الأرجونوميكا وإعادة هندسة العمليات الإدارية..
هندسة الإنسان في خدمة تطوير الأداء المؤسسي

تعد إعادة هندسة العمليات الإدارية من المفاهيم الحديثة التي ظهرت إستجابة للتحولات الكبيرة التي تعرفها المؤسسات في الوقت الراهن فقد أصبحت المؤسسات مطالبة بأن تراجع طرق عملها بإستمرار، وأن تبحث عن أساليب جديدة تمكنها من تحسين جودة خدماتها، وتقليل التكاليف، وتسريع الإنجاز، وتحقيق رضا المستفيدين. ولا تقوم إعادة الهندسة على إدخال تعديلات سطحية أو تحسينات بسيطة، بل تعني إعادة التفكير الجذري في العمليات الإدارية، من أجل بناء طرق عمل أكثر فاعلية وإنسجاما مع حاجات المؤسسة والإنسان والتكنولوجيا.
وفي هذا السياق تبرز أهمية الأرجونوميكا، أو ما يعرف بهندسة الإنسان، وهي مجال يهتم بتكييف بيئة العمل وأدواته وتنظيمه مع قدرات الإنسان وحاجاته، بدل أن يفرض على الإنسان أن يتكيف دائما مع أنظمة معقدة ومرهقة. فالأرجونوميكا لا تهتم فقط براحة الموظف الجسدية، بل تشمل أيضا وضوح المهام، وسهولة إستعمال التكنولوجيا، وتبسيط الإجراءات، وتقليل الضغط، وتحسين العلاقة بين الإنسان والعمل. ومن هنا فإن إدماج الأرجونوميكا في إعادة هندسة العمليات الإدارية يجعل التغيير أكثر إنسانية وواقعية، لأنه لا يركز على تطوير المؤسسة وحدها، بل يهتم كذلك بمن ينجز العمل داخلها.
إن جوهر إعادة هندسة العمليات الإدارية يتمثل في النظر إلى العمل الإداري بوصفه سلسلة مترابطة من الأنشطة التي ينبغي أن تؤدي إلى نتائج واضحة. لذلك فهي لا تركز فقط على الأقسام أو الوظائف المنفصلة، بل تهتم بالعملية كاملة منذ بدايتها إلى نهايتها. فالهدف ليس أن يؤدي كل قسم عمله بشكل منفرد، بل أن تتكامل الجهود لتحقيق مخرجات أفضل. ومن هنا تظهر أهمية الإنتقال من التفكير التقليدي القائم على الروتين والتجزئة، إلى تفكير جديد يقوم على النتائج، والسرعة، والمرونة، وخدمة المستفيد.
وقد بينت العديد من الدراسات والتجارب أن نجاح إعادة الهندسة يرتبط إرتباطا وثيقا بتكنولوجيا المعلومات. فالتكنولوجيا لم تعد مجرد وسيلة مساعدة، بل أصبحت عنصرا أساسيا في تنظيم العمل، وتسهيل تدفق المعلومات، وربط الوحدات الإدارية بعضها ببعض. كما تساعد البرمجيات الحديثة على إختصار الوقت، وتقليل الأخطاء، وتوفير بيانات دقيقة تساعد الإدارة على إتخاذ قرارات سليمة. غير أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي، لأنها تحتاج إلى إنسان قادر على إستخدامها بوعي وكفاءة. وهنا يظهر البعد الأرجونوميكي بوضوح، إذ ينبغي أن تكون الأنظمة الرقمية سهلة الإستعمال، واضحة الواجهة، ومناسبة لقدرات الموظفين حتى لا تتحول إلى عبء جديد بدل أن تكون وسيلة للتطوير.
وتتميز إعادة هندسة العمليات بمرونتها، إذ يمكن تطبيقها في مجالات متعددة مثل التعليم، والإدارة الحكومية، والمؤسسات الإقتصادية، والخدمات العامة. وهذا يدل على أن هذا المدخل لا يرتبط بقطاع واحد، بل يمكن تكييفه مع بيئات مختلفة. فكل مؤسسة، مهما كان مجالها، تحتاج إلى مراجعة عملياتها، وإكتشاف نقاط الضعف فيها، ثم تصميم طرق جديدة تساعدها على تحقيق أهدافها بأقل جهد وأفضل نتيجة.
ولكي تنجح إعادة هندسة العمليات، لا بد من توفر مجموعة من الشروط الأساسية. أولها دعم الإدارة العليا، لأنها الجهة القادرة على توجيه التغيير وتوفير الموارد اللازمة له. فإذا لم تكن القيادة مقتنعة بأهمية التغيير، فإن المشروع غالبا لن يحقق أهدافه. كما يجب إشراك العاملين في مراحل التطوير، لأنهم الأكثر معرفة بتفاصيل العمل اليومي ومشكلاته. ويساعد هذا الإشراك على تقليل مقاومة التغيير، ويجعل الموظفين يشعرون بأنهم جزء من الحل لا مجرد منفذين لقرارات مفروضة عليهم. وهذا يتوافق مع روح الأرجونوميكا التي تضع الإنسان في مركز عملية التطوير.
ومن المبادئ المهمة في إعادة الهندسة دمج المهام المتشابهة، وتفويض الصلاحيات، والتركيز على المخرجات النهائية بدلا من التركيز المبالغ فيه على الإجراءات. فعندما يمنح الموظف قدرا مناسبا من الثقة والصلاحية، يستطيع أن يتخذ قرارات أسرع، وأن يخدم المستفيد بشكل أفضل. كما أن العمل بروح الفريق يساعد على تجاوز العزلة بين الأقسام، ويخلق نوعا من التعاون الضروري لنجاح أي تغيير إداري.
وتعتمد إعادة هندسة العمليات أيضا على أدوات ومخططات تساعد على فهم الواقع وتصميم المستقبل. فمن خلال دراسة الوضع الحالي يمكن تحديد المشكلات والفجوات، ثم الإنتقال إلى بناء تصور جديد للوضع المرغوب. وتستخدم في ذلك نماذج تحليلية مثل خرائط تدفق العمل، ومخططات توضح المدخلات والمخرجات والضوابط والوسائل المستخدمة في كل نشاط. وتساعد هذه الأدوات على جعل العمليات أكثر وضوحا، وتمنح الإدارة صورة دقيقة عن طريقة سير العمل. كما تسمح المقاربة الأرجونوميكية بفهم الصعوبات التي يواجهها الموظف أثناء أداء مهامه، سواء كانت مرتبطة بتعقيد الإجراءات، أو ضغط الوقت، أو ضعف التنسيق، أو صعوبة إستعمال الوسائل التقنية.
أما مراحل التنفيذ فتبدأ عادة بالوعي بالحاجة إلى التغيير، ثم تشكيل فرق العمل، واختيار العمليات المهمة التي تحتاج إلى تطوير عاجل. بعد ذلك تأتي مرحلة التحليل والتخطيط، حيث يتم فهم أسلوب العمل الحالي وتشخيص مشكلاته. ثم تبدأ مرحلة التصميم، وفيها يتم ابتكار عمليات جديدة أكثر فاعلية. وبعد التنفيذ، لا بد من التقييم المستمر من خلال مؤشرات مثل الجودة، والسرعة، والتكلفة، ورضا المستفيدين، إضافة إلى مؤشرات ترتبط براحة العاملين، وسهولة أداء المهام، ومدى ملاءمة بيئة العمل لقدرات الإنسان.
إن إعادة هندسة العمليات الإدارية، عندما ترتبط بالأرجونوميكا، تصبح أكثر من مجرد إصلاح إداري أو تقني؛ إنها تتحول إلى رؤية شاملة تجعل الإنسان محور التطوير المؤسسي. فالمؤسسة الناجحة ليست تلك التي تسرع إجراءاتها فقط، بل التي تصمم أعمالها بطريقة تراعي الإنسان، وتساعده على الإنجاز بكفاءة وراحة ووضوح. ومن ثم فإن الجمع بين إعادة الهندسة والأرجونوميكا يمثل مدخلا مهما لبناء مؤسسة أكثر قدرة على الأداء، وأكثر إستجابة لحاجات المجتمع، وأكثر إستعدادا لمواجهة تحديات المستقبل.
16/06/26 ألمانيا
