الكتاب الورقي هو التاريخ.
يقول الاحتفالي: الكتاب ليس حزمة أوراق
فاتحة الكلام

في عصر الرقميات هذا يكون من الضروري ان اسال نفسي، قبل ان اسال اي احد غيري، السؤال المركب التالي:
ــ هل من الممكن للذكاء أن يصبح غباء بدون مقدمات وبدون حيثيات؟
ــ وهل من الممكن ان يصبح الغباء ذكاء بضربة سحرية فقط؟
ــ وهل من الممكن ان يتحقق فعل التفكير بلا تفكير، وان يتم تاسيس علم من العلوم بلا علم وبلا معرفة، وبدون اجتهاد وبدون بحث، فقط بنقرة واحدة على زر من الأزرار، او بسؤال من الأسئلة، والذي يحتمل أن يكون اسئلة ذكية او تكون اسىئلة غبية؟ ومتى كانت الأسئلة الغبية يمكن ان تؤدي إلى الإجابات الذكية؟
وممكن جدا ان تحدث ان تحدث في حياتنا اليومية كثير من الغراىب ومن العجائب، وكل شيء في هذا العالم الجديد اصبح اليوم ممكنا، شكليا على الأقل، او سطحيا على الأقل، اما العلم الحقيقي، فيحتاج بالتاكيد إلى الأسئلة الفكرية والعلمية الحقيقية، ويبقى ان نؤكد على الحقيقة البسيطة التالية، وهي انه لا يمكن ان نسال سؤالا بشريا غبيا، وان نتلقى عنه إجابة اصطناعية ذكية؟
كل شيء يحمل في ذاته نقيضه، وكثرة الاهتمام بالذكاء الاصطناعي البوم، لا يمكن ان يكون دليل ذكاء في كل الحالات، وفي هذا المعنى يقول المثل العربي، بان الشيء اذا ژاد عن حده انقلب إلى ضده، مما يفيد بان كل شيء ينبغي ان تستخدمه في حدوده الحقيقية، وإلا اعطاك نتائج عكسية، وعندما يكون هذا الذكاء ذكاء اصطناعيا، فإنه لا يمكن ان يكون له اي معنى، إلا إذا. معناه في سياقه الحقيقي، وتعاملنا معه بذكاء بشري حقيقي
ونحن نعرف، تماما كما ان كل العالم اليوم يعرف، بأن الذكاء الاصطناعي، عندما تتعامل معه بذكاء بشري حقيقي، فإنه لابد ان تكون له نتائج علمية حسنة و جيدة وحقيقية، والمصيبة هي عندما نتعامل مع هذا الذكاء الاصطناعي بغباء بشري، وتكون النتائج التي نتوصل إليها، هي نتائج كاريكاتورية و عبثية وغبية وكارثية وعبثية
الكتاب بين البداية والامتداد
هل انتهى زمن الكتاب الورقي؟
هذا السؤال ليس سؤالي انا، لان ما يهمني انا هو سؤال البدايات وليس سؤال النهايات، ولقد جاءنا هذا السؤال من صحفي خائف على مستقبل الكتاب الورقي.
ولقد كان جواب الاحتفالي، المؤمن بدورة الكواكب في الفضاء وبدورة الأيام والأعوام في التاريخ وبدورة الدم في العروق، هو أنه لا شيء يمكن أن ينتهي في الوجود بشكل تام ونهائي، إلا من اجل ان يبدا بداية اخرى جديدة، هذا هو قانون الوجود، وقانون الموجودات في الوجود، وهذا الكتاب هو حياة وحيوية، بل هو دروة حياة، ولا وجود لحياة يمكن أن تكمل دورتها الوجودية عبثا، ولا شيء في حياتنا يمكن ان يغيب إلا من اجل ان يحضر من جديد، ولا شيء يمكن ان يختفي إلا من أجل أن يعود بشكل أجمل وأكمل في الأيام الأخرى وفي الأعوام الأخرى وفي الفضاءات الأخرى وفي السياقات الأخرى، واليوم، وفي ظل هذا التطور التكنولوجي والرقمي، يعيش هذا الكتاب الورقي مرحلة جديدة من عمره، او من اعماره المتعددة والمتنوعة، وإذا كان هذا الكتاب قد غير التاريخ، فهو بالتاكيد يقبل ان يتغير في التاريخ، لأنه كائن حيوي، يتغير و يتحول و يتجدد في التاريخ، ولهذا يكون من المنطقي ان لا نسأل عن (نهاية) هذا الكتاب، ولكن ان نسال عن الصور الممكنة و المحتملة التي يمكن ان يظهر بهذا الكتاب، اليوم وغدا. في كل الأزمان القادمة، والكتاب الإلكتروني، هو واحد فقط من الصور التي يمكن ان يظهر بها ومن خلالها هذا الكتاب.
وفي البدء، لم يكن الكتاب ورقا، ولم يكن من انتاج المطبعة، وفي الحضارة السومرية وفي الحضارة الفرعونية حضرت الكتابة المسمارية والكتابة الهيروغليفية وكانت الكتابة على الطين وعلى الحجر، قبل ان ينتقل فعل الكتابة الى الكتابة على الجلد.
وينبغي ان نعرف أن الكتاب ليس مجرد اوراق يمكن ان تحترق، لأنه معرفة او هو روح المعرفة، قبل ان يكون اي شيء آخر، وبحسب د سهيل ادريس فإن الذي يحترق في فعل الكتابة هي اصابع الكاتبين، وذلك في سيرته الذاتية التي اعطاها عنوان ( أصابعنا التي تحترق) ويمكن ان نقول بان ما يحترق في الكتاب هي عقولهم وأرواحهم ونفوسهم قبل اصابعهم، ونعرف ان هذا الكتاب، في معناه الحقيقي، ليس مجرد بياض اوراق يسوده الحبر، ولكنها أرواح حية و طاقات محركة وعقل مفكر.
والكتاب هو مؤسس كل هذا التقدم الفكري والعلمي الذي نحياه اليوم، وهو مؤسس كل الحضارات التي عرفها التاريخ، وقد يكون هذا الكتاب مجرد ورق، ولكن ماذا بداخل هذه الأوراق؟ ذلك هو السؤال الذي ينبغي ان نطرحه.
إن الأوراق التي تشكل الكتب، يمكن ان تحترق، ولكن العبقرية التي تسكن هذه الأوراق ماذا يمكن ان نقول عنها؟
إن قيمة هذا الكتاب تكمن أساسا في طاقته الحيوية المتجددة، وهو بهذا عقل مفكر ، وهو روح مسافر في غابة الإشارات وغابة العلامات، وهو عين من رأى ومن اندهش، وهو عقل ولسان ووجدان وخيال الإنسان عبر التاريخ، ويعكس هذا الكتاب عبقرية الإنسان بكل تأكيد، وهو مرتبط أساسا بفعل الكتابة، وهو بهذا فهو منذور للبقاء والخلود، ولا يمكن أن ننتبه فجأة لنجد أن كل التاريخ البشري قد تم مسحه، ومن يعتقد غير هذا فهو خاطئ، وهو بالتالي لا يعلم بأن الجديد لا يلغي القديم، ولكنه يعززه ويطوره ويجدده، وبهذا تكون التكنولوجبيا اليوم في خدمة هذا الكتاب، وهي تعمل على زيادة نشره في كل العالم، تماما كما عملت المطبعة في أول الأمر، على جعل هذا الكتاب في متناول الجميع، ونفس الدور يمكن أن يلعبه الكتاب الرقمي اليوم وغدا، أي أن يعرف بأمهات الكتب، وأن يجعلها قريبة من كل الناس، وبهذا يكون الكتاب الرقمي مجرد آلة للتوصيل، و آلة للتعريف، وأن ينقل ما تم كتابته على الورق إلى كل من يهمهم الأمر.
ما الذي يمكن ان يحترق في الكتب؟
يتساءل الاحتفالي، هل كل الكتب الورقية هي كتب حقيقية؟ وهل كل الكتب الورقية بها معرفة وبها علم وبها فن وبها رسالة كما ينبغي ان تكون؟
يقول الفرنسيون (اللباس لا يصنع الراهب) وفي المقابل يقول الاحتفالي، الأوراق وحدها لا تصنع كتابا، وهناك كتب كثيرة ليس فيها إلا الورق، وهناك كتب اخرى، يمكن ان تكون كتبا حقيقية، حتى من غير اوراق، وقد يكون من يحفظ كتاب الله كتابا من لحم وعظم ودم، ولقد اخطا كل الطغاة في التاريخ الذين احرقوا الكتب، لأنهم اعتقدوا أن هذه الكتب ما هي إلا ورق يقبل ان يحترق، وان النار يمكن ان تحول ما في هذه الأوراق إلى رماد، ومات كثير من العلماء وبقي علمهم بعدهم.
يقول الكاتب خالد السعيد في كتابه ( تاريخ إتلاف الكتب والمكتبات):
(منذ أن اكتشف الإنسان الكتابة، والكتب هي المحرك والشاهد لكل الشعوب، هي الحكاء الذي ينقل كل شيء من الماضي الى الحاضر إلى المستقبل. لطالما كانت الكتب هي الثبات، الاتفاق، المصالحة، المهادنة، القانون، المعرفة والحكمة. لكن هذا ليس هو الوجه الوحيد للكتب، فعلى اختلاف الأزمنة والمذاهب والأفكار والصراعات الفكرية والدينية والمجتمعية واجهت الكتب، الماء والنار والتراب. إما أن يكون إتلافاً متعمداً من قبل السلطة أو المجتمع أو الأفراد أو العادات والتقاليد، وإما أن يكون شخصياً من المؤلف نفسه لأسباب علمية أو اعتقادية أو نفسية، وإما أن تكون مجرد جور حضارة على أخرى بالسلاح. ولم يتوقف الأمر على مجموعة من الكتب تتطرق إلى موضوع واحد أو عدة مواضيع، وانما تفاقم إلى أن وصل إلى حرق مكتبات بأكملها، تحولت فيها الكتب إلى تلالٍ من رماد سرعان ما عبثت بها أصابع الريح، لكن التاريخ لاينسى، بقيَ الشاهد الوحيد على ذلك. على مر العصور كشفت الحقيقة عن نفسها، كشف الإنسان عن قدرته على وأد الحضارات).
وقصة احراق الكتب يمكن ان نجدها في شريط سينمائي من اخراج المخرج الفرنسي فرنسوا تروفو يحمل عنوان فهرنهايت 451، والجديد في هذه الرؤية السينمائية هو ان فعل حرق الكتب لم يتم في الماضي، ولكنه يتم في المستقبل، وذلك باعتبار أن هذا الشريط السينمائي ينتمي الى جنس سينما الخيال العلمي، حيث نجد ان مهمة فرق الإطفاء الجديدة، هي حرق الكتب بدل إطفاء النار.
يحدث هذا في مجتمع الصورة، يحدث اندلاع الحرب بين الكلمة والصورة، وبين التلقي السلبي والتفكير العلمي الرصين..واعود للسؤال الذي يطرحه الواقع الجديد والذي هو: (متى ينتهي عصر الكتاب الورقي ؟)
وفي الجواب أقول ما يلي:
الكتاب لا ينتهي، وهل يمكن ان يكتب الكاتب كتابه إلا لأنه يعرف لأنه رهان على الخلود، وعلى ان شخص الكاتب سوف ينتهي، في يوم من الأيام، ولكن كتابه لا يمكن ان ينتهي، وكل الكتب التي تنتهي بسرعة، ليست كتبا حقيقية، ويمكن ان نسميها بما نشاء من الأسماء إلا أن تكون كتبا؛ ورقية او طينية او إلكترونية
وهذه الساحة تسع اليوم كل الأشياء، وتسع كل الأفكار، وتسع كل الكائنات التي تتعايش، من غير ان ينفي بعضها البعض، وهل انتهى الحكواتي الشعبي بظهور الراديو؟ وهل انتهى الراديو بظهور السينما؟ وهل انتهت السينما بظهور التلفزيون؟ وهل انتهى التلفزيون بظهور العالم الرقمي؟
الكتاب في كل مكان وزمان
شيء طبيعي أن تكون للكتاب الرقمي إيجابيات، فهو يعمل على دمقرطة فعل القراءة، ويجعل الكتاب حقا من حقوق الإنسان البسيط، والذي لا يستطيع اقتناء الكتاب الغالي، ونحن نعرف كم تكلف بعض الموسوعات من المال، ولهذا فقد كان الكتاب الرقمي ضروريا، ولكن هذا لا يعني أبدا أن يكون ذلك على حساب الكتاب الورقي، والذي له إيجابيات بكل تأكيد، بالإضافة إلى أن له جماليات، فأنا شخصيا عندما أمسك بالكتاب أشعر بإحساس جميل وغريب، وينتابني شيء من الرهبة، وأقول مع المتنبي بأن الكتاب أحسن رفيق في الحياة، وأحسن رفيق في الطريق، وأحسن أنيس في البيت، وفي هذا الكتاب اليوم كتاب بحجم صغير يسمى كتاب الجيب، وهو يصحبنا إلى حيثما ذهبنا، ويمكن أن يكون معنا حيثما كنا.
الكتاب الورقي هو التاريخ أيضا، ولا أحد يمكن أن يمحو التاريخ بسهولة، وفي هذا الكتاب الورقي توجد الحياة، وهو بذلك كائن حي، وكل اعتداء على هذا الكتاب الورقي هو اعتداء على الحياة، وهو محاولة لمصادرة التاريخ.
شيء آخر، وهو أن هذا الكتاب الورقي، ليس مجرد معلومات يمكن أن نحصل عليها بنقرات سريعة على الحاسوب، ولكنه عضو كامل العضوية في البيت، وهو يعطي الدفء للبيوت، ويزيدها جمالا، ويؤثثها، ويشعرك بأنك لا تعيش وحدك، ولكنك تعيش مع العلماء والحكماء والشعراء ومع عباقرة التاريخ، وأنا ما عرفت المتنبي وكتبت عنه مسرحية ( ليالي المتنبي) وما عرفت ابن الرومي وكتبت عنه مسرحية (ابن الرومي في مدن الصفيح) وما عرفت الشاعر الأمير امرا القيس، وكتبت عنه مسرحية ( امرؤ القيس في باريس) إلا من خلال هذا الكتاب
وسيظل هذا الكتاب الورقي موجودا وحاضرا وحيا، مادام هناك من يحبه ويعشقه، ومن يزين به مكتبته، ومن يبحث أساسا فيه عن العلم وعن المعرفة، وعن الحكمة وعن المؤانسة وعن المتعة، وليس فقط عن المعلومات، ونعرف بأنه لا جديد تحت الشمس، وبأن الأيام هي نفسها الأيام، وبأن الفصول هي نفسها الفصول، وبأن الشروق هو نفسه الشروق، وبأن الغروب هو نفسه الغروب، وكما ان الدورة الدموية في الجسم لا تقتل الجسم، وأنها على العكس من ذلك تضمن له الحياة والحيوية، وتضمن له التغير والتجدد، فإن دورة هذه المخترعات لا يمكن أن تقتل أجمل ما في الحياة وما في التاريخ، والذي هو الكتاب، ومع ذلك، فإنني شخصيا أعتبر أن قراءة الكتاب الورقي عادة جميلة، وبأننا في حاجة إلى تعميم هذه العادة الجميلة لدى الأطفال، و نلاحظ أن الدول الغربية المصنعة؛ صانعة الذكاء الاصطناعي، هي الأقرب إلى الكتاب الورقي، ويمكن أن تلاحظ الناس في الحافلات وفي الميترو وفي المقاهي وفي الحدائق وفي كل الأماكن العمومية وهم يقرأون الكتب، ويقرأون الجرائد والمجلات
آخر الكلام
يتساءل الاحتفالي هل كل الكتب الورقية هي كتب حقيقية؟ وهل كل الكتب الورقية بها معرفة وبها علم وبها فن وبها رسالة؟
يقول الفرنسيون (اللباس لا يصنع الراهب)..
ويقول الاحتفالي (الأوراق وحدها لا تصنع كتابا) وهناك كتب كثيرة ليس فيها إلا الورق، وهناك كتب اخرى، يمكن ان تكون كتبا حقيقية، حتى من غير أوراق، وقد يكون من يحفظ كتاب الله كتابا من لحم وعظم، ولقد أخطأ كل الطغاة الذين احرقوا الكتب، لأنهم اعتقدوا أن هذه الكتب ما هي إلا ورق يقبل ان يحترق، وان النار يمكن ان تحول ما في هذه الأوراق إلى رماد.
واللغة التي يكتب بها هذا الكتاب، هي اللغة التي قال عنها شخص الكاتب في ( الرحلة البرشيدية ) بأنها هي اللغة (التي لها ذاكرة وتاريخ، ولها امتداد في المكان و الزمان، ولها روح و وجدان، ولها قواعد وأصول، ولها اسم ورسم، ولها طول وعرض، ولها عمق وغور، ولها رحم لا يكف عن الولادة، ولها اهل و احباب..)
ونحن اهل واحباب وأصحاب و رفاق الكتابة الاحتفالية الحيوية، ونحن، في مسارنا الاحتفالي، قد أكدنا دائما على الكتاب والكتابة، وعلى أن هذه الكتابة لا يمكن ان تنكتب ال بلغة فرد سية ، فيها جمال وخيال، وفيها صدق وشعرية، وفيها معرفة وحكمة، وفيها حكي. محاكاة، وفيها ذاكرة وذكريات.
