عندما يصرخ الكاتب في أذن الوطن الصامت
الكآبة عند زياد الرحباني ليست انسحابًا، بل مقاومة
ضحى عبد الرؤوف المل
في بلادٍ تعرف كيف تسهر حتى الصباح، ولا تعرف من أين تأتيها الكهرباء، كان هناك رجلٌ يشرب القهوة كأنها خطاب سياسي، ويكتب المقال كأنه عراك في المصعد. اسمه زياد. مش ضروري نكمّل. كان زياد الرحباني، لمن لا يعرفه — ولا أعرف كيف تعيشون من دونه — فنانًا، كاتبًا، ملحنًا، ممثلًا، وناقدًا بارعًا للضمير الوطني. كل أسبوع مقاله “يسرحها” بماء الحبر، ويغسلها بالمعنى الذي يغيب عن الآخرين ويحضر في معانيه. لكنه كتب، وكتب كأن البلد على حافة الهاوية، ثم اكتشف أن الهاوية صارت فوق، والبلد هو الذي نزل. كتب لدرجة أنه أحرج الكلمات من كثرة ما قالها على حقيقتها. كتب عن الكهرباء التي تنقطع أكثر مما تأتي، وعن السياسة التي تأتي أكثر مما تنقطع، وعن كل وزير يظن نفسه وزيرًا على شيء غير الهباء. كل شيء عبّر عنه نكتةً كرصاصة في مسدسٍ ضوئي، يعطي إشارة من خلاله لمجتمعٍ يتوجّع.
مقال زياد لا يُقرأ، بل يُسمع. في أذنك صوت فيروز وهي تقول: “شو البلد؟”، وفي الخلفية زياد يرد: “متل ما هيك، حبيبي، متل ما هيك”. يكتب المقال وكأنه مسرحية قصيرة، فيه شخوص وهميون، وأحداث مستحيلة تمامًا. هو الكاتب الوحيد الذي جعل صفحة الرأي مكانًا للتنفيس الجماعي، و”الافتتاحية” مرآةً لكل مواطن خجل من نفسه لأنه صدّق الانتخابات مرة. فهل من شتائم نبيلة في ظلّ انكسارات عاشها زياد وعشناها معه سياسيًّا واجتماعيًّا؟ فماذا عندما رحل؟
لم يمت زياد كغيره. لم يسكت. بل خرج من الباب، تاركًا خلفه كرسيًا فارغًا في كل جريدة، وكوب قهوة نصفه دخان ونصفه دمعة. لم يمت، بل استقال من هذا الزمن، لأنه لم يعد يحتمل أن يكتب عن حربٍ لا تنتهي، ولا تبدأ. مات زياد لأن البلد تغيّر. صار فيه مقالات بلا صوت، وحكومات تستغيث. والناس نسيت تقرأ، ولحقت الترند والبرند، وكل شي فرنجي برنجي. نحن لم نخسر فنانًا، بل خسرنا مرآة، مش لأنها انكسرت، بل لأننا تعبنا من النظر.
ألحان زياد ليست لتُطرِبك، بل لتفضحك. لا تريدك أن “تطرب”، بل أن “تنتبه”. هناك جملة موسيقية في “أنا مش كافر” تقول لك أكثر مما قاله البرلمان في أربعين جلسة. لحنه لا يبدأ من القانون الموسيقي، بل من فوضى الشارع، من صوت أبواق السيارات، من نشرة الأخبار، من سعال سائق التاكسي، من “أوف!” قالتها فيروز وهي تمرّ بجانب السياسة. هو لا يلحّن على النوتة فقط، بل على الكلمة. يعطي الجملة لحنًا وكأنها تمشي في شارعٍ مزدحم: تتوقف، تلتفت، تتنفس، ثم تكمل. ولو أغمضت عينيك، لسمعت بيروت تمشي على المقامات الشرقية. “كيفك إنت؟” و”عودك رنان”: بين الكآبة والدبكة… “أنا مش كافر، بس الجوع كافر“.
خدعونا حين قالوا إن زياد كئيب. الكآبة عنده ليست انسحابًا، بل مقاومة. استمع مثلًا إلى “كيفك إنت؟” — هي ليست مجرد أغنية، بل تقرير نفسي من مواطن إلى مواطنة، فيه حب، وخوف، وشكّ، وأورغ لا يثق بأحد. ثم “عودك رنان”. من قال إن زياد لا يعرف الفرح؟ يعرفه جيدًا، لكنه فرحٌ يشبه فرحَ ناسٍ ترقص لأن الكهرباء رجعت بعد انقطاع يومين. فرح مع شك، والرقص على إيقاعٍ تملؤه علامات استفهام. موسيقاه تشبه بيروت بعد منتصف الليل؛ ففي كل لحن لزياد شارع صغير، ومقهى فيه طاولة فاضية، وواحد عم يدخّن. فيها من الجاز بقدر ما فيها من العتابا. من البوب بقدر ما فيها من “أهلًا بهالطلّة”. هو ابن المدرسة الرحبانية، نعم، لكنه خرج من صفّها، وسكن في قبوها، وفتح ستوديو فيه ضوء خافت، وموسيقى لا تصرخ، بل تئنّ.
لم يكن البيانو عنده مجرد مفاتيح. كان منصة اعتراف. كل نغمة تشبه سؤالًا لا يملك أحد إجابته. كان يضع يده على البيانو كأنه يربّت على كتف الوطن ويقول له: “شو بيك يا حبيبي؟” زياد لم يكن يبحث عن الجمال فقط، بل عن الحقيقة. واللحن عنده جميل فقط لأنه صادق. لا يهم إن كان حزينًا، أو غريبًا، أو حتى “نقزة” من مقام لم تتوقعه. طالما قال شيئًا، فهو موسيقى. زياد لحّننا نحن. لحّن خيبتنا، ولهفتنا، وضحكتنا المخبّاية تحت الطاولة. لحّن بيروت، يوم كانت تشبه أغنية، وصارت الآن تشبه نشرة جوية بلا غد.
سلامٌ عليك، يا من كتبت كأنك تكتب على الحائط، وصرخت كأنك تهمس في أذن الوطن… (الوطن اللي عم يعمل حالو مش سامع).
