النموذج التنموي الجديد…حين تصطدم الوعود بصمت الواقع..
لا تنمية بلا نقاش، ولا نقاش بلا حرية، ولا حرية بلا محاسبة
حين قدم النموذج التنموي الجديد سنة 2021، بدا الأمر كأن المغرب يدخل مرحلة جديدة من التفكير في مستقبله. فقد جاء التقرير بعد سنوات من الإقرار بأن النموذج السابق بلغ حدوده، وأن البلاد تحتاج إلى رؤية مختلفة، قادرة على معالجة أعطاب الاقتصاد والتعليم والصحة والشغل، والفوارق الإجتماعية والمجالية. كان الهدف المعلن هو بناء مغرب أكثر عدلا وإنتاجية وثقة في أفق سنة 2035.
وضع التقرير طموحات كبيرة، من بينها تحقيق نمو اقتصادي قوي، وإصلاح المدرسة العمومية، وتوسيع الحماية الإجتماعية، وتحسين الإدارة، وتقليص الفوارق، وربط التنمية بالمسؤولية والمحاسبة. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم، بعد مرور خمس سنوات تقريبا، هو: هل تحول هذا النموذج إلى واقع يلمسه المواطن؟ أم بقي، في جزء كبير منه، وثيقة جميلة اصطدمت بصعوبة التنفيذ؟
في هذا السياق، يبرز إسم كريم التازي. فهو رجل أعمال مغربي معروف، وفاعل مدني وسياسي سابق، كما كان عضوا في اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي الجديد. لذلك فإن رأيه لا يأتي من خارج التجربة، بل من داخلها. فقد شارك في المسار الذي ساهم في صياغة الرؤية، وإطلع عن قرب على النقاشات التي رافقت إعداد التقرير. ومن هنا تكتسب تصريحاته الأخيرة أهمية خاصة؛ لأنها ليست مجرد رأي شخصي، بل شهادة من شخص كان قريبا من لحظة بناء هذا المشروع.

حين تحدث كريم التازي عن ضيق فضاءات النقاش الحر في المغرب، وعن خسارة البلاد بسبب إفقار النقاش العمومي، فإنه وضع يده على مسألة أساسية. فالتنمية لا تقوم بالأرقام وحدها، ولا تنجح بمجرد إعلان البرامج. أي نموذج تنموي يحتاج إلى نقاش حر، ومساءلة، ونقد، وإعلام قادر على طرح الأسئلة، وأحزاب ومؤسسات وسيطة تستطيع نقل إنتظارات المواطنين إلى مراكز القرار.
لقد كان النموذج التنموي نفسه واعيا بأزمة الثقة بين المواطن والمؤسسات، وتحدث عن الحاجة إلى ميثاق وطني للتنمية. لكن هذا الميثاق لم يتحول إلى تعاقد سياسي ومؤسسي واضح، يحدد المسؤوليات ويربطها بالمحاسبة. وهنا تكمن إحدى نقاط الضعف الكبرى: من المسؤول عن تنزيل النموذج؟ ومن يحاسب إذا لم تتحقق الأهداف؟ في غياب جواب واضح، تتحول التنمية إلى نوايا حسنة أكثر منها التزاما ملزما بالنتائج.
وتكشف الحياة اليومية للمغاربة حجم المسافة بين الطموح والواقع. فالبطالة، خصوصا في صفوف الشباب والنساء وحاملي الشهادات، ما زالت مرتفعة. كما أن هشاشة الشغل تجعل كثيرين يعملون دون أن يشعروا بالأمان الإقتصادي. فقد يجد المواطن عملا، لكنه لا يجد دخلا كافيا، ولا حماية حقيقية، ولا أفقا واضحا للمستقبل.
أما المدرسة، فهي من أكبر إختبارات النموذج التنموي. فقد جعل التقرير التعليم محورا أساسيا؛ لأن أي تنمية بلا رأسمال بشري قوي تبقى ناقصة. لكن واقع المدرسة العمومية ما زال يثير القلق، خاصة مع ضعف التعلمات الأساسية لدى عدد واسع من التلاميذ. وإذا كان الطفل لا يكتسب القراءة والحساب بشكل جيد في سنواته الأولى، فكيف يمكن الحديث عن إقتصاد حديث أو عدالة إجتماعية؟
لا يعني ذلك أن السنوات الماضية كانت خالية من الإصلاحات. فقد أطلقت الدولة أوراشا مهمة، مثل تعميم الحماية الاجتماعية، والدعم الإجتماعي المباشر، ومحاولة تحسين مناخ الإستثمار، وتطوير بعض آليات الإدارة. لكن هذه الإصلاحات، رغم أهميتها، لم تتحول بعد إلى تغيير شامل يشعر به المواطن في حياته اليومية بالسرعة والعمق المطلوبين.
في العمق، يبدو أن النموذج التنموي تعثر لأنه إصطدم بالبنيات التي كان يريد إصلاحها: ضعف المحاسبة، وبطء الإدارة، والريع، وهشاشة الشغل، وأزمة التعليم، وضيق النقاش العام. ولذلك فإن السؤال اليوم ليس: هل نحتاج إلى تقرير جديد؟ بل: هل نملك الشجاعة لتنفيذ ما نعرفه أصلا؟
إن المواطن لا ينتظر سنة 2035 ليحكم على النموذج. هو يحكم عليه كل يوم في السوق، والمدرسة، والمستشفى، والإدارة، وسوق الشغل. فالمقياس الحقيقي لأي نموذج تنموي ليس عدد صفحاته، بل أثره المباشر في حياة الناس.
ومن هنا تبدو رسالة النقاش الذي أثاره كريم التازي واضحة:
لا تنمية بلا نقاش، ولا نقاش بلا حرية، ولا حرية بلا محاسبة. وإذا أراد المغرب إنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذا النموذج، فعليه أن يطرح الأسئلة الصعبة: من يقرر؟ ولمصلحة من؟ ومن يحاسب من؟
منير لكماني 23/05/26 ألمانيا
