همسات السهر ..
خفايا الضرر..

من لطائف الله في المرض أن يسقط به عن العبد رؤية قدرته، ليقيمه في شهود عجزه. ولا شيء أقرب إلى باب الله من قلب خلع عنه المرض دعوى الاقتدار، وأوقفه على حقيقة الافتقار. فربما فتح الله للعبد في ساعة ضعف ما لم يفتح له في أعوام قوة؛ لأن الصحة قد تستر، والمرض يكشف، والعافية قد تنسي، والوجع يرد إلى الأصل.
وليس المرض في حقيقته مجرد ألم ينزل بالجسد، بل هو خطاب خفي يعرف العبد بحده، ويؤدبه في نظره، ويرجعه من شهود نفسه إلى شهود مولاه. فإذا تعطلت بعض الأسباب، واضطربت بعض القوى، وتخلخلت دعوى التماسك، علم المرء أن قيامه بالله لا بنفسه، وأن بقاءه بمدده لا بحوله، وأن ما كان يظنه من ثباته إنما هو فضل مستور، لا ملك ذاتي.
إذا أقامك المرض في مقام العجز، فلا تظن أن ذلك إبعاد، فلربما كان العجز أقرب الطرق إلى معرفة الله. لأنك ما دمت ترى لنفسك قوة، بقي لك من نفسك حجاب. فإذا كسر المرض هذا الحجاب، لاح لك من معنى العبودية ما لا يلوح لك في حال السعة. فالضعف باب، والانكسار مفتاح، والحاجة إذا صحت كانت من أعظم أبواب الدخول على الله.
كل أَنة من المريض اعتراف، وكل آهة منه سؤال، وكل لحظة ضعف تمر به تذكير بأنه محمول لا حامل، محفوظ لا حافظ لنفسه، قائم بالله لا بنفسه. فإن فهم العبد عن الله في مرضه، صار وجعه تعليما، وصار ضعفه تعريفا، وصار طول بلائه تربية له على صدق اللجإ وحسن التفويض. فليس الشأن أن يتألم الجسد، وإنما الشأن أن يستيقظ القلب.
ورب مرض كان في الظاهر محنة، وهو في الباطن منحة؛ لأنه قطع عن العبد فضول التعلق، وخفف من قلبه أثقال الغفلة، وأراه من الدنيا سرعتها في الزوال، وقلة وفائها لأهلها. فإذا نظر الصحيح إلى قوته اغتر، ونظر المريض إلى ضعفه فاعتبر. وإذا امتدت الأسباب بالأول، ربما نسي المسبب، وإذا انقبضت بالثاني، لم يجد له ملجأ إلا الله. فكان المرض لبعض القلوب رحمة في ثوب شدة، ولطفا في صورة قهر.
وإذا صحب المرض الرضا، صار بلاء الجسد راحة للروح. وليس الرضا ألا يجد العبد ألما، ولكن الرضا ألا يجد في قلبه اعتراضا. وليس التسليم ترك سؤال العافية، ولكن التسليم أن يسأل بأدب، ويفوض بحسن ظن، ويعلم أن اختيار الله له خير من اختياره لنفسه. فربما تأخر الشفاء ليتحقق الافتقار، وربما طال الوجع ليكمل الأدب، وربما دام الانكسار لأن باب القرب لم يفتح إلا منه.
وفي المرض تصغر الدنيا في العين؛ لأن العبد يرى عند نزول الوجع أن كثيرا مما كان يعظمه لا يقوم له وزن عند الحقيقة. فلا يأسى على ما فاته من زخرفها كما يأسى على ساعة من عافيته مضت في غير الله. فالخسارة ليست في ذهاب الصحة وحدها، بل في ذهابها دون شكر، وفي انقضاء القوة دون طاعة، وفي مرور الزمن خاليا من المعنى. فإذا أورث المرض هذا الفهم، كان نعمة من حيث لم يظنه الناس نعمة.
والمرض يعلم العبد أيضا أن الحاجة إلى الله ذاتية، لا عارضة. ففي الضعف يتعلق بالقادر، وفي الوجع يتعلق بالشافي، وفي الوحشة يتعلق بالمؤنس، وفي الخوف يتعلق بالحفيظ. وهو سبحانه، بتقليب هذه الأحوال، لا يريد إلا أن يعرف العبد بحقيقته: أنه مفتقر إليه في جميع أمره، لا في الشدة وحدها. غير أن الشدة ترفع الغطاء، وتسمع القلب ما كان يغيب عنه في ضجيج العافية.
فلا تنظر إلى المرض بعين الحرمان فقط، وانظر إليه بعين الفهم أيضا. فإن المرض إن حجب عن بعض التصرف، فقد يفتح باب التوكل. وإن أضعف الجسد، فقد يقوي اليقين. وإن أوقف بعض الحركة، فقد يطلق القلب إلى معان من الذكر والتسليم لا يطلقها له انشغال الصحة. وكم من عبد صح جسده ومرض قلبه، وكم من مريض في ظاهره، وقد ألبسه الله في باطنه ثوب القرب والطمأنينة.
وعظم الرجاء في الله عند المرض؛ لأن الذي أنزل البلاء هو القادر على كشفه، والذي أذاق الضعف هو القادر على أن يبدله قوة، والذي أقام العبد في مقام الحاجة هو الذي يفتح له من خزائن رحمته ما يعجز عنه الظن. فلا يقصرن المريض مطلوبه، ولا يضيقن في دعائه، بل يسأل الشفاء والعفو والقرب، ويحسن الظن بربه في الجميع، فإن الكريم لا يرد من قصده، ولا يخيب من أحسن به الرجاء.
ومن فهم سر المرض خرج منه بقلب ألين، ونفس أخشع، وصدر أصفى، ومعرفة أصدق بربه وبنفسه. هناك يعلم أن البلاء إذا صحبه الفهم لم يبق بلاء خالصا، بل صار مطية إلى العبودية، وسببا إلى المعرفة، وبابا إلى الله. ومن عرف أن الله معه في مرضه، هان عليه ما يجد؛ لأن الأنس بالقرب يخفف ثقل الوجع، ونور الحكمة يسكن اضطراب النفس، ورحمة الله إذا حضرت جعلت من موضع الألم موضع جبر.
18/04/26 ألمانيا
