخر رجالي؟
– لا أقول ذلك، الإبداع عموما لا جنس له، ولكن كما الرجل يدافع عن حقوق الرجل، المرأة أيضا من حقها أن تدافع عن حقوق المرأة، ولكن في إطار من التكاملية .
عندما نتكلم عن المخرجات العربيات، يطفو على السطح اسمي فريدة بليزيد في المغرب وإيناس الدغيدي في مصر، وهي كما تعرفين، تعد الأكثر إثارة للجدل في العالم العربي..
– بيني وبينك، لم يسبق لي أن التقيت بها. هي تعمل بطريقتها ورؤيتها الفنية، وأنا أعمل بطريقتي التي أشتغل بها كذلك. إيناس لها طريقتها في إدارة العمل السينمائي، ولي طريقتي الخاصة كذلك، لها حياتها الخاصة بها، ولي رؤيتي الفنية الخالصة بي كذلك. ولكن عموما، أحترمها وأحترم فنها.
– شاركت كعضو في لجنة التحكيم بمهرجان القاهرة السينمائي إلى جانب كل من دريد لحام والممثلة القديرة إلهام شاهين. هل هي المرة الأولى التي تشاركين فيها في لجنة التحكيم؟
– ليست المرة الأولى طبعا، سبق لي أن شاركت في عدة مهرجانات إما عضوا أو رئيسة في لجنة التحكيم، منها مهرجان القاهرة الدولي الأخير للفيلم، وفي مهرجانات كبرى، مثل: مهرجان قرطاج السينمائي بتونس، مهرجان خريبكة، مهرجان فلنسيا في إسبانيا، وفي أول مهرجان وطني بالمغرب، إضافة إلى مهرجانات أخرى في دول عربية وأجنبية متعددة.
من وجهة نظرك الفنية، كيف ينظر المصريون إلى السينما المغربية؟
– السينما المصرية هي قيدومة السينما العربية من دون شك، ولكن صناعة السينما في المغرب العربي أصبحت قوية في السنوات الأخيرة. وبدأت تخطو خطوات حثيثة نحو الطليعة في العالم العربي، سواء من حيث الكم أو الكيف. وفي المغرب، نجد موجة من المخرجين الشباب تكونوا في مدارس أوروبية، واستغلوا هذا الانفتاح السياسي الذي خول لهم حرية أكبر في الإبداع السينمائي، وبالتالي أصبح إنتاجهم السينمائي مقبولا ومهما، و هذا يعرفه المصريون بكل تأكيد.
هل السينما المغربية تعكس تفكير مخرجيها، كما يقول الناقد السينمائي المغربي محمد خروبي مثلا، أم يمكننا القول بأن هناك مدرسة سينمائية مغربية؟
– أغلب السينمائيين المغاربة تخرجوا من مدارس أوروبية، وتحديدا من مدارس فرنسية وبلجيكية، والقليل من أمريكا وأوروبا الشرقية، مثل: عبد القادر لقطع الذي تأثر بالواقعية الإشتراكية وغيره. ولكن أغلبهم يحاولون مقاربة ما يعرف بالمحرمات الثلاث، وهي متمثلة في: الدين، الجنس والسياسة. وهي محاولة ملفتة لتعرية السلطة بمعناها الشمولي: الحكم، التقاليد والأعراف التي تجعل الإنسان يشعر بالمراقبة الذاتية، وبذلك يراقب نفسه من دون حاجة إلى رقيب. الآن تخلص السينمائي المغربي من الرقابة الذاتية، وأصبحت المخرجة، المرأة على الخصوص، تتطرق لموضوعات المرأة بشكل أعمق، ومختلف عما كان عليه في السابق.
المنتوج السينمائي المغربي يتجه تحديدا إلى قاعات أوروبا، وبعضه القليل إلى أمريكا. أين السوق المشرقي من كل هذا المنتوج السينمائي؟
– حينما كنت في مصر، تطرقت مع الزملاء والزميلات هناك إلى هذا الموضوع، وقالوا لي أن العائق يكمن في صعوبة فهم اللهجة المغربية، وهذا أراه من وجهة نظري كمخرجة مغربية، مجرد هروب إلى الأمام. قلت لهم من جانبي׃ “لقد فهمنا لهجتكم، فلماذا لا تفهموا لهجتنا..؟
الآن، ومع كثرة الفضائيات، لم يعد مقبولا منهم مثل هذا الكلام. اللهجة الخليجية لم يكن يعرفها أحد هنا في المغرب. ولكن بفضل القنوات الفضائية أصبح الناس يفهمونها. لماذا تبقى اللهجة المغربية، فقط دون غبرها، هي المستعصية على الفهم؟
يقول نيل هولاندر أن هدف الفيلم في أمريكا هو الترفيه، بينما في أوربا لا زال الفيلم يحتفظ بوظيفته الثقافية والتربوية. هل أنت مع هذا الطرح الفني..؟
– الأفلام السينمائية المغربية تجمع بين كل هذه المكونات، ولذلك تلقى نفس الإقبال في الولايات المتحدة الأمريكية كما في أغلب دول أوروبا. ولكن، ليس لنفس السبب دائما. الأوروبيون يعتقدون أنهم يعرفون ثقافة شمال إفريقيا وعقلية شعوبها، وعلى دراية تامة بعوالمها وثقافاتها، ويتعاملون مع إبداعها السينمائي بأفكار مسبقة وجاهزة، بينما يبقى الأمريكيون الأكثر انفتاحا وتقبلا. إجمالا، هناك إقبال كبير على المنتوج السينمائي المغربي في أوروبا.
في نظرك سيدتي فريدة، ما هي العوائق التي تقف أمام تطور السينما النسائية بشكل خاص، والمغربية بشكل عام؟
– هناك مشكل التوزيع بالدرجة الأولى والقرصنة، بالإضافة إلى القاعات السينمائية المتقادمة في المغرب، والتي لم تعد في غالبيتها صالحة لعرض الأفلام بطرق حديثة. هناك أيضا غياب دعم الدولة المغربية، وكذلك النقص في الدعاية الإعلامية مقارنة مع ما هو موجود في الدول الأوروبية. تصور أنه في أوربا، هناك ميزانية مخصصة فقط للدعاية، وهي تكاد تناهز الميزانية المخصصة للإنتاج عندنا في المغرب، وهذا عنصر مهم للغاية في نجاح أي فيلم سينمائي.
هل ترتاحين للعمل التلفزيوني؟ أم السينمائي أكثر؟
– في الحقيقة أرتاح للعمل السينمائي، فهو يحتاج إلى إبداع حقيقي، بينما الإنتاج التلفزي مثل “الكوكوت مينوت“. ينضج بسرعة، وينساه الناس بنفس السرعة التي عرفوه بها. على خلاف العمل السينمائي الجيد، فإنه يبقى راسخا في أذهان المشاهدين لسنوات طويلة.
مبدعو طنجة، في الأعمال الفنية كما المنتوج الأدبي، يصورونها كمدينة للغواية، هل هو ظلم في حق هذه المدينة؟ أم هو تعبير عن واقعها فعلا؟
– طنجة فيها “كلشي”، تجد فيها: السحر، الجمال، الغواية، الفقر والغنى، النظام والفوضى. ربما بعض الأعمال الأدبية، ومنها أعمال محمد شكري، وكذلك بعض الأفلام المغربية والأجنبية التي صورت في المدينة، أعطت هذا الانطباع السطحي للناس عن المدينة. أما واقع المدينة في طنجة وعمقها وجوهرها الققافي والتاريخي، فهو شيء مختلف تماما عن المتداول. وتبقى طنجة في الأخير، هي مدينة المتناقضات والاختلافات من جهة، وفضاء التعايش بين الناس بكل أطيافهم الدينية والعرقية من جهة أخرى. هذا هو حال مدينة طنجة، وهنا يكمن سر سحرها وديمومة جمالها.
لقي فيلمك الأخير “خوانيطا بنت طنجة” نجاحا كبيرا في فرنسا، وشاركت به في مهرجان القاهرة الدولي للفيلم، والآن تشاركين به في هذا اللقاء الإبداعي للنساء. ماذا تقولين لنا عن هذا الفيلم؟
– شاهدت الفيلم؟ هل أعجبك؟ (تضحك)
نعم شاهدته، هو فيلم جميل، وأعجبني كثيرا، مثل بقية من شاهده من المتفرجين في القاعة. ولكن أريد أن أسمع منك أنت، بصفتك فنانة ومخرجة هذا العمل..
– ما يمكن قوله عن الفيلم باختصار، وكما كما شاهدت، هو مأخوذ عن رواية للكاتب الإسباني أنخيل فاسكيس. وفوجئت بترجمته إلى العربية من طرف الشاعر عزيز الحاكم. وقد كان نتيجة تعاون مغربي- إسباني على مستوى الإنتاج، وكتبت له السيناريو كذلك بتعاون مع الإسباني خيرالدو ييليوث. في حين قامت بدور البطولة فيه وجوه فنية من المغرب، وكذلك من دولتي فرنسا وإسبانيا. الفيلم يحكي قصة سيدة مجتمع من أم إسبانية وأب إنجليزي. ولدت وعاشت في طنجة خلال فترة السيطرة الدولية على المدينة. وبعد الاستقلال، رفضت مغادرة مدينة طنجة، وفضلت البقاء فيها مع الناس. وهو يؤرخ لفترة حاسمة من تاريخ المغرب المعاصر. مغرب ما قبل الاستقلال، وما بعده. يتطرق الفيلم كذلك إلى التغيرات السوسيولوجية والسوسيو-ثقافية التي عرفتها بعض الطبقات الاجتماعية مع بداية القرن العشرين في طنجة، وما صاحب كل ذلك من انهيار للقيم الأخلاقية والإنسانية النبيلة، وكيف تخلي الناس عن بعض الموروث الاجتماعي الأصيل، كالحياة الأسرية الجماعية، وطغيان الحياة الفردانية التي تتناقض كليا مع تقاليدنا المغربية الإسلامية الأصيلة.
وتضيف فريدة: وهذا ما جعل بطلة فيلم “خوانيطة باربوني” التي عاشت ييدة جميلة وغنية، ثم فقيرة ومنعزلة، بعد موت أفراد أسرتها ورحيلهم عن المغرب. وأصبحت خادمتها المغربية، بعد أن تحسنت أحوالها المادية، هي السند الوحيد للعجوز الإسبانية- الإنجليزية.
وبعد تفكير تقول:”الفيلم يصور بالدرجة الأولى كذلك قيمة التسامح الديني بين الأفراد، رغم الاختلاف الديني واللغوي والعرقي بينهم في المدينة. ولذلك، كما قلت وأكرر دائما، طنجة تبقى مدينة التعايش السلمي بامتياز، وفضاء للانصهار بين مختلف الثقافات، بما فيها المتناقضة، مهما اختلفت عرقيات وأديان سكانها.
الفيلم ينطق بأربع لغات: الفرنسية، العربية، الإسبانية والإنجليزية، ألا يعتبر هذا التنوع اللغوي عائقا أمام المشاهد، وأيضا يحول دون انتشار الفيلم عربيا ودوليا؟
– أصبحت الترجمة تسهل اليوم كل الأمور. عربيا، أعتزم دبلجته مستقبلا إلى الفصحى، حتى يتسنى عرضه على الشاشات العربية بأكملها من المحيط إلى الخليج.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *