من واقع اليمن السعيد: صنعاء القديمة..
أناقة النساء وذاكرة المكان

(لا بد من صنعاء وإن طال السفر) … عبارة تناقلها الناس جيلاً بعد جيل، في إشارة إلى المكانة الخاصة التي احتلتها هذه المدينة في الوجدان اليمني. فهي مدينة لا تشبه غيرها.
وحين تطأ قدماك صنعاء القديمة، وتقف أمام باب اليمن، تشعر وكأنك تعبر إلى زمن آخر. تمتد أمامك المباني العتيقة المتلاصقة في انسجام بديع، مشيّدة من الياجور الأحمر ومزينة بالجص الأبيض، فيما تتوّج نوافذها (القمريات) التي تنفذ منها ألوان الضوء لتنسكب على الجدران في مشهد آسر.
وخلف هذا الباب التاريخي تنفتح الأزقة والأسواق، حيث تختلط روائح البن والبخور والتوابل، لتقدم للزائر صورة حيّة لمدينة ما تزال تحتفظ بروحها عبر تاريخها الطويل الذي يمتد لأكثر من 2500 عام وفقاً لمنظمة اليونسكو.
وفي قلب هذه التفاصيل التي حفظت ملامح صنعاء القديمة، يبرز الزي النسائي التقليدي بوصفه أحد أهم تجليات الهوية الثقافية. فقد حملت المرأة الصنعانية في أثوابها وحليّها ذاكرة المكان، وروت من خلال الألوان والنقوش جانبًا من تاريخ المدينة الاجتماعي والجمالي.

ومن أبرز هذه الأزياء ما يُعرف بـ(الستارة والمخمق)، وهما غطاء خارجي كامل للجسد؛ المخمق هو الخمار الذي يغطي الرأس والوجه، والستارة هي القماش الواسع المزخرف بنقوشه الهندسية الملونة، يجمعان معاً بين الاحتشام والأناقة.
أما في الأعراس، فتتجلى الأزياء الصنعانية بأبهى صورها، إذ ترتدي العروس مجموعة من الملابس التقليدية التي ما تزال كثير من الأسر تحتفظ بها بوصفها مقتنيات ثمينة تعكس تراث اليمن الثقافي العريق. ومن أهمها (القميص)، و(التاج اليمني)، و(القنبعي).
يتكون (القميص) من قطعتين من القماش الفاخر المطرز يدويًا بخيوط الذهب؛ إحداهما تُغطّي الرأس والوجه وتزيَّن بأغصان الشذاب، بينما تكون الأخرى قميصًا واسع الأكمام يغطي الجسد كاملًا، وتكتمل الزينة بقلادة من الفضة والمرجان.
أما (التاج اليمني) فيُعد من أكثر الأزياء أناقة، وكان قديمًا الزي الرسمي للعروس عند انتقالها إلى بيت زوجها، بينما أصبح اليوم يُرتدى غالبًا في زيارة أهلها بعد الزواج. ويتكون من تاج مرصع بالذهب، يعكس قيمته الرمزية والجمالية.

ويأتي (القنبعي) بوصفه أحد الأزياء ذات الخصوصية المميزة، وهو تاج مخروطي الشكل مرصع بجنيهات ذهبية، ترتديه العروس في يوم العزومة لدى أهلها بعد انتهاء شهر العسل، ويُعرف في صنعاء باسم (الشكمة)، وكان يصنع قديمًا من الذهب الخالص.
ويمتاز الزي الصنعاني، خصوصًا في الأعراس، بفخامة واضحة في التطريز وتناسق الألوان، حيث تُستخدم خيوط الذهب والفضة، وتتدرج الألوان بين الداكن والزاهي، في انعكاس لذوق جمالي رفيع وحس حضاري متجذر. ولهذا حافظت نساء صنعاء على هذه الأزياء بوصفها كنوزًا تراثية لا تقل قيمة عن التحف النادرة.

ولا يقتصر حضور الأزياء التقليدية على الأعراس، بل يمتد إلى مناسبات اجتماعية أخرى، منها فترة الولادة، حيث ما تزال بعض النساء يحتفظن بعادات قديمة مرتبطة بهذه المرحلة. ومن ذلك ما يُعرف بـ(العصبة) و (العسجة)، إضافة إلى إعداد مكان مرتفع للمرأة الوالدة في غرفتها يُسمى (السجاف)، يُجهز من الأقمشة القديمة.

وتُعرف (العصبة) بأنها غطاء للرأس والرقبة يُصنع من الخرز أو المرجان أو الكريستال أو الفضة، وتتعدد أشكالها وألوانها، وتُرتدى بعد مرور نصف شهر على الولادة. أما (العسجة) أو (السماطة)، فهي قطعة قماش متعددة الألوان تُوضع على الرأس مع الحلي، وتُلبس في ما يُعرف بـ(يوم الوفاء) بعد مرور أربعين يومًا على الولادة.
أما (المصر الطالعي والنازلي)، فيتكون من قطعتين؛ الأولى قطعة خفيفة تُلبس فوق الرأس، ثم يُلبس فوقها المصر الطالعي الذي يُصنع من قماش يُسمى الجرز، ويوضع في وسطه مقوّى ليحافظ على شكله، ثم يُربط بإحكام حول الرأس. وتعتاد نساء صنعاء ارتداءه في المناسبات الاجتماعية المختلفة، مثل التفرطة والأعراس، وكذلك في فترة الولادة.
تقول أم آلاء القاضي، إحدى نساء صنعاء القديمة، إن الملابس التقليدية كانت جزءاً لا يتجزأ من أفراحها؛ فقد ارتدتها في زفافها وفي مناسبات ولادتها. ورغم اعتزازها بالأصالة، إلا أنها تتابع الموضة الحديثة وتقتنيها لكونها أكثر خفة وأقل تكلفة. وتضيف أن للزي القديم نكهة خاصة تعيد النساء إلى هويتهن وثقافتهن، مؤكدة أن الأناقة كانت دوماً جزءاً أصيلاً من حضارة المرأة اليمنية منذ القدم.

ويعود تاريخ الملابس اليمنية التقليدية إلى حضارات عريقة مثل سبأ وحمير، حيث كانت الأقمشة تُغزل وتُصنع محلياً، وتُزيّن بأبهى النقوش والزخارف اليدوية. ومع تعاقب العصور، تشكلت ملامح هذه الأزياء متأثرةً بالتنوع الجغرافي وبالتبادل التجاري والثقافي مع الشعوب المجاورة، إلا أنها ظلت محتفظة بطابعها المحلي الذي يجسد الهوية اليمنية الأصيلة.
وقد عُرفت صنعاء منذ القدم بصناعة النسيج والحياكة، واشتهرت نساؤها بالغزل وصناعة الأقمشة يدويًا، كما ازدهرت فيها صناعة الملابس من الصوف والقطن والكتان، إلى جانب الأوشحة والبرود والملابس المزخرفة، لتصبح المدينة مركزًا مهمًا للحرف اليدوية المرتبطة بالملابس والزينة.

وفي صنعاء كانت تُصنع أيضًا الدراعة، والمنديل، والمطرف، والرداء، والجوارب، والسراويل، والإزار، والنقاب الذي كانت المرأة تضعه على عينيها، فإذا تدلى إلى أسفل الوجه سُمّي لثامًا.
وهكذا تبدو الأزياء الصنعانية سجلًا حيًا يختزن ذاكرة مدينة عريقة، ويعكس ما حفظته من جمال عمرانها وتفاصيل لباسها. وتبقى صنعاء، مهما طال السفر إليها، حاضرة بما تحمله من تاريخ وروح وهوية.
