الشاعر اليمني محمد الشميري حصريا لجريدة “ألوان”

الشاعر اليمني محمد الشميري حصريا لجريدة “ألوان”

“الوصول لا يحتاج إلى قدمين”

أجرى الحوار: محمد المخلافي

في جلسة ممتعة كشف فيها الشاعر والاديب اليمني محمد الشميري عن تجربته التي تبدأ من طفولة ريفية مليئة بالحنين والمغامرات، مرورًا بحادث مؤلم غيّر حياته، وصولًا إلى الإعاقة التي أضاءت في روحه شعلة التفاؤل والحياة، لتتجسد كل تلك التجارب في شعره ونصوصه المليئة بالصدق والجرأة.

نبدأ من شمير، من هناك خرجت، ماذا تحمل هذه الأرض في ذاكرتك ووجدانك؟

عن طفولته يقول: ولدت في “قرية الحُقيل” (تصغير حقل)، القرية التي صنعها الناس بأيديهم. أقصد هذا حرفيًا، فهي ليست أرضًا زراعية خصبة، فقد أنشأ أجدادنا حقولهم من تجميع الحصى والطين وتحديدها بأحجار من بطون الجبال، وهكذا نشأت أراضٍ صغيرة غالبيتها حصى، لدرجة أن الزرع يعاني الأمرّين قبل أن يخرج من البذور إلى سطح الأرض. ربما لتبرير قِصَري، أشبه الزرع المحاصر. رغم ذلك كانت طفولتي رغيدة مدللة، ربما لأني أول الذكور بعد ثلاث أخوات. وأكاد أجزم أنني فهمت فرحتهم بي واستغليتها إلى أبعد حد. ومع توالي الذكور حتى بلغ عددنا عشرة، بقيت على دلالي القديم. لم أحمل دَبّة ماء، ولا حزمة زرع أو حطب، ولم أمارس شيئًا سوى كرة القدم، والتفوق الدراسي، وبيع الشوكولاتة واللبان في أعراس النساء. ربما لن يصدق أحد أن أكثر ما بقي من طفولتي هو اللحظة التي حاولت فيها الطيران من سطح الدور الثالث وأنا في الرابعة، وكذلك كم كنت أسفح كريم الشعر (MAM) الخاص بأمي لأجعل شعري المتجعد سلسًا، لينال إعجاب زميلتي المصرية في الصف الثالث.

متى بدأت علاقتك بالشعر؟

منذ طفولتي قرأت القرآن وحفظت معظمه، ودرست النحو ومختلف المنظومات الفقهية والسلوكية. كنت منجذبًا لسجعها وما زلت حتى اليوم أحفظ الكثير منها. في المدرسة وجدتني محبًا لميكروفون الإذاعة المدرسية، وحفظ وإلقاء الشعر. أتذكر أول مهرجان جماهيري كبير حين كنت في الصف الرابع، قدمت فيه قصيدة للزبيري، واستمرت مشاركاتي حتى نهاية الثانوية العامة. في الجامعة كتبت أول قصيدة، ثم انشغلت لاحقًا بضجيج الحياة والعمل، ولم يعدني للشعر والأدب والفنون إلا القدر، حين حاول سرقة حياتي حادث السير عام 2007. قرأت لمختلف الشعراء في كل العصور، وبالتأكيد لكل نص أو شاعر أو كتاب أثر في حروفي بطريقة أو بأخرى. وليس من باب المبالغة إن قلت إن دافعي الأكبر هو التمسك بالحياة ورفض الموت وتعويض حياتي عن كل لحظة خوف من فتاوى الحرام المتربصة.

كيف أثّرت دراستك للصيدلة على شخصيتك الإبداعية؟ هل وجدت تقاطعًا بين العلم والشعر؟

الصيدلة علم لا ينفصل عن لحظته الفنية، وكل تركيبة دواء هي اعتمالات وتفاعلات تشبه اللحظة الأولى للقصيدة. لذلك لم أشعر يومًا أن هناك مسافة فاصلة بين تخصصي وقصيدتي.

حادث السير الذي تعرضت له غيّر حياتك جذريًا.. كيف واجهت اللحظة وما الذي منحك القوة لتتجاوزها؟

عندما صافحني الموت ذات حادث وانصرف، أدركت أني لا أستحق إلا الحياة. هكذا كتبت يومها. لم أفقد وعيي، ولم تتوقف أصالة عن الغناء: سواها قلبي يا حبيبي وحبك…! أمسكت بيد الموت وأخذته معي إلى شغب الحياة.

وعن نصه الشعري الذي كتب بعد الحادث قال:

الموت، تحية طيبة
يلقيها الخلاص على أجساد لا ترد السلام
الموت، إجابة فصحى على أسئلة كثيرة أخطأنا في طرحها

العامية كانت حيلتنا الأولى
لاقتراف الخلود..!
القواعد التي غرسناها في حنجرة الحب
خرسانة تشد ضلوع الصمت
ليكتمل الخرس…!

الموت الذي صافحني ذات حادث وانصرف
ألقيت في وجهه أغنية واحدة:
سواها قلبي يا حبيبي وحبك
ما طاعني وانا عن الحب ناهيه

لا أفضل جمع الأغاني في ألبوم واحد
ما أجمل ال…
وردة الملقاة وحيدة، على بعد النظر
الأعشاب المتمردة على قوانين الهندسة الزراعية
الإيمان المتحرر من فكرة الثواب، والشهوة المؤجلة..!

الموت متاح جدًا
في الكتب الهاربة من رفوف المكاتب
الموت لا يحب الأرقام
ون
تو
ثري
….
……
………
ستوب.

الله الله الله
ما أجمل السينما
ما أقبح المخرجين…!

ما هو أكبر درس إنساني خرجت به من تجربتك مع الإعاقة؟

أول مكسب من الإعاقة هو الدرجة الوظيفية التي حرمت منها منذ التخرج لعدم وجود فرص، فحصلت عليها مباشرة ضمن حصة المعاقين. أما الدرس الأكبر فهو أن الوصول لا يحتاج إلى قدمين. سأعترف هنا أنني لم أجد تغييرًا كبيرًا في حياتي نتيجة الإعاقة، ربما لأني كنت قبلها وما زلت كسولًا حتى اليوم.

الإعاقة سجن  حسب البعض … لكنك أثبت العكس.. ما سر هذه الروح المتفائلة؟

الإعاقة سجن لا شك، لكن بعض السجون أرحب فضاءً من قيود الواقع ومحذورات حياة الآخرين غير المعاقين. أقول هذا لا ادعاءً للبطولة، بل ببساطة: أعشق الحياة وما زلت طفلاً في الخمسين من عمري، أرفض أن أكبر. لذا لا محاذير لدي، ولا أدخر جهدًا لأعيش اللحظة كما هي، إضافة إلى قناعة راسخة بأن التفكير طويلًا في الإعاقة لن يغيّر من حقيقتها، بمعنى أنني أعيش شبر المتاح بكل جنوني.

 شاعر أم لا… لكن أكيد أجيد التعبير عن لحظتي!

كيف تصف تجربتك الشعرية؟ وما أبرز ما يميز أسلوبك؟

حقيقة لا أدري هل أنا شاعر أم لا، لكنني متأكد أنني أجيد التعبير عن لحظتي دون قواعد أو نظريات حاكمة للنص. لا أخطط، ولا أقصد، ولا أحب التنميط والتجنيس. أترك النص يحلّق مثلما حاولت القفز في طفولتي، ولا أمنعه كما منعني أبي ذات مرة مهددًا بحجر كان في يده.

ما أكتبه هو انفعال وتفاعل مع الحياة واشتباك معها في أحيان كثيرة. لذلك يقول البعض إن كتاباتي فوضوية، ويخبرني آخرون أنها طفلة تجيد الفصحى وفجأة تفرض لهجتها القروية على النص. لأجل هذا لا يحبها بعض القراء والنقاد الذين يخشون سقوط برج اللغة في المحلية. أما أنا فأحب كل نص، حتى الضعيف منها.

ما القضايا التي تجد نفسك أكثر انجذابًا للكتابة عنها؟

لا أخطط للكتابة عن موضوع بعينه، ولا أجيد التخطيط في أي شيء، لكنني أكتب عن كل ما نعيشه من لحظات أو ذكريات أو حنين، متى ما خطر، وباللغة التي أجدها مريحة لي أو معبرة عن نظرتي لما يحدث، دون تنقيح أو غربلة مفردات أو تقعر قد يوهم القارئ بأني من كوكب آخر. بل إنني قد أكتب عن مواضيع يراها البعض لا تليق بعمري وشهادتي، ولست أدري ما شأن العمر والتخصص بموضوعات الكتابة الإبداعية…!”

عن حضور المرأة في نصوصه يقول:
لابد أن أنوه لما قاله أحد الأصدقاء حين قرأ كتابي “رياح في قصاصة عنيدة” بأن المرأة حاضرة في كل نص سواء كان غزليًا أو غيره، خاصًا أو عامًا، وأجده محقًا في ذلك، فأنا رجل صنعته امرأة..!

من هم الشعراء أو الكتب التي تركت بصمتها في وجدانك؟

“كل كتاب قرأته ترك بعض سطوره على دفتر وجهي وصبغ أجدية حرفي بشكل أو بآخر. سأذكر أول رواية قرأتها وأنا في الصف السادس، طلب مني رجل كبير لا يجيد القراءة أن أقرأ له، كانت رواية البؤساء لفيكتور هوجو. ما زلت حتى اللحظة أتذكر دهشتي التي لم أجد لها تفسيرًا حينها.”

وعن الشعر: على المستوى الشعري، رغم قراءتي للجميع تقريبًا، كنت أرى في شعر أبي القاسم الشابي تحررًا وبساطة أنيقة وتأثيرًا لا أقاومه…!”

هل لديك طقوس معينة للكتابة، أم أن القصيدة تأتيك بشكل مفاجئ؟

حقيقة لم أعش لحظة وحي كما أقرأ لكثير من الشعراء والكتاب، لدرجة أنني في بداياتي كنت أنظر لهم كأنهم قادمون من كوكب لا يشبهنا…! أكتب متى ما أردت، حينها تخرج انفعالاتي وتفاعلاتي مع مواضيع حياتية لا تنفد، فكل لحظة نمر بها أو تمر علينا هي موضوع ولحظة نص شعري أو سردي…! كما أنني قد تمر بي لحظات تطول أو تقصر لا أستطيع فيها الكتابة وإن حاولت.”

لم تكتف بالكتابة من خلف الجدران، بل خرجت للمشاركة في المهرجانات والفعاليات.. ما الذي يعنيه لك التواجد بين الناس؟

سؤال يمثل وجودي كله، أنا لا أستطيع الجلوس لحظة بمفردي، ولا أذكر أنني طلبت يومًا لحظة انفراد بنفسي كما يقال، لذلك أجد في مشاركة الناس صغارًا وكبارًا، نخبة ومثقفين أو عاديين، عقالًا أو مجانين، أجد معهم الحياة. لذلك تجدني حاضرًا في كل نشاط أدبي أو فني أو حقوقي، للأسف مؤخرًا تحول الظروف الاقتصادية دون حضورها كلها، فألجأ لانتقاء واحدة كل شهر…! أفسر هذا كله بعشقي للحياة ومحبتي للناس، فكل إنسان أجد لديه ما يعزز حضوري ويضيف.

كيف ترى المشهد الثقافي في اليمن اليوم، وما التحديات التي تواجه الشعراء؟

لا أعتقد أن هناك مشهدًا ثقافيًا في اليمن بمعنى مؤسسي جامع، لكن هناك نخب ثقافية فكرية نشطت في فترات وخفتت في أخرى، حسب ما اتسعت مساحة الكلام أو تقلصت وفق الظرف السياسي. وإن كانت أفضل حالًا بالتأكيد من اليوم، وقد ظهر خلالها شعراء وأدباء كانت لهم بصمات تجاوزت المحلية وأثرت على المشهد العربي. أما اليوم، ربما هناك مقاومة للموت على شكل أفراد يحاولون الإبداع، وبعض مبادرات أو كيانات قد تغلب عليها الشللية لكنها جيدة، كما أن الواقع والمواقع الافتراضية تمثل الفضاء الوحيد المتاح للمبدع اليمني المقموع المحاصر بالخوف والجوع والبطالة، وهذا ربما يفسر غزارة الإنتاج التي يغلب عليها الكم ويندر الكيف. ولا يفوتنا وجود أقلام شابة جميلة استطاعت إيجاد موقعها عربياً وإقليمياً. عموماً، أنا دائمًا متفائل طالما هناك من يرفض الموت إبداعيًا ويحاول كل فرصة.

ما المشاريع الأدبية القادمة ؟

أصدرت عام 2020 مجموعة “رياح في قصاصة عنيدة”، وهي خليط بين قصص قصيرة جدًا وومضات أو نصوص قصيرة جدًا. قريبًا ستصدر مجموعة نصوص بعنوان “سرقت مشاقر أمي”، كما أن هناك رواية تحتاج تنقيحا واشتغالا أكثر بعنوان “عيش أسمر”، إضافة إلى مجموعة قصص قصيرة جدًا : “نجمة سقطت في الزقاق“.

رجاء اختصر رسالتك الشعرية والإنسانية في جملة واحدة…؟

الكتابة الآن تشبه حركة القصور الذاتي، لا يحركها المعنى، لا تؤدي إلى شيء، حركة لم يصادق عليها القدر… أحاول الإيمان، لكن الفطرة العنيدة لا تعترف بالهدايات الساقطة من أعلى…! إنسانياً: لا تدخر كلمة جميلة يستحقها أحدهم.”

كلمة ختامية:
الأدب والفن والإبداع، نصًا أم لوحة أو أغنية، ليس بالضرورة أن يكون طبق الأصل من حياة المبدع، بل قد يكون عكسها، فلا تحاكموا المبدع لأن النص هو ميدان النقد.

خاتمة شعرية:

المسافة بين كتفين
أبعد من مستحيلٍ معلّقٍ
في لوح الغياب

يسألني البحر عن سنوات الموج
كيف خطوتُها
ولم يلبس ضياعي أزرقَ الأمنيات؟!

شكرًا لقهقهةٍ لم تحرك تجاعيدَها
حبةَ الرّمل الحزين

شكرًا كما لا يليق بشجرةٍ تهامسُ جذعها المحشو بالظلّ القديم

شكرًا للوسادة التي تركَتها الحديقة
كي يغفو على ذاكرتها جنوني المعطّل

شكرًا للصدى
يسهر وحيدًا دون قبعة
يسهر مثلما تقول الأغنيات
وحين يتلعثم الفجر
يؤذن الديك بعيدًا في أعالي الدمع

شكرًا أيها الصمت
وأنت تبحث في جرابِ الوقت
عن صوفِ المرايا
عن شتاءٍ الوهم
عن دفء القصائد
والحنين
حنينيَ المزدوج
كعميلٍ عبقريّ
يكتب سيرته الذاتية
وهو يدخن غليونه المتقاعد
ينهي خدمة الموت
ويقبض روحه في الورق!

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com