الشاعرة السورية ” لجين الغصن” في لقاء حصري ل ” ألوان”

الشاعرة السورية ” لجين الغصن” في لقاء حصري ل ” ألوان”

محمود درويش.. بوصلة قادتني إلى دهشة الشعر

ضمن حوار الأسبوع، تجدون هنا جلسة فكرية ماتعة مع الشاعرة  السورية” لجين الغصن” أدراها وأنجزها ل”جريدة ألوان الإلكترونية” صديق الجريدة الأستاذ محمد المخلافي. نترك لكم  متابعة ما جاء ضمنها.
ذ. محمد المخلافي

الشاعرةلجين ” نشأت وترعرعت وسط عائلة ذات مرجعية ثقافية وخلفية فكرية تعتنق العلم وتتنفس الشعر، عن البدايات تفصح قائلة:

كان من الطبيعي أن أجدني منذ الطفولة مَيَّالَة لكتابة المواضيع التعبيرية بشغف خاص، وبدءا من تلك اللحظة تشكلت ملامح هويتي الإبداعية وأخذت في النمو، لتظهر تجربتي الشعرية الأولى في 2017 ، وبعد سنتين سأحظى بمشاركتي الأولى في كتاب جماعي صدر بالأردن عام 2019 .
واستهواءً منها للشعر وحبا لها فيه تضيف :
كنت أقرأ لمحمد الماغوط ومحمود درويش ونزار قباني، لأن نصوص هؤلاء الشعراء تلامس المشاعر وتخاطب الأعماق. وفي سؤال لها عن السر في التعلق بهذا الصرح الشعري المتميز وادمانها عليه، تقول بأنها :

“تحب  وصف شعر الماغوط بأنه حزن سافر، والسياب كان بالنسبة لها شاعر المطر، أما نزار قباني فكان الصوت المميز للعشق بكل امتياز .

وتكمل قائلة: هذه القراءات جميعها جعلتني أستشعر عمق الشعر… وأتعلم كيف تلامس الكلمة الروح.

وفي حديث لها عن الشعراء والكتاب الذين أثروا فيها وأَغْنَوْ تجربتها تقول :

– “محمود درويش كان البوصلة التي قادتني إلى دهشة الشعر وتأثيره الكبير على وجداني لايزال ينبض في كل قصيدة أكتبها ، وبالاضافة إلى درويش
– تقول – تأثرت كثيرا ب “الماغوط“، المميز بحزنه الساخر، وب “السياب” الذي يصور المطر في شعره بطريقة تعبيرية مدهشة ، وب “نزار قباني” الذي يحكي عن العشق بصدق وحساسية فائقة. فهؤلاء شعرهم لم يكن مجرد كلمات، بل كان جسرا يصل بين مشاعري وأحاسيسي، ويلهمني لأكتب بشغف أكبر .

تعود بنا الشاعرة إلى الحديث عن أول قصيدة كتبتها قائلة :

“الكلمة تحمل قوة تحول الألم إلى أمل”

كتبت أول قصائدي انطلاقا من شعور موحد نختبره جميعا ولو بدرجات مختلفة واخترت أن أسميها ” خذلان“، وابتغيت القول من خلالها أنه بإمكاننا التمرد – حتى في لحظات الخذلان – وأن نستعيد كرامتنا وأملنا بقوة الكلمة وصدق الأحاسيس، فكانت تلك القصيدة بوابة لي في عالم الإبداع الشعري،  بحيث علمتني أن الكلمة تحمل قوة تحول الألم إلى أمل وأن التعبير هو مفتاح التعافي .

وفي سؤال لها عن الأدوار التي لعبها المحيط في تكوين وبلورة شخصيتها الإبداعية المُتَّقِدَة ، تقول:
–  لطالما أحببت الكلمة، ووجدت فيها ملاذا من كل ما يحاصرني أو يهزني مذ كنت بالمدرسة، حيث تعددت الكلمات التي ألقيتها والمشاركات الأدبية التي خضتها، وقد كان لكل ذلك الأثر الجميل في نفسي. كما كان للبيئة الثقافية التي تواجدت بها وعشت فيها  الدور الأكبر في صقل مواهبي.  فهي الحضن الدافىء الذي شجعني على الانطلاق دون أن أنسى الدور الكبير الذي لعبته أمي بتشجيعها الدائم الذي شملني دفئه وكل إخوتي، كيف لا وهي التي كانت ترافقنا في قراءة القصائد وتحليلها وشرح مواضيع التعبير، والحث على ركوب أمواج التفكير العميق. وهنا أستحضر التجربة الفريدة في ” الإنشاد ” بالمركز الثقافي ، حيث قمت واخوتي بأداء أنشودة ” الحلم العربي ” برفقة عازفين على العود، مما ساعدني على اكتشاف صوتي وادائي.

من الطبيعي أن يكون للشاعرة “ لجين الغصنطاقة إبداعية متفجرة ومميزة ، وكثيرا من العطاء والإنتاج المتنوع المصادر. الأمر الذي دفعنا إلى أن نطلب منها تنوير قراء المجلة بما هو منشور من أعمالها ، فجاء ردها كالتالي :
شاركت في عدد من الكتب الجماعية والمجلات والصحف الأدبية عبر ربوع الوطن العربي وأوروبا، ويمكن تصنيف كتاباتي حسب أماكن نشرها كالتالي:

– المملكة الأردنية :خذلان في ألف كتاب ولاجيء.

العراق : حلمنا في كتابات – أوج الحنين في كتابات – ظل الصفصاف في نخيل عراقي – الغد المأمول في تراتيل سماوية .
-سوريا : بين الحب واللاحب في القلم السوري – عيون دمشق .
– اليمن : يمنات .
– مصر : النجم الوطني – فلسطين في اتحاد كتاب مصر / الغربية – متاهات في عالم الثقافة – وسام فوق السحاب في نخيل عراقي .
– بريطانيا : في ظروف غامضة ، رأي اليوم .
– ألمانيا : صدى في رصيف 81 .

وشاركت أيضا  في مجلة ” الشبكة مباشر“، وهي مجلة العائلة العربية في بلاد المهجر. 

– شاركت – كذلك – في كتب جماعية وأعمال أدبية عبر الصحافة الورقية والالكترونية في الوطن العربي، هذا بالإضافة إلى النشر في مجلات أدبية أوربية وكندية. ومن خلال هذه المشاركات، كانت  لي فرصة لتبادل وجهات النظر والتعريف بالشعر العربي من خلال صوتي الخاص، دون أن انسى الإشارة إلى أني تعرفت على عدد كبير من الكتاب والنقاد ومحرري المجلات المرموقة ، وبناء علاقات ثقافية وأدبية سامية معهم، الأمر الذي أتاح لي فرصا أوسع للتعلم والتطور، وأكد لي أهمية التواصل والتفاعل في المشهد الأدبي بصفة عامة.

بما أن الحياة لا تخلو من صعوبات وتحديات ، فقد ارتأينا أن نطلب من الشاعرة أن تحدث القراء عن ذلك ، وكيف واجهت كل ما يقف في وجهها من أجل خوض غمار التحدي في بناء مشاريعها الأدبية اللاحقة . فجاء ردها كالتالي:

ككل من اختار الكلمة طريقا ، واجهتني تحديات متعددة ، بدءا من ضيق المساحة التي تمنح للأصوات الشابة، ومرورا بصعوبة النشر ووصولا إلى نظرة المجتمع أحيانا للكتابة واعتبارها ترفا وليس رسالة. ومع ذلك كانت ثقتي في نفسي كبيرة، امنتُ بأن الإستمرار ولو في الظل هو إنتصار بحد ذاته. ومع الوقت بات لكل قصيدة عندي  نافذتها الخاصة ، ولكل صوت مخلص قراؤه الحقيقيون ، وقد كان الصبر والمثابرة هي المفتاح،  وكذا الدعم الذي تلقيته من العائلة والأصدقاء.

وأضافت متحدثة عن مشاريعها مسترسلة:
أنا على مشارف إطلاق ديواني الأول الذي يحمل عنوان ” نبض أبريل “، وهو مشروع أدبي عميق يحاكي رحلتي الشعرية منذ بدايتها إلى اليوم ، وهو ليس مجرد مجموعة قصائد بل مزيج من الذكريات، المشاعر، التجارب التي شَكَّلَتْ هويتي كشاعرة، أحاول من خلاله أن أفتح نافذة على عالمي الداخلي، حيث تتلاقى الأحلام مع الخيبات وتتعانق الأمنيات مع لحظات الإنكسار. أردته أن يكون مرآة صادقة لقلبي، ورفيقا لكل قاريء يبحث عن نفسه بين السطور. كما أنني أعمل على ملامح مشروع شعري جديد سيكون أكثر نضجا واتساعا في موضوعاته ليجمع ما بين القضايا الإنسانية العميقة والبوح الشخصي الدافء.

– طلبنا من لجين  أن تتحدث لنا عن ” الثقافة ” في سوريا  اليوم، فجاء جوابها فياضا بالمحبة :

المشهد الثقافي في سوريا  رغم ما مرَّ ويَمُرُّ به الوطن، مازال نابضا بالحياة. فهناك أصوات شابة تحاول أن تكتب واقعها وتوثق وجعها، وأخرى تحلم بمستقبل أفضل عبر الكلمة والفن، فالثقافة هنا ليست ترفا، بل هي فعل مقاومة بوعي ومحاولة للحفاظ على الذاكرة من النسيان، ورغم صعوبة الظروف، أرى أن الحرف السوري مازال قادرا على الوصول لأنه يولد من رحم المعاناة ويكبر باصرار. ربما تغيرت المساحات التي نكتب فيها، لكن الجوهر بقي كما هو : شغف لاينطفىء ووفاء للكلمة مهما كانت التحديات.

في ختام هذه الجلسة الأدبية الجميلة والممتعة طلبنا من الشاعرة ” لجين الغصن أن تخص جريدة ألوان بكلمة ختامية… فقالت :

أومن أن الشعر ليس حروفا تكتب على الورق ، بل هو نبض حي يختبىء بين السطور، وينتقل إلى قلب القارىء . هو قدرتنا على أن نحلم ونحن في قلب العاصفة، أن نكتب عن الحب ونحن محاكون بالخذلان. ففي كل قصيدة أكتبها أضع جزءا من روحي وأتركها تمضي لتجد من يحتضنها آملة  أن يجد القراء في نصوصي عزاء لجرح أو أملا جديدا يضيء الطريق، أهدي كلماتي لكل من آمن بأن الجمال يمكن أن يكون سلاحا، وأن يبقى الحرف قادرا على مقاومة القبح بكل أشكاله.

من إبداعات الشاعرة نورد هذه القصيدة في نهاية هذا الحوار الممتع. قصيدة بعنوان: (منفى القصيدة)

نرسمُ أحلامَنا
فوقَ ماءٍ يفرُّ
ولا ترسو على برِّ أمانْ
نُعيدُ تكرارَها كالصلاةِ…
كأنّا نحاولُ أن نستعيدَ الزمانْ
هناكَ…
همٌّ تنفَّسَ موتَ البقاءِ،
وآخرُ
يزدري لحنَ وطنْ
وطنٍ كان يُجيد الغناءْ،
ثم صمتَ
نُرمى…
فنقفزُ من خندقٍ للحنينِ
ونستنيرُ من المساءِ إذا أظلمَ الحُلمُ
نلعبُ “غميضةَ الأمنياتْ”
كأنّا صغارٌ
وما زالَ في الذاكرةِ الليلُ أكبرْ
لا نستطيعُ
أن نرسمَ الحلمَ في الأرضِ
فالأرضُ
ملطخةٌ بالأمسِ
تكتبُ سيرةَ من سكنوا الوقتَ
ثم مضوا
كأنّهم فكرةٌ ضلّتِ الرسمْ
ذاكرةٌ
نُقشتْ فوقَ جدارِ الغيابْ
وما زالَ ظلُّ الحنينِ
يخترقُ السُّررَ
كأنّ الخفوقَ
دعاءٌ تأخرَ في السُجودْ
في السريرِ
قلوبٌ تُصلّي البقاءْ
وأخرى
تنامُ على طرفِ الأذانِ
كأنّ الفجرَ لا يصلُ
نستوطنُ البيوتْ
ولا نستطيعُ اختراعَ الوطنْ
الوطنُ المقفّى باليأسِ
مرهونٌ بخيطِ الرغيفِ
ولعبةِ مالٍ
نكسرُ فيهِ الحصالةْ
كي نشتري
ظلَّ بيتٍ
وأحلامَ طفلٍ يُصدّقُ
أنَّ البحرَ
يصنعُ معجزةً
لمن رآهُ أوّلَ مرّةْ
آمالُنا خفيفةْ
كأنّ الجيوبَ تحلمُ أيضًا
أن تكونَ ثقيلةْ

نرسمُ أحلامَنا
فوقَ ريحٍ
تمرُّ…
فلا يستقيمُ المسارْ
وتُبعثرنا
كلماتُ المساءِ التي لم تُقلْ
وصدى نائمٌ
في فمِ الليلِ
ينسى حكاياتِه
ثم يسألُ:
من أنتَ يا أيُّها الصوتُ؟
من؟

نُعيدُ النهارَ
إلى بابهِ
كي نُفسّرَ ماذا نريدُ
سوى أن نكونْ
على حافّةِ الضوءِ
نمشي بلا ضوءِنا
ونغنّي
لما لا يكونْ
نغنّي…
كأنَّ الذي ليس يُدركُ
أقربُ مما يكونْ

على السريرِ
قلوبٌ تُعَلِّقُ أحلامَها
بالحبالِ التي في السُرُرْ
وتُخبّئُ وجعَ الفُقدِ
تحت الوسادةِ
لا أحدٌ
يسألُ الآنَ عن وجعِ الحالمينَ
بما لا يُرى

لا نملكُ المالَ
لكنّنا نشتري بالأملْ
رغيفًا
وشرفةً
وجدارًا نُربّي عليهِ الخيالْ
ولا نملكُ الوقتَ
لكنَّنا نزرعُ العمرَ
في ساعةٍ
تكسرتْ
من فرطِ ما انتظرَ الانتظارْ

نأوي إلى البيوتِ…
لكنَّ البيوتَ
خيامٌ على حافةِ الريحِ
تهتزُّ
إن نحنُ قلنا:
هنا وطني!
أو صرخنا: تعالْ!

آمالُنا…
كطائرٍ
لا يعرفُ اسمهُ
ولا لونَه
لكنّه حين يُحاصرُ
ينقرُ القيدَ
ثم يُحلّقُ
ولا يعرفُ أيّ الجهاتِ
جنوبٌ
ولا يعرفُ إن كان هذا الفرارْ
نجاةً…
أم ابتداءْ
آمالُنا خفيفةْ
كأنّ السماءَ
تحملها
حين ننسى سقوطَ المكانْ
وتُهدهدها مثل أمٍّ
تُرتّل فوقَ الوسادةِ
أنشودةَ الغرباءِ
والأمنياتِ البعيدةْ

ما زلنا نكتبُ…
رغمَ الذي لا يُقالُ
ورغم الذي لا يُعادْ
وما زال فينا متّسعٌ
لأن نُجرّبَ
أن لا نموتْ
ولو خُذِلَ الحُلمُ
في كلّ آنْ
وما زال في القصيدةِ منفى
وفي المنفى
وطنٌ
لا يراهُ سوانا.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com