إدغارد موران : فيلسوف التعقيد والإنسانية

إدغارد موران : فيلسوف التعقيد والإنسانية
الجزيرة نت

غرس الفلسفة في المقاومة ومات وعينه على غزة 

لقد غادرنا الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغارد موران يوم الجمعة 29 ماي 2026 عن عمر يناهز 104 أعوام ، بعد مسار استثنائي امتد لأكثر من ثمانية عقود، وهو ” الجد الفكري لفرنسا ” . بعد أن عاش قرنا كاملا من التحولات الكبرى، بدءا من الحرب الكونية الثانية ومرورا بالحرب الباردة ووصولا إلى أزمات العولمة والحروب المعاصرة. وقد ارتبط بعلاقات وثيقة مع العالم العربي والمغرب، حيث حظي باهتمام أكاديمي واسع بأطروحته حول “ تربية المستقبل ” و ” السياسة الحضارية ” . ولعل مايميزه هو نزعته الإنسانية العميقة بعد أن ظل طوال حياته منحازا إلى قيم الحرية والتضامن الإنساني. خاصة وأنه حذر كثيرا من أخطار الحروب والتعصب والأزمات البيئية وهيمنة منطق الربح على حساب الإنسان. وظل حتى أيامه الأخيرة يمارس قناعته في الكتابة والمتابعة. وقد أعلنت زوجته الباحثة المغربية “ صباح أبو سلام موران ” في بيان لوكالة فرانس بريس صباح يومه السبت ، قائلة:

ظل إدغارد موران حتى آخر أيامه منتبها للعالم وللاخرين وللقضايا الإنسانية الكبرى التي غذت فكره 】وأضافت قائلة 【 الفراغ الذي تركه هائل، لكن شجاعته واخلاصه للناس والأفكار، وصراحة مبادئه لا تزال تنير دربنا 】.

أما وزيرة الثقافة كاثرين بيغارد فقد وصفته بقولها انه:

[ مناضل لا يكِّل من أجل الحرية ، وفيلسوف للفكر المعقد الذي اعتبره ضرورة حيوية لأفرادنا وثقافتنا ومجتمعنا 】.

أما وزير التربية الوطنية السابق ميشال بلانكير الذي شارك موران في تأليف كتاب ” أي نوع من المدارس نريد؟ ” عام 2000 ، فقد قال:

[ كان يجب اختبار أفكاره في ضوء كل ما هو مختلف 】.

وانطلاقا من كل ما ذكر، واعتمادا عليه فإن ادغارد موران لم يكن فيلسوفا بالمعنى التقليدي، ولا عالم اجتماع محصورا داخل حدود تخصصه بل كان مفكرا موسوعيا سعى طوال حياته إلى تجاوز الحواجز بين العلوم والآداب والفلسفة والسياسة والتاريخ . كما كان مقتنعا بأن مشكلات الإنسان لا يمكن فهمها من خلال النظرات الجزئية والمنفصلة، لأن الواقع أكثر تعقيدا وترابطا مما نتصور. وعليه فان رحيله لا يعني غياب مفكر كبير فحسب بل غياب أحد آخر ممثلي جيل المفكرين الذين جمعوا بين المعرفة والالتزام الأخلاقي. وستظل أعماله حاضرة لأنها تذكرنا بحقيقة بسيطة وعميقة في ان واحد :

فالإنسان لا يفهم العالم عندما يجزئه، بل عندما يدرك الروابط الخفية التي تجمع بين أجزائه المختلفة.

وحتى اذا رحل جسده، فإن رسالته الفكرية ستبقى حية، خاصة وأنه يعتبر أحد أبرز العقول الفلسفية التي حاولت إعادة التفكير في أسس المعرفة الإنسانية في زمن اتسم بتسارع التحولات وتعقد الظواهر. فلم يكن مشروعه مجرد إضافة إلى تاريخ الفلسفة بل كان في جوهره محاولة لإعادة بناء العقل ذاته. أي إعادة النظر في الطريقة التي يفكر بها الإنسان في العالم وفي ذاته، ومن هنا تبلورت فلسفته فيما عرف ب “ الفكر المركب ” أو ” فلسفة التعقيد ” ، وهي الرؤية المنطلقة من النقد الجذري للنزعة الاختزالية التي طبعت الفكر الحديث، وسعت إلى تجاوزها نحو أفق معرفي أكثر انفتاحا وتركيبا.

ان فلسفة إدغارد موران تظل في نهاية الأمر دعوة خالصة إلى إعادة التفكير في العالم بطريقة أكثر عمقا وتعقيدا. إنها فلسفة تقاوم التبسيط، وتحتفي بالتركيب. وتدعو إلى فهم العلاقات بدل الاكتفاء بالعناصر المنفصلة. ومن هنا تنبع أهميتها في زمن تتشابك فيه الأزمات ويتعقد فيه الواقع، ويغدو فيه التفكير المركب ضرورة لا خيارا .

وفي هذا الصدد نستحضر قوله : 【 علينا أن نتعلم ربط ما اعتدنا فعله، ولم نفهم التعقيد بدل الهروب منه

ألوان

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *