المتحولون..

    المتحولون..
مكتبة ألفية

                      في نص مسرحي”هـاتف وجلود”

                نجيب طلال

من بين النصوص التي سلمها لي المبدعطنان بوسيفأثارنا نصجلود وهاتف“(1) ولاسيما أن الكاتب أنجز ما يقارب من اثنا عشرنصا مختلفة التوجه، وللتذكير، فإن أعماله كأن سورا بني على رواجها وإشعاعها من لدن ( لوبي) من قلب الميدان ( المسرحي) مجهول الهوية والزعامة (؟) يحارب ( أي) إبداع يخالف صاحبه (السّرب) هل نتيجة أحقاد دفينة أم القضاء على تجربته الإبداعية؟

ليس هو الوحيد بل أعطي مثالا ( هاهنا) بالمسرحيعباس جدةالذي عاش خمسة عقود من الفعل المسرحي، ولديه نصوص عدة، ولا استجابة حتى في الدعاية (؟) فبالأحرى المتابعة والاهتمام، لنترك القوس مفتوحا لنعد للنص الذي بين أيدينا مختلف اختلافا بينا عما أنجزه، حيث اقتحم فيه عوالم الوضع المتحولحزبياوبالأحرى سعى أن يقدم صورة مصغرة في شخص (عبد الحليم) المناضل والمبدئي الممتنع عن رغبات الحزب والخضوع لإغراءته باعتبار: “إن استقلال الذات هو تعبير عن احتياز للرغبة وكل رغبة تتحقق بشرط امتلاك القوة التأسيسية للوجود المستقل، أعني الإرادة الحرة المستقلة(2) لأنه يرى (ع الحليم) بأن اختياره لرئاسة الحزب والجريدة، استلاب لقناعته و لإرادته الحرة المستقلة، التي اقتنع بها رغم سنوات الاعتقالالسياسيأكيد أن التجربة كانت قاسية، وقد تُغيّر الإنسان بشكل جذري، إلى حدّ أنه يُغيّر جلده فيفقد جزءًا من هويته النضالية الأصلية، أو يعيد تشكيلها بما يخدم البقاء أو الاندماج.هذا الأمر عند بعض السياسيين، ولكن ( ع الحليم) نموذج متفرد يحمل إرادة صلبة، إرادةٍ آمنت بذاتها حدّ اليقين.

* ماجدة: ( وهي تدخل المطبخ من جديد) هو كذلك لم يتغير مهما ظلام الزنازن وثقل القيود

* ع الحليم: الكل يطمح إلى التغيير ..تغيير اللباس ..الحالة الاجتماعية ..الجلد إلا أنا.. أنا يعجبني جلدي

المملح ! ربما أسلافي الغابرين كانوا من الهنود الحمرهاه..هاه..هاه(يضحك)(ص45/46)

بحيث طرح عرض الإغراء( الرئاسة/ المسؤولية)التي تقدم بها وسيط الحـزب( عـزوز) الذي التقى به ليس وفق قناعاته الأصيلة، بل وفق ما فُرض عليه أو ما تكيف معه.

* عـزوز: المعذرةربما فهمتني خطأ يا عبد الحليم ..أنا هنا كالعبد المأمور

* عبد الحليم : أعرفأعرف ذلك..أنت دوما كنت وستظل العبد المأمور لأسيادك ( ص49)

هذا اللقاء الذي يكشف لنا المستور: ليتقابل الظاهرُ مع الباطن، ويتصادم المبدأُ مع الانتهازية في مرآةٍ لا ترحم. هناك، تتعرّى الهوية الحقيقية من وهْمها، وتسقط الأقنعة الاجتماعية التي طالما أتقن ارتداءها العديد من السياسيين/ الحزبيين. لكن في أول فرصة يصبحون متحولين/ انتهازيين، وهذا عبر عنه ( عـزوز) بكل جرأة، طبقا أن الأغلبية غيرت جلدها واستفادت من الوضع القائم، ولكن الوجه الثاني يذكي أن التحول ليس طبقا للظروف المادية والاجتماعية، بقدرما هو مفروض، هذا إذا قمنا بقراءة تاريخ الذين يغيّرون مواقفهم أو انتماءاتهم السياسية عندما تشتد الأزمات (أمنية، اقتصادية، أو اجتماعية)أو خلال الحروب أوالثورات أو تغير الأنظمة، حيث يعيد كثير تموضعهم بسرعة ! غالبًا بدافع المصلحة أو الخوف أو محاولة التكيف مع موازين القوى. وبعضهم بدافع البقاء، وبعضهم بدافع الطموح واستغلال الفرصة. لكن نصهاتف وجلودللكاتب بوسيف طنان، خارج هاته الحيثيات، حيث يجسد واقعا لتحول المبادئ والأفكار عند الحزبيين/ السياسيين، وخاصة الفصائل اليسارية ذات الوجه والقناع :

*عزوز: لا..لا..أعتقد..كنت دوما: شعاري النجاح وديني تحقيق المرادأنا ابن فقير وجدي فقير وربما جد جدي كذلك..ورثت الفقر..ومادام الفقر ليس بعيب فالعيب كل العيب ألا أستفيد من فرص العمر وهي تقرع باب بيتي...(46/47)

هنا يبرز لنا أن تغيير الجلود يأتي خارجيا، معية استعداد قبلي ونفسي لذلك ( عـزوز) نموذج لمناضل قد بدّل جلده، بل استجابةً مريرةً لواقعٍ أعاد تشكيله على صورته. ساهمت في  تغيير جلد المناضلين. لهذا فالواقع السياسي والحزبي خلق تشكلا بديلا عن النضالية والإيمان بالمبادئ والأفكار حيث يتخلى البعض عن مبادئهم بسرعة عند أول اختبار حقيقي. في هذا المعنى، يُنظر إليهم كأشخاص بلا ثبات، يركبون الموجة الأقوى فقط. كشخصيةعبد الحكيمالحاضرة في( الهاتف/ ذاكرة )عبد الحليم والغائبة دراميا، هي شخصية مهزوزة تعـيش بين الوحدة والخواء في أعماقها الداخلية، لأسباب تكمن في أعماقه الداخلية نتيجة رئاسته حزب يساري، وتخليه عن يساريته، وبالتالي تمظهر الإحساس بالوحدة ، عندما يشعـر الفرد بالخواء والفراغ من جوانيته ، وكذلك عندما يحـس بأنه خائف من شيء ما ، لكن في مسألة عبد الحكيمنتيجة :” صدمة التغيير، يصبح على وعي بحقيقة الرغبات والأهداف التقليدية التي يتعين عليه إتباعها، فيجد أنها لا تؤمن له الحماية والآمان ولم تعد توفر له أي توجيه يرغب فيه أو له معناه، أعني؛ حينما يحس بفراغ داخل ذاته، وهو وسط خليط من التشويش والتشتيت، فإنه بعد كل هـذا يحـس بالخطر يحدق (3) فلهذا فطرح رئاسة الحزب والجريدة كمهام للمناضلعبد الحليمما هو إلآ طعم ليختفي وراءه ( عبد الحكيم) هنا تتمظهر الانتهازية السياسية بكل تجلياتها، لكن الذي يعكس لنا الوجه الآخر لدوافع تغييرالجلد” (عـزوز) الذي:” يعيش وكأن جهاز استشعار أو استحساس( رادار) دائم مثبت في دماغه ينبئه بما يتطلبه الناس الآخرون منه وما يتوقعون.  وجهاز الاستشعار هذا يتلقى بواعثه وتوجيهاته من الآخرين.فهو أشبه بالرجل الذي وصف نفـسه بأنه مجموعة من المرايا، قادر على أن يستجيب، ولكنه عاجز عن الاختيار، فهو لا يملك موقفا فعالا(4)

فبين محرك خيوط تغيير الجلد والمساهم في قبول المساومة. التي استدركها ( عبد الحليم) من خلال كثرة المكالمات الهاتفية من ألأمانة العامة للحزب، بغية المساومة للمنصب الجديد، يصرخ منذ البداية صرخة تدفعنا لمواكبة تطورات الأحداث :

*عبد الحليم: ما بال العالم يتهاوى كفراش النور من حولي؟ ياويلتاه الدنيا انفجرت من دون لغم ولا قنبلةالبشرية غيرت جلدها وباتت تستهلك الأكاذيب ؟ (ص13) فهاته الصرخة تكشف كذلك بأن الفرد ابتلعه القطيع حسب تعبيرنيتشهولم تعد له تلك الاستنارة الداخلية ، التي تساهم هي أن تكون مع الجماعة بقلبك ، وتحفظ حرية إرادتك. هذا الطرح يدفع بنا نحو شخصية( ماجدة) هل هي مناضلة حقا أم تابعة؟ من خلال السرد يتضح أنها مسلوبة إرادة، حيث إرادتها بيد( عبد الحليم):

* ماجدة: ألا تفهم أريد بيتا..أريد أطفالا..ولو واحد على الأقلأنا امرأة ..امرأة يا حليم

*ع الحليم :افهمافهم قصدك..لكن ألا ترين أنك تستعجلين الأمر؟

*ماجدة : استعجب أنا استعجل الأمر؟ سبحان الله منحتك كل شيء ماذا تنتظر العمر يتبدد كقطع الثلجألا تراني أذوب معـك بلا فائدة ؟

* ع الحليم : أترانا شركاء في مقاولة يا ماجدة لتتحدثين عن الفائدة

* ماجدة : دعك من المراوغة..زمن الفلسفة ولى..العالم تغير..لم نعـد صبايا ولا شباب..(ص20) فهاته الشخصية  ولدت لدي سؤالا جوهريا، هل نساؤنا مناضلات أشداء في الأحزاب السياسية؟ أكيد النضال موجود، لكنه غير متكافئ، بين الأحزاب، و ما زالت المشاركة النسائية تعاني من معيقات مثل ضعف التمثيلية في القيادات العليا أو هيمنة الذكور على دوائر القرار. لكن (ماجدة) هي مناضلة، ولكنها تبحث عن مستقبلها، حتى أن هنالك تردد في شخصيتها بين ماهية النضال الصادق ومحاولة تغيير الجلد عن طريق( ع الحليم) ولم تجعل من الماضي سببَ حزنٍ أو ينبوعَ يأسٍ.

*ماجدة :وليكن..كل المناضلينحتى الأحزاب العتيدة غيرت اتجاهها ومسارها حين سدت الآفاق في وجوههم

*ع الحليم :أية آفاق يا ماجدة ؟ الإنسان النفعي والوصولي لا خير فيه ..الرجل القادر على التملص من هموم مجتمعه كائن سلبي لا ربح معه ولا وراءه..انسي الأمر…( ص63)

ربما سأكون متعـسفا على هاته الشخصية، لكنبوسيف طنان استطاع ببراعة أن يحبك الشخصيات انسجاما بخطابها وانفعالاتها، كأنه جزء من الحدث، وليس ناقلا لـه، ليكشف لنا من زاوية درامية ، بأن التجربة السياسةاليسارية  أمست تعيش تراجعات وردة قاتلة، بعدما قامت بانقلابات إيديولوجية غير محسوبة النتائج ، الذي انعكس على مسارها النضالي، وفي نفس السياق يكشف لنا واقع الاجتماعات والتعيينات في غياب جو اختياري/ ديمقراطي، فشخصية ( ع الحليم) المناضلة ، الملتزمة بالمبادئ دون تبديل يرفض التعيين واللاديمقراطية:

*ع الحليم: أولا لأن اسم الحزب لا يروقني..ثانيا هو ضد مبادئي وأفكاري..ثالثا سلوكي..تربيتي وأخلاقي وحتى ثقافتي لا تسمح لي بأن اقبل تعيينا لم احضر فيه أو أشارك في بلورته

* ماجدة : وما المشكلة ؟

* ع الحليم: أترينني اقبل مثل هذه المهزلة ؟ قال: اللجنة التحضيرية عينتني..كان الاقتراح بالإجماع..أن أصبح كاتبهم العام ومدير جريدتهملِـم لـمْ يطلبوا مني الحضور على الأقل؟ ( ص62) الصورة هاته أمست مألوفة، وحتى إن حضر، فهو مرشح سلفا وبالإجماع المزيف، وهذا باركته( ماجدة) ولم تعارض عن المهزلة، وبالتالي إذا قمنا بضبط حوارتها ما بعْـد فقدان الأمل لكي تصبح زوجة وأما لطفل  و(لو) واحدا مثل حوارات ذات طبع تشنجي غير لين ولا لبق:

*ماجدة : ماذا يريد بالضبط ؟

* ع الحليم: يريد أن أصبح الكاتب العام لحزبه الجديد

*ماجدة : ولم لا ؟ هذا اعتراف ضمني بقيمتك..تشريف وتكليف بالنسبة للعديد هو بمثابة حلم العمر (ص61) هذا إذا أضفنا:

*ماجدة : الوداع..( تلملم حاجياتها وتلوح له مودعة) وداعا ( تغادر)

* ع الحليم: انتظريلالا تفعليليس معَك أنتَ ( في الهاتف) أفكفى (يغلق الهاتف) (ص81)

أليست هذه الحوارات تجعلنا أن نضع[ ماجدة/ المرأة]  في سياق من يغيرون جلودهم؟ هنا لا أفكر بالمنظور الأيروسي، بل بناء على معايشة ومتابعة، حيث لا نختلف بأن هناك حركية نسائية في المجال النقابي والحزبي والحقوقي كذلك، ولاسيما لقد:”أعاد الحراك الاجتماعي المغربي النقاش حول تموقع الحركة النسائية ودورها في الدفاع عن الديمقراطية والمساواة، وقدرتها على إبراز مكانة حقوق النساء ضمن المطالب الديمقراطية المطروحة من مكونات المجتمع السياسي والمدني، خصوصاً وأن الانخراط القوي للنساء ضمن الحركات الاحتجاجية المطالبة (5)

الاستئناس:

1- هاتف وجلود مسرحية في سبعة أنفاس : لطنان بوسيفمطبعة بلال/ فاس– 2024-

2- أفول الحقيقةالإنسان ينقض ذاتهكتاب جماعي ص8- إفريقيا الشرق/2004

3-  البحث عن الذاتدراسة نفسية تحليلية-:لرولومايت/ عبد علي الجسمانيص 37 المؤسسة العربية للدراسات والنشر/1993

4- نفسـهص 27-

5- تجربة الحركة النسائية المغربية: المناصرةتقرير بحثي لنعيمة بنواكريم ص19 معهد عصام  فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية/2018

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *