التكوين بين المهنة والحياة..

التكوين بين المهنة والحياة..
MIE

جدلية الإنسجام والانفصال في السلوك الإنساني

   منير لكماني

لا يقتصر التكوين على اكتساب مهنة أو إتقان مهارة أو حمل شهادة. فهو، في جوهره، عملية عميقة لبناء الإنسان في فكره وسلوكه وضميره. والتكوين الحقيقي لا يظهر في مكان العمل فقط، بل يمتد إلى البيت والشارع والمجتمع. لذلك لا يكفي أن نسأل: ماذا تعلم الإنسان؟ بل ينبغي أن نسأل: كيف أثر هذا التعلم في أخلاقه وتصرفاته؟ فالمعرفة التي لا تهذب السلوك تبقى ناقصة الأثر. والتكوين الذي لا يصنع إنسانا متوازنا يظل حبيس الوظيفة.

حدود المهنة واتساع الحياة

قد ينجح الإنسان في مهنته، لكنه يفشل في حياته اليومية. وقد يكون ماهرا في عمله، ضعيفا في علاقاته الإنسانية. وهنا تظهر إشكالية الإنفصال بين التكوين والسلوك. فالمهنة تمنح صاحبها أدوات العمل، لكنها لا تمنحه بالضرورة نضج الشخصية. والتخصص يعلم القواعد، لكنه لا يضمن وحده حضور الضمير. لذلك يحتاج التكوين إلى بعد أخلاقي يجعله أوسع من الأداء التقني. فالحياة لا تقاس بالكفاءة وحدها، بل بالانسجام بين العلم والعمل.

المهندس ومنطق التوازن

يتعلم المهندس أن البناء لا يستقيم إلا بالتوازن والدقة وحسن التقدير. فهو يحسب الضغط، ويوازن بين العناصر، ويتجنب أسباب الإنهيار. لكن السؤال الأعمق هو: هل يحمل هذا المنطق إلى حياته الإجتماعية؟ فالمهندس المتكامل لا يبني الجسور والجدران فقط. بل يبني أيضا علاقات متينة داخل أسرته ومحيطه. يوزع المسؤوليات بعدل، ويحفظ التوازن بين العمل والبيت. أما إذا بقي تكوينه تقنيا فقط، فقد ينجح في البناء ويفشل في الحياة.

القاضي وعدالة السلوك

يمثل القاضي صورة العدالة داخل المجتمع، لأنه مطالب بالحياد والإنصاف. لكن العدالة لا تكتمل إذا ظلت محصورة في قاعة المحكمة. فالقاضي العادل حقا هو من يجعل الإنصاف خلقا في بيته وعلاقاته. قد نجد من يحكم بين الناس بالعدل، لكنه يتسلط على أسرته. وقد نجد من يعرف القانون، لكنه لا ينصت لصوت الضمير في حياته الخاصة. وهذا يكشف أن العدالة المهنية لا تكفي وحدها. بل لا بد أن تتحول إلى قيمة داخلية راسخة في الشخصية.

الطبيب ورحمة الإنسان

يتعلم الطبيب أن يحمي الحياة، وأن يخفف الألم، وأن يحترم كرامة الإنسان. وتقوم مهنته على الرحمة والانضباط والمسؤولية. غير أن هذه الأخلاق تفقد معناها إذا بقيت داخل المستشفى فقط. فالطبيب المتوازن هو من يكون رحيما في عمله وفي بيته أيضا. يصغي إلى مرضاه، ويحسن التعامل مع أسرته، ويحمل روح المسؤولية حيثما كان. أما الطبيب الذي يداوي الناس ويقسو على أهله، فيعيش تناقضا مؤلما. لذلك فالأخلاق المهنية تحتاج إلى تربية داخلية تحميها وتوسع أثرها.

الحرفي والصانع وأمانة الإتقان

لا يقل الحرفي والصانع أهمية عن أصحاب المهن الكبرى، لأنهما يترجمان التكوين إلى عمل يومي ملموس. فالحرفي المتقن لا يصنع بيده فقط، بل يصنع بثقته وصدقه واحترامه للناس. والصانع الحقيقي يعرف أن جودة العمل ليست مظهرا خارجيا، بل أمانة ومسؤولية. فإذا أتقن عمله وغش في معاملته، فقد فصل بين المهارة والخلق. وإذا إحترم الوقت، وأنجز الوعد، وحفظ حقوق الزبائن، فقد جعل تكوينه سلوكا. ومن هنا يصبح الإتقان قيمة إنسانية قبل أن يكون مهارة مهنية.

الطالب وتكوين المستقبل

الطالب ليس خارج دائرة التكوين، بل هو في قلبها، لأنه يتكون اليوم ليصير إنسان الغد. فالدراسة لا تعني جمع المعلومات فقط، بل تعني تعلم الصبر، والنظام، وإحترام الأستاذ، وتقدير الوقت. وقد يكون الطالب ناجحا في الامتحان، لكنه ضعيف في الإنضباط أو الصدق أو إحترام الآخرين. وهذا يدل على أن التفوق الدراسي لا يكفي وحده لصناعة شخصية متوازنة. فالطالب المتكون حقا هو من يجعل المعرفة وسيلة لترقية سلوكه. ومن هنا يبدأ بناء المجتمع من مقاعد الدراسة قبل مواقع العمل.

التاجر وميزان الأمانة

التاجر يتعامل يوميا مع المال والربح والمصلحة، ولذلك يحتاج تكوينه إلى ضمير يقظ. فالتجارة ليست ذكاء في البيع والشراء فحسب، بل هي أمانة وصدق وحفظ لحقوق الناس. وقد ينجح التاجر في جمع المال، لكنه يفشل أخلاقيا إذا غش أو احتكر أو استغل حاجة الضعفاء. والتاجر المتوازن هو من يربط الربح بالرحمة، والمصلحة بالعدل، والنجاح بالثقة. فإذا صار السوق مجالا للأمانة لا للخداع، تحول التكوين التجاري إلى قيمة إجتماعية. وبذلك تصبح التجارة خدمة للمجتمع لا مجرد وسيلة للكسب.

ربة البيت وتكوين الحياة اليومية

ربة البيت تمارس تكوينا عمليا عميقا، وإن لم يكن دائما مصحوبا بشهادة أو منصب ظاهر. فهي تدير الوقت، وتنظم شؤون الأسرة، وتربي الأبناء، وتحفظ توازن البيت. وعملها لا يقوم على الجهد الجسدي فقط، بل على الصبر والحكمة والرحمة وحسن التدبير. فإذا غرست في البيت قيم الإحترام والنظام والمسؤولية، فقد صنعت تكوينا حقيقيا للأجيال. وربما كان أثرها أعمق من أثر مؤسسات كثيرة، لأنها تبني الإنسان في أول فضاء يتعلم فيه الحياة. لذلك لا يجوز حصر التكوين في الوظائف الرسمية، لأن البيت نفسه مدرسة كبرى للسلوك.

الازدواجية بين المعرفة والواقع

تكشف هذه الأمثلة عن ظاهرة يمكن تسميتها بالإزدواجية السلوكية. فقد يظهر الإنسان منضبطا في عمله، مضطربا في حياته الخاصة. وقد يحترم القواعد أمام الناس، ثم يخالف قيمها في علاقاته القريبة. ويرجع ذلك إلى ضعف التربية القيمية في بعض مسارات التكوين. كما يرجع إلى النظر إلى المهنة بوصفها وسيلة للعيش فقط، لا رسالة للحياة. والضغط اليومي قد يزيد هذا الانفصال بين الأدوار والمسؤوليات. لكن الوعي الصادق قادر على إعادة الصلة بين ما يعرفه الإنسان وما يعيشه.

نحو تكوين يصنع الحياة

إن التكوين المطلوب اليوم هو تكوين شمولي يجمع بين المعرفة والضمير. فلا قيمة لمهارة لا تصحبها مسؤولية، ولا لكفاءة لا يوجهها خلق. والمجتمع لا يحتاج إلى متخصصين بارعين فقط، بل إلى أناس منسجمين مع ذواتهم. حين يستبطن المهندس معنى التوازن، والقاضي معنى العدل، والطبيب معنى الرحمة، والحرفي معنى الإتقان، والطالب معنى المسؤولية، والتاجر معنى الأمانة، وربة البيت معنى التربية، يصبح التكوين حياة. وعندئذ تستقر الأسرة، وتقوى الثقة، ويتراجع التناقض في السلوك العام. فالتكوين ليس شهادة تعلق على الجدار، بل مشروع يومي يختبره الإنسان في كل موقف. وقيمة الإنسان الحقيقية أن يجعل ما تعلمه سلوكا يرى في عمله وبيته وعلاقته بالناس.

29/05/26 ألمانيا

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *